في هذه اللحظة بالذات ( ليلة الأربعاء - الخميس) اتصل بي، عبر الهاتف، أحد سكان دوار أولاد بوعزة الطويل جماعة الخنيشات إقليم سيدي قاسم، وحمّلني رسالة ثقيلة وعنيفة في الآن نفسه، مفادها أنه مند الليلة الماضية، هو وسبعة أفراد من أسرته ( الأب والأم المسنين، إخوانه وأخواته، وزوجة أخيه وابنها وبنتها الصغيرين) لازالوا عالقين جميعهم بالمنزل الكائن بنفس العنوان أعلاه وسط مياه فيضانات سبو التي غمرت الدوار بكامله، هم الآن وحسب أكثر من ثلاث مكالمات هاتفية أجريتها شخصيا معه، يعيشون جميعهم فوق أنقاض سطح غرفة من منزلهم الطيني، تكاد المياه تغمره من كل الجوانب، ولم يعد بإمكان الجميع مغادرة هذا السطح المكون أساسا من القش والقصب والأعمدة الخشبية، وهي مواد بسيطة وغير قادرة على تحمل المزيد من تأثيرات المياه الجارفة...
لم تخل المكالمة من أنين صديقي هذا، الذي وصل به الإحساس بالخطر درجة الأنين، الذي أحسست به في نبرات صوته الذي بُحّ من شدة الإحساس بالخطر القاتل الذي يقف قريبا منه، إنها لحظات صعبة وقاسية بالفعل، خصوصا وأني أثناء كل مكالمة كنت أسمع تنهّد بّا ادريس (الأب المسن)، وحشرجة صوته المبحوح.. كنتُ أحبس دموعي بين الفينة والأخرى مخافة التأثير على معنويات صديقي والتي يمكن أن تدفعه لفقدان الأمل والتفكير في أسوأ الاحتمالات؛ طيلة هذا المساء كنت مشغولا ومهموما بمصيره ومصير كل المنكوبين الذين لازال العديد منهم عالقا وسط مياه الفيضانات بمختلف الدواوير المجاورة لنهر سبو..
الحقيقة أن كل السبل ظلت مغلقة لتقديم النجدة لهذه الأسرة المنكوبة والمهددة بالموت غرقا في أية لحظة، قمت بجميع ما أستطيع، لكني شعرت بعجز كبير لإنقاذه رفقة أسرته، خصوصا أن كل الطرق المؤدية إلى ذلك الدوار مغمورة بالمياه على علوّ لا يقل عن المِتريْن، وما يزيد الأمر صعوبة أن المساحة التي غطتها المياه حول هذا الدوار كبيرة جدا، حيث يفصل بين الدوار وأقرب نقطة أصلها بسيارتي هي حوالي 3 كيلومترات.. لم أحس يوما بالعجز أكثر من هذا اليوم المشؤوم، أحسست، صدقوني، بالخجل العارم.. على الرغم من كوني قمت بجميع الاتصالات الهاتفية الممكنة مع بعض المسؤولين المحليين، لكن دون جدوى؛ الكل كان يبدي عدم قدرته على فعل الشيء الكثير لإنقاذ هؤلاء... المشكل الكبير جدا، أن هذه الأسرة، حسب صاحبنا، ليست وحدها التي علقت وسط مياه الفيضانات بنفس الدوار، بل هناك أكثر من 30 أسرة أخرى تعاني وسط المياه، ومهددة بالموت غرقا في كل لحظة وحين.. الكل ينتظر الفرج والنجدة، في ظروف جد قاسية بدون أكل وأغطيتهم مبللة بكاملها..
لهذه الأسباب كان عليِّ أن أطرق باب جريدتكم "هسبريس" من أجل مخاطبة كل مسؤول من مختلف المستويات، محليا أو إقليميا أو جهويا أو وطنيا، لنجدة هؤلاء بشكل عاجل وفوري خلال هذه الليلة، لأن الكل في وضعية مقبلة على الانهيار؛ المرجو من كل من يستطيع تقديم المساعدة لهؤلاء، سواء كانوا مسؤولين أو مواطنين محليين،أن يقوموا بذلك على وجه السرعة وبصورة عاجلة دون تردد ولا تأخير..
هذا، ومازالت هناك دواوير وهي : دوار ولاد بوعزة الطويل ودوار بلحسين ودوار الشاوية والربيلات مازالت محاصرة رغم تدخل بعض الطائرات لمروحية... كما أن هناك و إلى حدود الساعة جثة امرأة موضوعة على بقايا بعض الدور المهدمة ولم تجد من يخرجها من المكان الذي هي فيه.... كما أن مركز الخنيشات وفي هذه اللحظة بالذات بدأ يغمره مياه نهر سبو، ناهيكم عن الأراضي الفلاحية والعشرات من الماشية التي هلكت... مركز الخنيشات بدأت تغمره المياه بشكل تام كما بعض المناطق المجاورة ...