24 ساعة

مواقيت الصلاة وأحوال الطقس

النشرة البريدية

اشترك الآن في النشرة البريدية لجريدة هسبريس، لتصلك آخر الأخبار يوميا

المرجو التحقق من صحة البريد الالكتروني

إشترك الآن

استطلاع هسبريس

هل تتوقعون لجوء المغرب إلى القوة العسكرية أمام استفزازات البوليساريو؟

قيم هذا المقال

5.00

كُتّاب وآراء

Imprimer
الرئيسية | كُتّاب وآراء | حَاجزُ المُقدَّس

حَاجزُ المُقدَّس

حَاجزُ المُقدَّس

يشكل الموروث المقدس قناعة راسخة يصعب علينا مناقشتها والتعامل معها على أنها مجرد اعتقاد مبني على مسلمات غيبية. ويزيد من صعوبة الوضع اعتمادنا على معرفة جاهزة للاستهلاك تشكل التوجه الغالب والمتعارف عليه لمجتمع ما. هذه القناعات المتوارثة والتي تقوم عليها، في كثير من الأحيان، هويتنا الجماعية، تفرز لنا تلقائيا تعصبا فكريا يصل مداه حين تكون هويتنا على المحك. ومن الطبيعي أن يؤدي بنا هذا التعصب للفكر والعقيدة إلى الجدال والمواجهة العنيفة، لفظية كانت أو جسدية، ما دمنا نعتبرها دفاعا عن المقدس وعن الهوية.

ففي مجتمع البشرية، اليوم، مقدسات بالجملة، تخالف كل واحدة منها الأخرى وأحيانا تعارضها، وتدعي كل منها امتلاكها للحقيقة المطلقة. ورغم ذلك، يبقى اختلافها في المجمل يتمحور حول وجود الآخرة من عدمه وكيف تصور لنا هذه "الآخرة" أو هذه الحياة المفترضة بعد الموت. وكل هذه المقدسات تستمد قوتها بطبيعة الحال من ارتباطها بالخالق الموجد لهذا الكون، ولكل واحدة منها تعريفها أو بالأحرى تمثيلها لماهية هذا الارتباط ونوعيته. وبعد ذلك تأتي التفاصيل الأخرى من عبادات وقيم ومعاملات لتزيد من هوة الاختلاف وتجسده بمظاهر بادية للعيان، بعد أن كان الاختلاف مجرد أفكار مخزونة في الوجدان.

لكن، ما الذي يجعلنا لا نشك ولو للحظة في أن ما وصل إلينا من معرفة متوارثة أبا عن جد، تشكل بالنسبة لنا قناعة "مقدسة"، هي بالأصل مبنية على إشاعة كاذبة أو اجتهاد خاطئ؟ هل سبق وتحرينا عن مصداقية المصادر ونوعية المراجع التي اعتمدناها في ما نتداوله من معرفة تاريخية وعقائدية؟ وكيف لا، ونحن نتحدث عن أشياء محورية تحدد معالم هويتنا الجماعية ومدى فهمنا للوجود والمصير؟ ألم تكن الأرض منبسطة والشمس تغرب في عين حمئة؟ ألم يُعدَم غاليلي فقط لأنه خالف المقدس بمعرفته العلمية التي اعتمدت على البحث والتجربة حين صرح بأن الأرض هي التي تدور حول الشمس وليس العكس؟ فكم من مقدس يا ترى ليس بالصورة التي نتصورها؟ وكم من غاليلي يلزمنا لندرك هذه الحقيقة؟.

في المقابل، نجد أن بعض الذين لا يؤمنون بوجود الآخرة يتعصبون لكل ما هو "علمي"، متناسين أو غير مدركين لحقيقة ما يحمله هذا المفهوم من نسبية؛ وذلك بسبب تغير المعايير الأساسية التي يعتمدها وتطورها من زمن لآخر، وأيضا بسبب قصور المعرفة العلمية في تفسير البداية والنهاية بشكل دقيق لا لبس فيه. وبما أن كلا منا يؤمن بشيء ما يصعب علينا إدراكه بعقولنا، ونبني فهمنا للوجود على مسلمات أو فرضيات حسب ما استقر عليه وجداننا، فإن الاختلاف يصبح ضرورة عضوية، وسنة لا يمكن تجاوزها كأي قانون من قوانين الطبيعة.

وهنا يأتي السؤال المنطقي: لماذا نرفض الاختلاف؟ هل لأنه يزعزع قناعاتنا الموروثة؟ تلك المعرفة التي ندافع عنها بما أوتينا من قوة دون أن ندرك كيف وصلت إلينا وتشكلت حتى أصبحت قناعة لا يمكن المساس بها؟ هل لأنه يهدد وجودنا في الأصل؟ هل اختلاف الفكر والعقيدة هو الذي يخيفنا حقا؟ أم ما ينتج عنه من تحول في الانتماء والولاء؟ هل هو صراع أفكار أم هو نفس الصراع الأزلي من أجل البقاء؟ وهل نحن من يرفض الاختلاف؟ أم هو صراع بالوكالة يحركه من له هدف ومآل؟ أصبح السؤال الواحد أسئلة كثيرة، وصار الجواب يختبئ خلف كل سؤال.

ورفض الاختلاف لا يكون دائما بشكل معلن ومباشر، لأنه قد يختبئ أحيانا خلف ادعاءات وهمية مثل هاجس الاستقرار والأمن الروحي وزعزعة العقيدة والمس بالثوابت والمقدسات؛ وبالتالي قد يُلزَمُ المرء بعدم إظهار اختلافه عن العادات والممارسات الشائعة في المجتمع والاحتفاظ بأفكاره وقناعاته ومعتقداته لنفسه، ما يفرز لنا انفصاما خطيرا بين الهوية الفردية والهوية الجماعية، حيث يعيش الأنا صراع التواجد والاعتراف ومرارة الشعور بعدم الانتماء إلى الأنا الجماعي. وأساس المشكل يكمن في نظري في فهمنا للهوية الجماعية أو المجتمعية على أنها شيء ثابت لا يتغير، في وقت نجد أن جُلّ الدول الحداثية التي أمضت شوطا طويلا في مسار التقدم والتنمية باتت تؤمن بأن الهوية المجتمعية ليست بالمنظومة الجاهزة والنهائية، وإنما هي مشروع مفتوح على المستقبل.

إنَّ المجتمعات البشرية التي كانت في ما مضى منعزلة عن بعضها البعض، تدافع كل واحدة منها عن ثقافتها وتحاول فرضها على الثقافات الأخرى كلما سنحت لها الفرصة لذلك، مقتنعة بأنها الأسمى والأحق، ومدفوعة بالرغبة في السيطرة والقيادة، أصبحت اليوم تعيش في عالم موحد المفاهيم والقيم، مترابط الأركان والنُّظُم. وفي عالم كهذا لا بد لنا من تقبل الاختلاف شئنا أم أبينا؛ بل إن اتحادنا في ظل تنوعنا ضرورة حياتية من أجل بقائنا واستمرارنا في هذا الوجود. ولا داعي لاستغلال مفهوم المقدس لخلق الحواجز والثنائيات الزائفة، أو اللعب على وتر الهوية وما يسببه من صراعات لا تنتهي تخوضها أجيال متعاقبة لم ترث عن أسلافها سوى تعصب أعمى وحروب دموية.

لقد تطورت الحضارة الإنسانية وهي تشق طريقها بعُسر في منحى الزمن، ومنذ اللحظة التي تشكل فيها جنين النظام العالمي لم تعد أي مقارنة ممكنة بين عالمي الأمس واليوم في شتى المجالات. وإن كنا نعيش الآن مرحلة انتقالية تتخللها بعض مظاهر العالم القديم، فإن ما نقاسيه من ألم ومعاناة ما هو إلا المخاض الذي يسبق ولادة ذلك الجنين. وطبعا كلما اشتد ألم المخاض إلا واقتربت ساعة الولادة.


الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي هسبريس

الإشتراك في تعليقات نظام RSS تعليقات الزوّار (6)

1 - ندم الأحد 15 أبريل 2018 - 10:53
المشكلة ليس في المقدس ولكن في تفاهة من يناقش المقدس
2 - المقدس والاختلاف الأحد 15 أبريل 2018 - 17:26
اولا، ربطت الشمس في عين حمئة بمجالها العلمي، رغم انها ليست اصلا من اسس الاعتقاد، وفيها الالاف الاختلافات الاجتهادية بين العلماء. اي ان المسألة العلمية كما قلت هي مسألة نسبية ولكن للمتمكن، وليس للمتفيقه، او من طغت عليه اديولوجية اخرى لترسيخها كمنطلق لتفسير نصوص مقدسة او نظرية علمية.
ثانيا، انت ترى المعتقد متوارث في اغلب الحالات، اما الراسخون في العلم، اي الانسان الذي يقارن المعتقدات،ويكتسب مناعة للذود عن معتقده، فهو غير داخل في رؤيتك اصلا.
ثالتا، هناك الغرب بثقافته الغالبة، وهو لا يعير للاختلاف اية اهمية، مثلا، نحن دولة علمانية ليبرالية كليبتوقراطية،مع بقايا ضئيلة من الاسلام، والعادات والتقاليد.
رغم ذلك، اننا كلنا مختلفون، حتى الناس ذا المعتقد الواحد، فالاختلاف لابد ان يكون مقرونا، بقواعد اجتماعية واخلاقية صلبة، اما غير ذلك فهو تبعية عمياء.
3 - عبد العليم الحليم الأحد 15 أبريل 2018 - 21:11
شيوع الإختلاف
"وأما اختلاف الفلاسفة فلا يحصره احد وقد ذكر ابو الحسن الاشعري في كتاب المقالات مقالات غير الاسلاميين عنهم من المقالات ما لم يذكره الفارابي وابن سينا وامثالهما وكذلك القاضي ابو بكر بن الطيب في كتاب الدقائق الذي رد فيه على الفلاسفة والمنجمين ورجح فيه منطق المتكلمين من العرب على منطق اليونان..
ولكن مذهب الفلاسفة الذين نصره الفارابي وابن سينا وأمثالها كالسهروردي المقتول..وكأبي بكر بن الصائغ وابن رشد الحفيد هو مذهب المشائين اتباع ارسطو صاحب المنطق وهو الذي يذكره الغزالي في كتاب مقاصد الفلاسفة وعليه رد في التهافت..
واتباع ارسطو من الاولين اشهرهم ثلاثة برقلس والاسكندر الافرديوسي
وثامسطيوس صاحب الشروح والترجمة واذا قال الرازي في كتبه اتفقت الفلاسفة فهم هؤلاء

والا فالفلاسفة طوائف كثيرون وبينهم اختلاف كثير في الطبيعيات والالهيات وفي الهيئة ايضا وقد ذكروا انه اول من قال منهم بقدم العالم ارسطو
وقد ذكر محمد بن يوسف العامري وهو من المصنفين في مذاهبم ان قدماءهم دخلوا الشام واخذوا عن اتباع الانبياء داود وسليمان وان فيثاغورس معلم سقراط اخذ عن لقمان الحكيم وسقراط هو معلم افلاطن"ابن تيمية
4 - ali الأحد 15 أبريل 2018 - 22:22
مقال قيم جدا يستحق التشجيع والتقدير وينم عن مقدرة الكاتب العلمية وأطلاعه الواسع والأنفتاح الكبير على القيم الديموقراطية التي تحترم حق الختلاف وتقدسه . أما الغوغائيون فيجترون الأفكار الجاهزة ويتبنونها عن طريق الوراثة دون إعمال عقل ولا بصيرة .
5 - مغربي الاثنين 16 أبريل 2018 - 18:26
عجبا لعقول تستطيع التشكيك في كل ما له علاقة بالموروث الثقافي او بالاحرى الديني ولا تفعل الشيء نفسه مع تلك التصورات والنظريات الفارغة من قبيل اصل الانسان قرد مثلا وغيرها بدعوى الاختلاف الذي يرفع كشعار فقط لان صاحبه لا يريد ان يرى غيره يختلف عنه بان يعتقد ما يشاء علينا اذن ان ننظر لمسالة الاختلاف من الاتجاهين لنرى هل نحن اوفياء لمبدا الاختلاف لما يتعلق الامر بالاخر ام نحبه لانفسنا فقط
6 - عبد العليم الحليم الثلاثاء 17 أبريل 2018 - 03:16
إن الأمر الذي يُقر به المختلفون أشد الإختلاف

لهو أمر يستدعى التصديق أكثر مما يستدعي التكذيب

وفي نظري

هذا الإستدعاء للتصديق هو شيء يفرض نفسه أكثر مما

قد يفعله الحكم بكونهم كلهم مخطئون فيما لم يجدوا بُدًّ من قبوله

وإذا تأملنا حال اليهود والنصارى والمسلمين

لوجدناهم متفقون على أن موسى صلى الله عليه وسلم

قد كلمه رب العالمين

هذا مع كونهم قد يضحي بعضهم بنفسه من أجل العقيدة الي يتبناها خلافا

للآخرين



فلهاذا ليس من السهل قبول نفي وجود الله عز وجل ووجود موسى صلى الله

عليه وسلم

إلا إذا قُدم دليل هو من القوة بحيث لن يجد هؤلاء المتنازعون بُدًّا من قبوله كلهم



والله تعالى أعلم

فما قلته من صواب فبفضل الله تبارك وتعالى وما كان غيرذلك فمن نفسي والشيطان
المجموع: 6 | عرض: 1 - 6

أضف تعليقك

من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.