آليات الانتفاضة في الرواية السياسية

آليات الانتفاضة في الرواية السياسية
الأربعاء 30 مارس 2011 - 23:56


بينما أراقب ما يجري في شوارع المدن بين المحيط الأطلسي والخليج العربي في بداية 2011، أفحص بازار المفاهيم السياسية التي جرى استخدمها لقراءة هذا الفضاء خلال العشرين سنة الأخيرة، ومنها:


التفاوض بين الحكومة وأحزاب المعارضة، مبادرات الإصلاح من الداخل أو من الخارج، تداول السلطة عبر التوريث، محاربة الإرهاب، مفاوضات مراطونية لتخفيف حالة الطوارئ… حرية الصحافة… محاربة الفساد…


حاليا، لا يخاطب المحتجون الحكومات بل مباشرة يريدون إسقاط النظام. النتيجة: رؤوس النظام يقدمون تنازلات، يزيدون الأجور يقيلون وزراء ويعدلون دساتير… هذه مطالب كان التفاوض حولها يدور ويدوم عقدا ويتمخض عنه فأر… الآن هذه مطالب تتحقق بلا مفاوضات… الآن لا توجد مبادرات لنشر الديمقراطية بالوكالة، بل تجري إصلاحات، ولا دخل للخارج فيها تقريبا… حالات الطوارئ رفعت دفعة واحدة بلا تفاوض. الصحافة تعبر ولا تحاكم. لو جرى نشر ما تروجه الصحف اليوم منذ عشرة أشهر لأغلقت. والفساد؟ لم يعد نكرة تحارب. صار له إسم وعنوان. لذا تجري محاربة المفسدين وتعلن أسماؤهم في لافتات وشعارات المتظاهرين… هؤلاء الذين تصلب صورهم في مقدمة المظاهرات لا يذهبون للمحاكم لتقديم شكايات لأن سمعتهم تضررت بسبب القذف… يصمتون ولا يطلون على الفضاء العام…


هذا الذي يجري ليس مرشحا ليهدأ، اختفى الوسطاء التقليديون الذين يزعمون تمثيل الشعب والحديث نيابة عنه، وبالتالي يقومون بتبريد المرجل نيابة عن السلطة، لقد اختفى هؤلاء أو على الأقل رجعوا إلى الصفوف الخلفية، لواحد من ثلاث أسباب:


إما لأن النظام الحاكم أنهكهم بالتضييقات والمتابعات القضائية الماراطوينة. وإما لأنه تمكن من إرشائهم بالامتيازات وبالتالي فقدوا شرعيتهم في عين الشباب. وإما لأنهم يخافون أن يتهموا بركوب وسرقة ثورة عجزوا عن صنعها طيلة نصف قرن.


نتيجة لهذا، ما عاد بالإمكان المطالبة بالتغيير إلا من خارج دائرة السياسيين المحترفين المسنّين. وثانيا من خارج التنظيمات المعروفة المقر والقيادة، وهذه تنظيمات حزبية ميكروسكوبية تقول أنها ستأتينا بثور عبر المفاوضات، تذهب يعرض عليها دجاجة وتعود إلينا بعد شهر ببيضة.


خرج هؤلاء الذين تفاوضوا مع الأنظمة طيلة نصف قرن من معادلة الصراع الحالي، صار الشعب يتحدث بنفسه عن نفسه في الشارع. من يمثل الشعب؟


ليس اليسار، ليس الإسلاميين، ليس القوميين، بل الشباب.


كيف يمكن لمرحلة عمرية أن تكتسب دلالة سياسية تمثيلية؟


هذا معطى واقعي لم يتمأسس مفاهيميا بعد، لكنه يبرز أن ذاك البازار المفاهيمي القديم لا يصف ويفكك ويفسر الواقع السياسي الذي يتبلور.


وهذا يقتضي مقاربة جديدة، لذا وفي إطار بحثي رجعت إلى واحدة من أشهر الروايات العالمية التي تناولت بعمق وتوثيق مقدمات الثورة. في رواية “الممسوسون” التي صدرت عام 1872، ست سنوات بعد محاولة اغتيال القيصر الروسي، يقدم فيودور دوستويفسكي مرجعا في طرق التحريض الثورية، يحاور أحد الشباب (بيتر ستافروجين) كاتبا روسيا شهيرا هرب من العاصمة بسبب إشاعات عن وجود وباء، وما يقلقه هو احتراق مخطوط له إذا احترقت موسكو، والكاتب يخطط لبيع أرضه ليرحل إلى ألمانيا، رغم ذلك يعبر بنزاهة فكرية عالية عن إعجابه بالشباب الروسي:


– لأنهم يتحدثون بصوت مرتفع بينما الجميع صامتون.


– لديهم شجاعة قل نظيرها.


– يرون الحقيقة وجها لوجه (ص379).


– ينبع عمقهم الفكري من غياب الكرامة.


يستنتج أن الجميع يخاف الشباب وهذا دليل على أنهم أقوياء، بفضل تحريض منظم ومستمر. ماذا ينتج عن هذه القوة؟


– تقويض هيبة ونفوذ المسئولين.


– التركيز على الفضائح.


– زرع الشك في الجمهور.


– ومن ثمة خلق تعطش لغد أفضل.


ماذا سينتج عن هذا؟ الحريق. اي الثورة. (ص 558)


في مسار توصيفه لما يجري، ينتقد الكاتب الجرذان التي تكون أول من يهرب من السفينة المهددة بالغرق في إشارة إلى الأغنياء الروس الذين يهربون أموالهم سنويا للغرب. يقول أنه لم تعد هناك قشة يمكن التمسك بها في البلد وأن روسيا بلد خشبي يحترق بسهولة.


وأنا أعيد قراءة الرواية، أفكر في كل الذين اختفوا وصمتوا خلال الاحتجاجات في مصر وتونس، ثم فجأة صاروا يؤيدون الثورة بعد قيامها ونجاحها. في ملايير الدولارات التي يعلن عن تجميدها أو توزيعها لشراء الهدوء. أين كانت مخبأة؟


إذا أخذنا أوصاف دوستويفسكي للشباب الروسي في نهاية القرن التاسع عشر، سنجد أنها تفسر حركة اشتغال الشباب الذين يصنعون ربيع الشعوب العربية اليوم. بغض النظر عن الفايسبوك.


حين أشعل البوعزيزي النار في نفسه كان ذلك تعبيرا عن حجم الغضب المتولد عن “الحكرة”. كان ذلك السلوك مدمرا لتصورات الحكام عن شعوبهم الطيبة الخانعة. أتذكر حالة الرعب التي عاشها الرئيس بنعلي حين بدأ الهاتف يرن بينما هو يخطب مباشرة. ثم حين اضطر لكي يزور البوعزيزي على فراش الموت. ثم حين خطب القذافي المرعوب ليحذر التونسيين من سقوط بن علي. حين يخاف الحكام تتقوض هيبتهم تماما.


حين يتضح أن بائع خضر أشجع من رئيس دولة فإن المزاج العام يتغير بفعل تلك الشجاعة المعدية. وقد كانت تلك الشجاعة أشبه بمسلاط كهربائي شديد القوة، وصل نوره إلى زوايا جد معتمة، وقد سمح لنا ذلك بأن نرى بوضوح أشياء كنا نتعثر بها وننكر أو نشك أو نقلل من حقيقتها… الآن نرى الحقيقة وجها لوجه.


في المغرب بينما كان الوزراء يعتبرون أن الدستور الحالي كافي ويزيد، تقدم الشباب بطلب أعلى. وكانت النتيجة مدهشة، كان الملك الراحل الحسن الثاني يخرج نص الدستور من جيبه، يضعه على الطاولة فيهب حواريوه قبل قراءة النص ليقولوا أن هذا الدستور فتح في مجال الديمقراطية. الآن، شكل الملك محمد السادس لجنة معروف أعضاءها وستجري اتصالات واسعة…


حاليا، تجري الأمور بسرعة كبيرة، وتيرة المطالب ووتيرة تنفيذ الإصلاح. في مصر، بين 25 يناير و20 مارس، في أقل من شهرين قام المصريون بثورة غيروا الرئيس عدلوا الدستور وأجروا استفتاء. في المغرب سيتطلب تعديل الدستور وحده ستة أشهر.


بفضل هذه شجاعة الشباب صارت السلطة في مواجهة الشارع، بلا صمامات أمان، بلا سقف يطمئن إليه الجميع، بلا وسطاء بين رأس النظام والمحتجين، المطالب تطرح ويتم انتظار الجواب عنها حينا، مطالب شفوية هي في جوهرها إملاءات غير قابلة للتفاوض، والتماطل يرفع سقف المطالب بدل أن يضعفها:


مطلوب إقالة محمد الغنوشي.


حاضر.


مطلوب استقالة أحمد شفيق.


أمرك يا شعب. هكذا يرد الباشا طنطاوي. .


سلطان عمان أقال 13 وزيرا، ملك الأردن بدل الحكومة كاملة، وهو مستعد أن يبدلها كل شهرين.


الطلب والجواب في الحين، هذا غير مسبوق.


الاستجابات المذعورة تجلب محتجين آخرين للشارع. وتضخم عدد المحتجين يزيد من احتمالات انتقال العدوى لمدن وبلدان أخرى… وهكذا فأن البلدان العربية خشبية أيضا، يمكن أن تحترق أو تغرق بشكل أسرع مما يتوقعه حتى أصحاب الخيال الواسع. وليس صدفة أن يقول زعيم حزب العدالة والتنمية بصراحة “يجب المحافظة على الفلوكة ديالنا، لأن أي مبالغة في الاحتجاج، قد تنقلب تلك الفلوكة، وساعتها لا نضمن أن نجد مثلها”.


معه حق، فقط أن أحد شخصيات روايات براء الخطيب تقول “نحن الفقراء لن نخسر شيئا إذا جاء عاليها واطيها”.


ومع دعم المجتمع الدولي للثوار في ليبيا، بغض النظر عن المصالح والحسابات التي يجريها دبلوماسيون يشربون فنجان قهوة آمنين في فنادق خمسة نجوم، بينما عليهم أن يتخندقوا مع ثوار بنغازي ودبابات القذافي تقصدهم.


تدخل الغرب هنا مبرر تماما، فلادمير بوتين الذي سحق الشيشان ينافق بالحديث عن حملة صليبية. الآن سيفكر أي نظام عربي ألف مرة قبل سحق شعبه. وهذا الوضع سيجعل الشباب – هذا مصطلح الذي سيخرج من معجم الترفيه والسيكولوجيا ليحلق فوق المفاهيم السياسية – قادرين على تقويض الاستبداد، والاستمرار في مراقبة الحكام الجدد.


فالقوى المحافظة مازالت قوية، وأي استرخاء سياسي سيمكنها من استرداد المبادرة.

‫تعليقات الزوار

6
  • هدهد سليمان
    الخميس 31 مارس 2011 - 00:08

    كل مطالع يقرأ هذه الأيام معظم المقالات و التعليقات التي تتحدث عن “الثورات” و “الإنتفاضات” في العالم العربي، و بالتالي يتابع ردود أفعال جماهير هذه الأمة ( إن صح ما يقال و يشاع و يكتب و يذاع و يصور عنها، على أنها أفعال و ردود من صميم العرب أنفسهم) فإن ذلك القاريء سيخرج بتصور واحد؛ و هو أن الغرب الصليبي الصهيوني كان مقصرا إلى أبعد الحدود في حق هذه الجماهير ( وشر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون)؛ إذ كان على هذا الغرب الصليبي إجثاث هذه الأمة من فوق الأرض بالكامل.
    لـــكــنــها الحرب النفسانية الإعلامية الصليبية على الأمة العربية و الإسلامية، و هذا هو هدفها في زرع الشك و اليأس و الإحباط في نفوس الجماهير، بعد أن فشلت في توجيه الضربات التدميرية العسكرية إليها و ما نجحت. و لم يبق لها إلا تسميم جوهر قيمها الدينية و الثقافية و التاريخية كمحاولة أخرى في تدمير أركان هذه الأمة و بدون تكاليف و لا تبعات على الإستعمار الجديد.
    و هاهي الآلة الإعلامية (العربية نفسها قبل غيرها. و هي تابع ذيلي للإعلام الغربي) قد صارت اليوم تقلي الشعوب العربية قبل الحكام في زيوتهم.
    فلا يحسبن، ملوك و أمراء الرجعية العربية المتواطئة حاليا مع الغرب الإمبريالي ، لا يحسبن أحد منهم أنه بمنأى عما تعيشه ليبيا و اليمن و سوريا و مصر و الأردن.( فعلى الباغي تدور الدوائر).
    أما جماهير الأمة فإن “خراءها لن تمسحه خروق” (كما يقال بالمغربية)، كناية على عسر العواقب الوخيمة؛ إن لم يجدوا حلولا لمشاكلهم حلا مناسبا قبل فوات الأوان.

  • younes
    الخميس 31 مارس 2011 - 00:06

    مقال جميل

  • مريم عقبة
    الأربعاء 30 مارس 2011 - 23:58

    شكرا على هذا المقال الرائع للتذكير المغرب و ملكه لن يفوتا الفرصة على الشفارة

  • مغربي حر
    الخميس 31 مارس 2011 - 00:00

    كاتب المقال يساري لأنه استند إلى روايات الروس وهو يريد أن يخيفنا من ثورة الشباب، وكأنه يهدد المغاربة بقلب الطاولة أو كما قال بقلب الفلوكة. واما زعمه أن المصريين عدلوا الدستور في زمن أقل من شهرين هذا ينم عن شحدشبابنا في المزيد من الاحتجاجات لكنه نسى أو تناسى أن المصريين يعيشون في ألا استقرار ليس كمثلنا في أمان كما أن المصريين عدلوا ثماني بنوذ من الدستور وأغلبهم غير راض عن النتيجة أما نحن فملكنا أعطى الحرية لكل حزب او جمعية حقوقية…. إبداء رأيها بكل حرية في جميع بنوذ الدستور زيادة على ذلك فالملك وسع النقاش في العديد من الشرائع التي لا تتوفر عليها أي دولة عربية كالجهوية وفصل السلطات وفصل القضاء. غذهبوا ونفثوا سمومكم بعيدا عنا فالمغرب يسير بخطا تابثة نحو الديمقراطية

  • soukaina
    الخميس 31 مارس 2011 - 00:04

    بسم الله الرحمان الرحيم
    إن الثورت التي تشهدها الدول العربية الآن هي نتيجة لأنظمة بعيدة المدى
    التي حاولت التسلط وفرض نظام ملكية مطلقة وسلطة إحتكار الشعوب وتجريدهم من حقوقهم فهذه السياسة قد ولت يا معشر الحكام لأننا نحن الأمة العربية سننتصر بإذن الله على إستبدادكم وجبروتكم الهين
    والإنتصارات التي سجلتها ذاكرة الحاضر هي خير دليل على ذلك.

  • mmed
    الخميس 31 مارس 2011 - 00:02

    الظواهري: إذا لم تجلب المظاهرات العربية الإسلاميين للحكم فإن العنف سيكون إلزاميًا
    «موسى»: هناك علامات استفهام وتعجب بشأن إدارة المرحلة الانتقالية في مصر
    الآلاف يتوافدون على ميدان التحرير للمشاركة فى جمعة “إنقاذ الثورة”
    اقتحام مخزن للآثار وسرقة محتوياته بمحافظة الشرقية
    أمين شرطة سابق بـ«أمن الدولة» يتزعم عصابة للسرقة بالإكراه في أسيوط
    القبض على «سلفيين» بتهمة هدم «أضرحة» في القليوبية.. والنيابة تحقق
    وزير الداخلية: لا تراجع عن إلغاء الحرس الجامعى
    C’est L’EGYPTE
    C’est ce que 20 Fevrier nous réserve

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55

جولة ببحيرة الكاطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 6

مع نوال المتوكل

صوت وصورة
رسالة الاتحاد الدستوري
الجمعة 15 يناير 2021 - 17:55 3

رسالة الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
العروسي والفن وكرة القدم
الجمعة 15 يناير 2021 - 15:30

العروسي والفن وكرة القدم