أحلام تعارك واقعا قاسيا

أحلام تعارك واقعا قاسيا
الإثنين 31 غشت 2020 - 15:10

قراءة في رواية “الحي الخطير” لمحمد بنميلود

نُشرت الرواية بتعاون بين دار الساقي والصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق). وهي تحوي مائة واثنين وتسعين صفحة. تروي الرواية قصة سجين مغربي ينحدر من حي هامشي يوجد بضواحي مدينة الرباط، عاصمة المملكة المغربية. ومن خلاله، نستطيع تشكيل صورة عن شريحة واسعة من المجتمع المغربي: عن رجالها ونسائها، وعن قيمها وأخلاقها، وعن بؤسها وشقائها، وعن مخاوفها وهواجسها، وعن أمالها وأحلامها.

طوباوية الحلم الثوري

عَنْون الروائي الفصل الأول من روايته بـ”ما العمل؟”. وهو عنوان يحمل، في حد ذاته، أكثر من دلالة. إنه يحيل على كتاب من كتب “لينين” الشهيرة. ومع التقدم في قراءة الرواية نجد سببا وراء اختيار هذا العنوان. يحكي مراد (بطل الرواية) حياة خاله، الطالب الجامعي، الذي كان ينتمي إلى فصيل طلابي ماركسي، يناضل باسم الشعب، ومن أجل الشعب. ولأنه كان يحمل جينات ثورية خطيرة فقد اختفى ذات يوم ولم يترك وراءه غير كتب ومناشير وبيانات ورسائل غرامية احتفظت بها أم مراد، وفاء لذكرى أخيها، الذي لم ينقطع أملها في رجوعه أبدا.

ولعل الخلاصة التي انتهى إليها مراد بعد قراءته “ميراث” خاله هي أن الفقر ليس مسألة إلهية، كما كان يعتقد في السابق، وإنما هو، أولا وأخيرا، مسألة إنسانية، أي أن الإنسان، وليس الله، هو الذي جعل أخاه الإنسان فقيرا. وهذا الأمر لا يعني شيئا آخر غير أن مصير الإنسان بين يديه، ولا يوجد أمامه غير خيارين: إما أن يقبل وضعه البئيس ويرضى به، وإما أن يرفضه ويثور عليه.

كان خال مراد، مثل كل الماركسيين، يؤمن بالثورة، التي يجب أن يقوم بها “الشعب” ضد المتحكمين فيه، الذين يتمتعون وحدهم بخيراته، ويستغلون أبناءه. وقد أوصله نضاله إلى مكان لا أحد يعرف عنه شيئا. لذلك لم يجد هذا الاختيار هوًى في نفس مراد، الذي بدا له حلم خاله طوباويا، فعقد العزم على العمل بشكل واقعي في إطار عصابة من ثلاثة أفراد يائسين من أجل تحقيق حلم بدا لكل واحد منهم مشروعا وقريبا.

حلم الغِنى المستحيل

اتضح لمراد الهدف من الحياة، وهو، ببساطة، جمع أكبر قدر من المال. إن صوت المال يجعل كل الأصوات الأخرى خرساء، ولا تساوي الفضائل، بما في ذلك الشرف، أمامه أي شيء. فـ”الفلوس هي الشريفة العفيفة الوحيدة التي يثق في شرفها كل الرجال، لذلك علينا مطاردتها ومغازلتها أينما كانت”.(1)

وفي سبيل البحث عن هذه “الشريفة العفيفة” اتجه مراد إلى بيع المخدرات، لأنها الطريق السريع إلى الغنى. بيد أن ولوج سوق المخدرات أمر في غاية الخطورة، لأن هناك عصابات ومافيات تسيطر على هذا السوق، وتحتكر سلعه، وتُهدّد بالموت كل من تسوّل له نفسه العمل دون إذنها، وتحت إمرتها.

وجد مراد نفسه وجها لوجه مع عصابات لا قِبَلَ له، ولصديقيه عبد الرحمان ورشيد، بها. وقد خاضوا جميعا مواجهات دامية مع أفراد من عصابات مختلفة. وفي النهاية، قُتل صديقا مراد: أحدهما من طرف عصابة معادية، والآخر من طرف رجال الشرطة. أما مراد نفسه فقد أُلقي عليه القبض، وحُكم عليه بالسجن ستة عشر عاما.

الخروج من السجن.. الحلم الذي لم يحن وقت تحققه بعد

في الفقرة الأولى من الصفحة الأولى من الرواية نعرف أن الراوي يوجد في السجن. لا شك أن الحياة في السجن قاسية، خاصة إذا كنتَ سجينا في زنزانة انفرادية، رطبة ومظلمة. لكن الحياة في السجن، رغم قساوتها، تبقى آمنة مقارنة بالحياة في “حي خطير”، تعيش فيه، وأنت مهدّد، على الدوام، بالقتل، وملزم بالدخول في حروب من أجل الدفاع عن حقك في الحياة. فـ”كل يوم جديد في حياتك هو يوم حرب”.(2)

حديث مراد عن حياته في السجن سيجره إلى الحديث عن طبيعة السلطة في الدولة المغربية من أعلى الهرم إلى أسفله. وهو يفرد حيّزا هاما لما يمكن أن نطلق عليه اسم “مُخبر الحي” (المْقَدّمْ)، باعتباره مُمثل السلطة، وعينها التي لا تنام. وباختصار، يمكن القول إن الدولة، في نظر مراد، ليست سوى عصابة “من آلاف الأشخاص والتي لا تكدس الثروة من عائدات تجارة الحشيش بالجملة فقط، بل من عائدات كل تجارة أخرى يمكنك تصورها أو حتى عدم تصورها”.(3)

ولتمضية الوقت، الذي يمر بطيئا للغاية، يستعيد مراد في ذهنه حياته السابقة، أي قبل دخوله السجن، ويصوّر جوانب مختلفة من حياة حيّه. وهكذا نعرف الأصل القروي لسكان الحي، وأسماء بعضهم، ومهنهم، وعلاقة الرجال بالنساء، إلخ.

يبدو أن مراد، منذ دخوله السجن، وهو يحلم بالهرب منه. إذا غضضنا الطرف عن دلالات عنوان الفصل الأول (ما العمل؟)، فإننا نستطيع أن نجيب بأن العمل المطلوب هو إيجاد طريق للهرب من السجن وفي أقرب وقت ممكن. وقد خطّط مراد لهذا الهرب مرات عديدة، لكنه لم ينجح رغم قضائه سنوات في ذلك السجن الرهيب. ورغم ذلك ظل حلمه قائما، ولم يتلاش أو يصبه الوهن أو اليأس، وظل يرى أن تحقّق هذا الحلم “مسألة وقت فقط”.(4) وبهذه العبارة تنتهي الرواية. وبذلك فهي تفتح كوة أمل، وتلطف، إلى حد ما، ذلك الجو السوداوي الذي خيَم عليها منذ البداية.

على الدوام.. ثمة ولكن..

أول ملاحظة تسجلها، وأنت تقرأ الرواية، هي أن لغتها شفافة، لا تغتال الأشياء، ولا تبحث عن أي تنميق مبالغ فيه. عيبها أنها تستخدم أحيانا أفعالا بالدارجة المغربية، فيخال القارئ أنها عربية فصيحة، لكنها ليست كذلك. ثم إنها تُزاوج أحيانا بين الدارجة المغربية وبين اللغة العربية الفصيحة وفي جملة واحدة أحيانا، مثال ذلك: “آويلي وحدي.. تريد أن تقتلني؟…الذي تركه أبوك تريد أن تكمّله لي أنت”.(5) من المؤكد أنه لا توجد امرأة مغربية تستخدم هذه العبارات وإن كان معناها متداولا جدا بين نساء المغرب. أما استخدام الكلمات التي تدخل في إطار ما يعرف بـ”الطابو” فأعتقد أن السياق كان يقتضي استخدامها.

الرواية مقسّمة إلى فصول، ولكل فصل عنوان معين. لكنني أعتقد بأن هذا التقسيم لم يكن موفّقا تماما، ذلك أن الفصل الثالث الذي يحمل عنوان “أعشاش داخل أشجار الشوك”، كان أكبر بكثير من كل الفصول الأخرى، إذ يفوق عدد صفحاته وحده مائة صفحة، بينما تقتسم الفصول الثلاثة الأخرى ما تبقّى من صفحات الرواية. وحتى داخل هذا الفصل نجد الروائي يقف في بداية أو وسط صفحة معينة، وينتقل إلى الصفحة الموالية، دون أن نعرف هل يتعلق الأمر بفصل جديد دون عنوان أو بفصل صغير داخل الفصل الأصل.

وتجدر الإشارة إلى أن تناول موضوع الحياة في الأحياء المهمشة والفقيرة ليست مسألة جديدة في الرواية المغربية، إذ سبق للعديد من الروائيين المغاربة أن تناولوها في رواياتهم. ولعل أبرز مثال على ذلك مبارك ربيع في روايته “الريح الشتوية” (1977)، التي تدور أحداثها في “كاريان سنطرال” أحد أشهر الأحياء القصديرية بالدار البيضاء.

آخر ملاحظة يمكن تسجيلها هي أن أحداث الرواية لا تجري في مغرب اليوم. إذ يبدو أنها تعود إلى مرحلة تاريخية سابقة، رغم أن الروائي لا يحدد الزمن الذي تجري فيه أحداث الرواية. لكن هذا القول لا يعني نهائيا أن ما تقوله الرواية ينتمي إلى ماض سحيق، بل إنه قريب جدا من يومنا هذا، إذ لا تزال الكثير من الأحياء الهامشية، التي لا تخلو منها أي مدينة مغربية، وخاصة المدن الكبرى كالرباط والدار البيضاء، تعاني من فقر مدقع، وبؤس مخيف، وينتشر فيها الاغتصاب والدعارة والإدمان، وكل أصناف الجريمة الأخرى. كما يلاحظ أن هناك نوعا من الوعي السياسي آخذ في التبلور، إلى جانب، أو بالتزامن، مع فقدان “المخزن” لجبروته القديم، واضمحلال هيبة مخبر الحي (المْقَدْمْ) القديمة. بيد أن دمقرطة الحقل السياسي والعدالة الاجتماعية لا يزالان، على الرغم من كل ما قيل، يشكلان مطلبا بعيد المنال.

الهوامش:

1- محمد بنميلود، الحي الخطير، دار الساقي، بيروت، الطبعة الأولى، 2017، ص: 175

المرجع نفسه، ص: 29.

3- المرجع نفسه، ص: 32.

4- المرجع نفسه، ص: 189.

5- المرجع نفسه، ص: 163.

‫تعليقات الزوار

4
  • مغربي
    الإثنين 31 غشت 2020 - 15:35

    الحبس ماشي ساهل
    من بين أسوء ما يمكن أن تتعرض له في الحبس
    أن تنام في غرفة واحدة مع عدد كبير جدا من المساجين
    و في الليل تسمع سمفونية عجيبة هذا يضرط و هذا يفسو و هذا يشخر و هذا يسعل و هذا يتمخط و هذا يثرثر مع زميله

  • عبد الرحيم فتح الخير .
    الإثنين 31 غشت 2020 - 16:23

    قبل سنوات حلت بحينا فتاة في غاية الجمال عاشت كما الأطفال شهرا أو شهرين قبل أن تكتفي بإسناد ظهرها للحائط تتابع لهونا من بعيد . لاحظت وانا الطفل الصديق والمقرب لها من بين الجميع أنها تلبس ثيابا فضفاضة لأسبوع قبل أن تختفي شهورا ثم تعاود الظهور . عادت الطفلة النشيطة كما عهدتها أول تعارف ، ولكنها غادرت الطفولة ولم تغادرها الطفولة . ولأنها فقيرة ومعدمة ، اشتغلت في كنس بيوت الميسورين من الجيران . هاجر أهلها الحي لألتقيها صدفة بعد ذالك بسنوات وجدتها ازدادت جمالا على جمال ، وروعة على روعة . صادفتها بأحد المطاعم لم تكن نادلة بل زبونة . وكأنها لم تفارقني يوما صاحت عبد الرحيم .. أنا هنا . جلست بجانبها على الطاولة وقبل تسمح لشرود السؤال أن يستبد أجابني هذه انا : نفس الفتاة المغتصبة ، الحامل المتنازلة عن المولود ، شغالة البيوت . هي هي غير أنني تعلمت الدرس لاشيء بالمجان . أنا جميلة ، وأنا فقيرة . ولكنني مرغوبة ، أنا عاهرة ؟! كنت دائما عاهرة ، حتى وأنا اشتغل بالبيوت كنت عاهرة ، الزوج يريد والإبن يريد بالاكراه بغير الإكراه يريد … يتبع

  • عبد الرحيم فتح الخير .
    الإثنين 31 غشت 2020 - 16:30

    صفحة طويناها أنا الآن من يختار الزبون ، وأنا من يفرض الشروط . العمل هو العمل أنا أقدم خدمة ، أنت من يريد ، وأنا من يحدد السعر . وكأنها قدري وكأنني موعود بتفاصيل حياتها ولو من بعيد تمر السنين ونلتقي صدفة ولكن من بعيد رأيتها تترجل من السيارة وإلى جانبها رجل يكبرها بكثير ولكنه وسيم فتحت الباب من جانبها فنزلت نسختها من البنات وفتح صاحبها الباب الآخر فنزل طفلان . زوجها وثلاث أطفال ، وحياة سعيدة . بداية جميلة لامرأة أحببتها في صمت ولازلت .

  • عبد الرحيم فتح الخير.
    الإثنين 31 غشت 2020 - 22:47

    قد يعتقد البعض أن هذه القصة من نسخ خيالي وقد يشكك البعض ولكن أقسم بالله الذي لا أومن بوجوده أنها قصة عايشتها حقيقة الطفلة حقيقية وانا حقيقي ولله في خلقه إن كنت تؤمن بنظرية الخلق شؤون . تحياتي علي توقيع الصديق كتاب.

صوت وصورة
أوزون تدعم مواهب العمّال
الإثنين 19 أبريل 2021 - 07:59

أوزون تدعم مواهب العمّال

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والأقارب
الأحد 18 أبريل 2021 - 22:00

بدون تعليك: المغاربة والأقارب

صوت وصورة
نقاش في السياسة مع أمكراز
الأحد 18 أبريل 2021 - 21:00

نقاش في السياسة مع أمكراز

صوت وصورة
سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان
الأحد 18 أبريل 2021 - 19:00

سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان

صوت وصورة
شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:36

شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع

صوت وصورة
علاقة اليقين بالرزق
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:00

علاقة اليقين بالرزق