أزمة قطاع التعليم بالمغرب: مكامن الخلل ومقاربات الإصلاح

أزمة قطاع التعليم بالمغرب: مكامن الخلل ومقاربات الإصلاح
أرشيف
الإثنين 14 دجنبر 2020 - 19:47

إن الوضعية الحالية لمنظومة التربية والتكوين يمكن وصفها بالوضعية المقلقة جدا، بالنظر إلى كل التقارير الوطنية والدولية، وكذا كل المعايير والمؤشرات الدولية. ومما يؤكد هذه النظرة للأسف تذيل المغرب لسلم التصنيف العالمي في مؤشر التربية والتكوين، الذي يعد مؤشرا مهما يقيس مستوى التنمية داخل كل مجتمع. ورغم أن منظومة التربية والتكوين خضعت لتحولات عميقة وحاولت التخلص من رواسب الاستعمار، إلا أنها مازالت تعاني من اختلالات حقيقية تحول دون النهوض بهذا القطاع الحيوي والحساس.

إن كل المقاربات التشخيصية التي بنيت عليها مختلف المخططات والإستراتيجيات التي حاولت قدر المستطاع ملامسة المشاكل الحقيقية التي يتخبط فيها هذا القطاع، والاقتراحات التقويمية التي تبلورت على شكل برامج وتوجيهات وتوصيات، لم تعط أكلها نظرا لعدم وجود رغبة حقيقية للإصلاح وعدم التمكن من رسم سياسة تربوية متكاملة وواضحة المعالم، تدفع بالمنظومة إلى الرقي والازدهار. فماهي أهم الصعوبات والإكراهات التي تعرقل تقدم هذا القطاع؟ وما هي أهم الإمكانات والفرص المتاحة اليوم لتجاوز الأزمات المتعاقبة، التي ظل يعاني منها هذا القطاع منذ الاستقلال إلى اليوم؟.

المبحث الأول: أهم العراقيل والعقبات التي تعوق تطور منظومة التربية والتكوين

إن أهم العقبات التي لا يمكن لأي متتبع للشأن التربوي في المغرب أن ينكرها تتمثل أساسا في المقاربات السياسية والتدبيرية الخاطئة التي جعلت هذا القطاع يعيش في دوامة لا متناهية ويتخبط في مشاكل عويصة، استعصت على الحل، إذ ينظر إلى هذا القطاع كأداة في يد السياسيين للضغط على فئات مهمة من المجتمع، خاصة الفئات الفقيرة والمتوسطة. وهذه هي الحلقة الأهم في الموضوع، وهي عدم وجود إرادة حقيقية للساهرين على تدبير السياسات العمومية في المغرب لإصلاح قطاع التعليم، وجعله رافعة أساسية للنهوض بالمجتمع، وتركه عرضة للعبث السياسي الذي وصل بنا إلى نتائج كارثية؛ إذ إن كل تيار سياسي يستورد أو ينتج منظورا خاصا به تؤطره فلسفة المصالح، ويفرض أجندته على المنظومة ككل.

إذن، فمن أجل تحديد الأسباب الحقيقية وراء تقهقر السياسة التعليمية في المغرب، ومن ثم فشل المنظومة التعليمية، لا ينبغي أن يحيد تحليلنا عن الدور السلبي للعامل السياسي المتحكم بشكل كبير في العامل الإصلاحي التربوي؛ وذلك في غياب واضح لأي إستراتيجيات موضوعية وقابلة للتنزيل تعكس الأهداف الكبرى للإصلاح التي تنادي بها جل الخطابات الملكية.

ومن العراقيل الأخرى التي تعوق تطور المدرسة العمومية والنهوض بأدوارها التعليمية التعلمية، يمكن الحديث كذلك عن تخلف القطاع الخاص عن موعده في ما يتعلق بتفعيل شراكات حقيقية ومندمجة تجعل منه رافدا مهما من روافد الإصلاح. كما أننا لا نفهم كيف أن القطاع الخاص يستثمر أمواله في تشييد مدارس تعليمية خاصة، ويتخلف عن دوره المواطن في دعم وتأهيل المدرسة العمومية، مع العلم أنه يستفيد من امتيازات ضريبية وعقارية ويحصل على أرباح خيالية، فبدل أن يستثمر كل هذه الإمكانيات في دعم ومساعدة القطاع العام التربوي على النهوض، نجده يستثمر في مجالات تجارية محضة لا تعود بالنفع على منظومة التربية والتكوين التي يشتغل في إطارها ويخضع لضوابطها وقوانينها وترخيصاتها.

يمكن الحديث أيضا عن عراقيل أخرى تروم تأزيم وضع منظومة التربية والتكوين، تتجلى في عدم القدرة على تأهيل كفاءات وموارد بشرية ذات قدرات عالية يمكن الاستفادة منها في وضع خطط وبرامج وإستراتيجيات قابلة للتنفيذ على المستوى القريب والمتوسط والبعيد، تراعي خصوصيات الواقع التعليمي المغربي وتستفيد من تجارب الدول الرائدة في هذا المجال؛ وبالتالي فالعقلية المسيطرة على تدبير المنظومة التعليمية تتميز بكونها تقليدانية وغير قادرة على استيعاب التطورات الحاصلة في هذا المجال وترجمتها إلى مناهج علمية دقيقة وقابلة للتنفيذ.

هذا الأمر يحيلنا كذلك على موضوع لا يقل أهمية يتعلق بالتكوين والتكوين المستمر داخل المنظومة، وما تترتب عنه من تبعات تلقي بظلالها على العملية التدبيرية لهذا القطاع. فلا يعقل ألا يستثمر القائمون على المنظومة التعليمية كل مجهوداتهم في سبيل تأطير وتكوين رجال ونساء التعليم في ظل عدم تخصيص ميزانية مهمة للتكوين والبحث والإنتاج العلمي في هذا المجال الحيوي. هذه فقط بعض المشاكل التي تفسر تخلف المدرسة لعمومية عن القيان بأدوارها الإستراتيجية، والتي لا يمكن تجاوزها إلا باستثمار كل الإمكانيات المتاحة وتسخير كل الوسائل الممكنة للنهوض بهذا القطاع، سنعرض لبعض منها في المبحث الموالي.

المبحث الثاني: سبل النهوض بمنظومة التربية والتكوين وإمكانيات تجاوز الأزمة

إن إصلاح منظومة التربية والتكوين في المغرب لا بد له من تحقق أسس متينة، أولها وجود إرادة حقيقية للدولة من أجل الإصلاح، إذ إنها مطالبة بتحمل كافة مسؤولياتها في هذا المجال، كما أنها مدعوّة لإشراك كل الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين والتربويين في أي رؤية مستقبلية للإصلاح. ولعل الرؤية الإستراتيجية التي أعدّها المجلس الأعلى للتربية والتكوين تحتوي على بعض الملامح الحقيقية لتغيير المنظومة نحو الأفضل من خلال وضع رافعات أساسية تنادي بضرورة خلق مدرسة مندمجة تراعي تكافؤ الفرص وتستلهم مبادئ المساواة بين التلاميذ، كيفما كانت وضعياتهم الاجتماعية والصحية والنفسية، كما تعطي للفئات الهشة المكانة التي تستحقها داخل المنظومة من خلال توفير كل الوسائل الضرورية الكفيلة بمحاربة الهدر المدرسي، خاصة في المناطق القروية وشبه القروية.

إن الدولة المغربية ممثّلة في وزارة التربية الوطنية مطالبة كذلك بالاعتناء أكثر بالعنصر البشري الذي يشكل العنصر الأساسي لأي إصلاح، فمن دون وجود موارد بشرية مؤهلة ومستقرة وفاعلة، تبقى كل المقاربات الإصلاحية مبتورة لا يمكن معها الوصول لأي إصلاح مرتقب.

إن التدخل الإيجابي للقطاع الخاص يمكنه أن يشكل حلقة مهمة في النهوض بمنظومة التربية والتكوين من خلال الاستفادة من خبرته وتطوره في هذا المجال. كما أن الاستفادة من تجارب الدول التي تحتل مراتب متقدمة في سلم التربية والتكوين تبقى من أهم الأسس المعتمدة في الإصلاح، شرط تبنّي مقاربة وطنية تضع كل التجارب الدولية في قالب مواطن يراعي الخصوصيات المحلية.

إن تفعيل مبادئ الحكامة الجيدة يعتبر كذلك من الآليات المهمة لتطوير العقلية التدبيرية لهذا القطاع، من خلال تطوير للترسانة القانونية والتشريعية للمنظومة، وعقلنة تدبير الموارد المالية والبشرية، والاستفادة أكثر من التقدم التكنولوجي، سواء على مستوى المعلومة أو على مستوى التواصل.

إن إصلاح منظومة التربية والتكوين رهين باعتماد مناهج تربوية حديثة، ووضع سياسة تكوينية هادفة وشاملة تفيد في إنتاج باحثين وأكاديميين ومؤطّرين ومراقبين في مستوى تطلّعات المرحلة.

إن الدور الطلائعي الذي ينبغي أن تلعبه مختلف الجمعيات الشريكة للمؤسسات التعليمية، وكذا جمعيات المجتمع المدني بشكل عام، لا يجب أن يتم إغفاله عند مباشرة أي إصلاح، على اعتبار أن كل هؤلاء الشركاء يتحملون جزءا يسيرا من الأزمة التي يعاني منها القطاع، وبالتالي يجب على كل طرف أن يتحمل مسؤوليته كاملة من خلال توفير كل وسائل الدعم الممكنة، سواء أكانت مادية أو معنوية، من منظور أن المؤسسة التعليمية يجب أن تصبح فضاء ملائما تلتقي فيه كل الفعاليات التربوية والمجتمعية تحقيقا للمصلحة الفضلى، وهي الوصول إلى مدرسة مندمجة ومنفتحة على محيطها الاقتصادي والاجتماعي، وتلميذ فاعل ومندمج وناجح.

من جهة أخرى ينبغي للنقابات المهنية التعليمية أن تضطلع بأدوارها الأساسية، وتقوم بدورها المفترض في تأطير وتكوين الشغيلة التعليمية والدفاع عن مكتسبات المدرسة العمومية، وتفعيل دورها الرقابي من خلال تقديم مذكرات إصلاحية وإنجاز دراسات وأبحاث تقويمية، وأن تتقدم بحلول واقتراحات وبدائل مستمرة، كي لا يقتصر دورها على العمل التمثيلي والنضالي المحض.

خاتمة:

إن مغرب اليوم محتاج إلى تعبئة كل طاقاته وكفاءاته الوطنية كي ينهض بالمؤسسة التربوية ويرسم سياسة تربوية متكاملة تتمثل فيها كل مواصفات وشروط النجاعة والحكامة الجيدة المعتمدة دوليا، والتي تحدد مستوى تقدم أو تأخر البلدان في مجالات متعددة.

‫تعليقات الزوار

1
  • عاجل
    الأربعاء 16 دجنبر 2020 - 15:22

    لم تتطرق إلى مشكل اللغة،لنجد أولًا حلًا لمشكل اللغة وبعد ذلك نناقش المشاكل الأخرى. اعتقد ان اللغة مي أم المشاكل لان اللغة هي الإنسان هي العقل هي كل شيء وبدون لغة لا يمكننا التحدث عن أي إصلاح،والحل يكمن بطبيعة الحال في إتقاننا للغتنا العربية واستعمالها في كل المرافق ابتداءا من البيت وفي العلوم والاقتصاد ووووووو

صوت وصورة
ستينية تقود "تريبورتور" بأزمور
الأحد 24 يناير 2021 - 16:20 6

ستينية تقود "تريبورتور" بأزمور

صوت وصورة
انهيار منازل في مراكش
الأحد 24 يناير 2021 - 15:32 6

انهيار منازل في مراكش

صوت وصورة
آراء مغاربة في لقاح كورونا
السبت 23 يناير 2021 - 15:41 23

آراء مغاربة في لقاح كورونا

صوت وصورة
أسرة تحتاج السكن اللائق
السبت 23 يناير 2021 - 14:52 9

أسرة تحتاج السكن اللائق

صوت وصورة
كروط ومقاضاة الداخلية لزيان
السبت 23 يناير 2021 - 13:31 11

كروط ومقاضاة الداخلية لزيان

صوت وصورة
محمد رضا وأغنية "سيدي"
السبت 23 يناير 2021 - 11:40 2

محمد رضا وأغنية "سيدي"