أزمة لغة الخطاب السياسي بالمغرب: مخاطر حدة اللفظ وبشاعة المعنى

أزمة لغة الخطاب السياسي بالمغرب: مخاطر حدة اللفظ وبشاعة المعنى
الأربعاء 12 دجنبر 2012 - 01:24

تحتاج لغة الخطاب السياسي بالمغرب، اليوم، إلى رصد موضوعي، وإلى إنخراط مختلف الفاعلين في التنبيه إلى مخاطره الآنية والمستقبلية، والبوح الصريح برفض معجمه الذي أصبح يعكس تشنجات في المواقف، وعداء مزمن لفلسفة الحوار، ومخاصمة عنيدة لأصول الذهنية الديمقراطية.

يؤكد تنامي هذا الخطاب وجود أزمة حقيقية في الممارسة السياسية بالمغرب، وأزمة أكبر لدى المتابع لهذا الخطاب؛ ذلك أن مزالق الممارسات لا تعلل صمت الباحث والإعلامي والفاعل المدني ،وغيرهم ممن يعتبرون أنفسهم أصحاب موقف يدافع عن القيم الإيجابية، وضمنها آليات الحوار التي ينبغي أن تطبع باحترام الرأي المخالف؛ لأن الآراء لاتعدو، في نهاية المطاف، أن تكون اجتهادا بشريا، واقتراحا لحلول أمر الحسم في وجاهتها موكول للمواطن، وليس للشفتين القادرتين على التلفظ بالمعجم القدحي أو التبخيسي.

نحن في حاجة ماسة ، اليوم، إلى هذه الدراسات التي تخوض في أزمة لغة الخطاب السياسي؛ لأن انعكاسات مواقفها ونتائجها وتنبيهاتها ستكون إيجابية على المحترف السياسي الذي قد تشغله ( الغنيمة ) عن وجاهة الخطاب وعقلانيته. ولسنا في حاجة إلى التذكير بالاجتهادات التي قدمتها نظريات تحليل الخطاب من خلال اشتغالها على لغة خطابات سياسية في المجتمعات التي تعتبر العلوم الإنسانية موجها للممارسات، ومكيفا للذهنيات، ومغنيا لمكونات هذه الخطابات. وليس، مثل، تلك التصورات التي أصبح يكررها بعض مسؤولينا بالحكم على مؤسسات العلوم الإنسانية باعتبارها خارج دائرة فضاءات الإنتاج المعرفي والاقتصادي. فمثل هذه التصورات تجعل المغرب يفتقد تقدير قيمة هذه العلوم (الإنسانية) التي تلين مفاصل الذهن، وتمنعها من التكلس والتحجر. وبدونها يكون المجال مفتوحا أمام الممارس السياسي ليجعل خطابه موسوما بالصراخ ، وحدة اللفظ، وبشاعة المعنى. لذلك ينبغي ألا تصدمنا المفاجأة غدا إذا ما عم هذا الاختيار، وأصبح النموذج الأمثل في الأحزاب والنقابات والجمعيات، بل وفي العلاقات الأسرية، والتعليمية ….. وكيف لايكون كذلك، وقد أصبح نمطا تعبيريا مهيمنا في المؤسسات تنقله وسائل الإعلام المرئية، وتتسابق على إعادة نشره المواقع الإلكترونية. وقد يتباهى به صاحبه باعتباره تعبيرا عن حزم تدبيري، وجرأة سياسية ، وشجاعة لاتقاوم، وخطابة مفوهة تضمن موقعا حزبيا أو مسؤولية حكومية.

هذه المكاسب العابرة لا تشفع لأصحابها بانتهاك حرمة المجتمعات ، وتكريس تمثل سلبي عن الممارسة السياسية، والسماح لمعجم الابتذال بالرواج داخل المؤسسات، وفي وسائل الإعلام . ولسنا في حاجة لضرب الأمثلة لأن ذلك لم يعد مجديا؛ إذ تكفي متابعة هذا التنافس غير الإيجابي في النهل من معين هذا المعجم ؛ مما يؤدي إلى تغييب النقاش الحقيقي للقضايا الحقيقية. ورغم أن المواطن لايسعده التراشق المعجمي، ولايتلدد بالعنف اللفظي الذي يواجهه في الشارع ، وفي الساحات العامة… فإن إدمانه ذلك سيجعل الأمر يتحول إلى فرجة مرعبة، وسيؤدي إلى انكسارات، وفقدان ما تبقى من ثقة، والاعتقاد بأن الأمر اختيار مقصود. وفي ذلك خطر على السياسة والسياسيين، وقبلهما، وأهم منهما، خطر على المجتمع، ونجاعته الديمقراطية، وتفاؤله بالمستقبل الذي يعد حصنا منيعا أمام ظواهر التطرف والغلو.

إن على الممارسين السياسيين أن يعيدوا النظر في معجمهم وتراكيبهم، وأن يجعلوهما جزءا أساسيا من لغة خطابهم. وإذا كان خطابهم ،اليوم، يشدد على ربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن هذا الربط لايتعلق بالمواقف والقرارات فقط، بل باللغة أيضا؛ إذ مسؤولية الكلام تقتضي المحاسبة على معجمه وتركيبه كذلك.

‫تعليقات الزوار

12
  • رضوان بوبكر
    الأربعاء 12 دجنبر 2012 - 13:22

    كان من اللازم فعلا اثارة موضوع تبخيس اللغة بل الاكثر من ذلك يجب الاشارة الى اللغة – الشارعية – أو الزنق…
    والمثير للانتباه ان مركز تداول هذه العبارات الدنيئة يكون مع الاسف في قلب اهم مؤسسة تمثيلية للشعب ومباشرة عبر وسائل الاعلام السمعي والبصري.
    تأسفت كثيرا مؤخرا لما جرى بين نواب المعارضة واخرون في الحكومة ولم أستسغ مطلقا ما تفوه به كلا الطرفين بكلمات اقل ما يقال عنها انها لا تليق بسمعة المواطن المغربي الذي نطرق بابه اجبارا ايام الحملات الانتخابية للتصويت.
    كفى تم كفى من التفوه بكلمات من طرف من يتحملون المسؤولية امام منتخبيهم. الخلاف في الفكر والعمل لا يمكن ابدا ان يدفع الاستفزاز به الى الرد بأقوى من الاستفزاز بكلمات منحطة لأنها اولا واخيرا يجعل المواطن يتراجع عن الصورة المثلى التي كان يضع فيها هذا المسؤول او هذا النائب.
    ارحموا المواطن المغربي يرحمكم الله.

  • تبدو غالي
    الأربعاء 12 دجنبر 2012 - 14:26

    ان ظاهرة الشعبوية التي اجتاحت المشهد السياسي (ومجالات اخرى) في الفترة الاخيرة والتي تنعكس على ممارسات رجال السياسة وخطاباتهم امام الجمهور المغربي المحافظ (في غالبيته)، امر خطير على مستقبل البلاد. وقد يكون من العاجل دراسة هذه الظاهرة الجديدة وأسبابها ومضاعفاتها على العمل السياسي والمجتمع المغربي ككل. ومن مظاهرها في واقعنا السياسي اليوم انتشار لغة زنقوية فيها مبالغة في حدة اللفظ وبشاعة في المعنى. وهذا فعلا وجه من وجوه البلطجة التي تنزل بالفعل والخطاب السياسيين دون خجل يذكر الى مستويات ما تحت الحزام. وكأني بالساسة "المحترمين" الذين يحترمون انفسهم والاخرين قد انسحبوا في غفلة منا من الساحة السياسية تاركين الباب مفتوحا على مصراعيه للشعبويين البلطجيين يعيثون فيه فسادا.

  • toutou
    الأربعاء 12 دجنبر 2012 - 16:33

    c'est la réalité. nous vivons dans un environnement où chacun ne supporte pas l'autre. dans la rue, en conduite, au souk.
    en plus ceux qui doivent être l'image donnent la mauvaise image: les discussions de la honte au sein du parlement.
    jour après jour, nous avons du théatre en directe et en ligne.

  • jawad
    الأربعاء 12 دجنبر 2012 - 16:39

    تبارك الله عليك، هذا هو التحليل الذي نريد، وليس الكلام من أجل الكلام. في الحقيقة أمتعتنا وأقنعتنا. نرجو من الله أن يقرأ السياسيون مقالكم لينتبهوا لمزالق كلامهم

  • hakim maroc
    الأربعاء 12 دجنبر 2012 - 20:32

    انه صراع التقافات وصراع الاجيال, والذين يستحقون قبة الشعب يداسون بالاحذية الغليظة ويتعرضون للتنكيل امام مجلس البرلمان بدعم من اصحاب الشكارة ومقتنصي الفرص .فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون

  • احمد
    الأربعاء 12 دجنبر 2012 - 21:28

    الله اكثر من امثال المثقف الاستاذ جمال بن دحمان. نتمى من نواب الامة واعضاء الحكومة والسياسيين ان يستفيدوا من خبرتكم ويفتحوا عقولهم وقلوبهم اكثر للعلوم الانسانية.

  • salah
    الخميس 13 دجنبر 2012 - 00:21

    على الباحثين أن يتحملوا مسؤوليتهم والآ يسكتوا عن هذه المصيبة.فالجو إذا خلا للساسيين كانت النتائج كارثية

  • حسني
    الخميس 13 دجنبر 2012 - 17:49

    الخطاب السياسي المؤسس لوسط يتعامل فيه الحاكم والمعارض بسلاسة الأسلوب وإغنائه بكل ما هو مجدي ومفيد لا يمكن ان يتيسر هاذا الحال الا إذا حصل الاعتراف المتبادل بين الطرفين .أما ردائة الخطاب اليوم و طريقة أدائه اليوم فلا يتسم اليوم إلا بما يرى فيه المشاهد او المستمع مسرحا للمبارزة توظف فيه أسلحة الهجوم من جانب المعارضة والدفاع المقابل من طرف الأغلبية التي تكون مظطرة في غالب الوقت الى الهجوم المضاد.هنا يضحك ويتأسف المشاهد بمواضع لم يتدارس في شأنها وعراك وسخب وضجيج معيب . لو أن بعض الاحزاب عوضت رؤساء فرقها المتخصصين بدون عياء ولا هوادة ولا اعتبار للأخلاقيات لا داخل الغرف احتراما لمن أعطاهم الشعب تقته ولا خارج المقرين المشاهد والمعلق والمنتظر للإصلاح وعينت هاده الأحزاب شخصيات بالغة التكوين السياسي والخطابي و التواصلي لارتفعت نسبة المتابعة لاطوار الجلسات عوض التفرج أثنائها عليهم وهم يتراشقون بالتهم او إثارة مشاهدة مبارة او مسلسلا مدبلج.

  • هشام
    الخميس 13 دجنبر 2012 - 22:21

    بداية أشكركم على مقالكم .
    إن من المضحك المبكي أن نرى أن الحياة السياسية في المغرب تعكس الوضع الاجتماعي والثقافي المتردي
    إن هده الشردمة التي ثمثلنا في البرلمان والتي لايهمها الا مصالحها الشخصية والحزبية الضيقة يجب أن تعود الى مقاعد الدراسة لكي تحارب أميتها السياسية
    كفانا من حوار الطرشان ونولي وجهنا نحو تحقيق التنمية لي من أجلها صوتنا عليكم

  • الطيب لحميد
    الثلاثاء 18 دجنبر 2012 - 23:01

    هي بالفعل لغة مشوهة للمشهد والممارسة السياسية بالبلد، هذا من لدن مختلف الفرق السياسة والبرلمانية. فاللغة السائدة اليوم في الوسط السياسي بشكل عام، كانت ثمرة جدالات وحواريات في المنتديات الشبيبية و الملتقيات الحزبية المختلفة، التي تكون في غالب الأحيان نارية ومبخسة ومشوهة للفريق الأخر…
    هذه اللغة وهذا الخطاب السائد بمختلف تمظهراته ، موجه بطبيعة الحال بأفكار ورؤى تدخل ضمن مرجعية الحزب وتوجهه العام فضلا عن رهانات المرحلة التي على عاتقه.

  • أسامة البروجي
    الخميس 20 دجنبر 2012 - 23:54

    لاشك أن المتتبع للشأن السياسي بالمغرب في وقت راهن يلحظ أن هناك سجالا قويا بين الفرقاء السياسين بسبب اللغة المتداولة في النقاشات السياسية، وهذا إن دل فأنما يدل على أهمية لغة السياسة في توجيه دفة سفينة السياسة، وفي هذا السياق جاء هذا المقال من الأستاذ المقتدر ليلامس مكمن الجرح وعلة الداء في خطابنا السياسي الحالي, مشكور على مقالك أستاذي الكريم في انتظار ما تجود به قريحتك وفكرك في القريب العاجل,

  • عبد العالي الحاجز
    الجمعة 18 يناير 2013 - 04:03

    يبدو أن المعجم السياسي يبقى في منأى عن معاجم المجالات الأخرى خاصة وأننا أمام شعب يفتقر إلى ثقافة الحوار وفلسفة النقاش مما يقود الساسة إلى التعامل معه بأجدى الطرق التى ترى في العنف المخرج الوحيد، فالعنف الرمزي يدب في الذهن العامي دبيب المشيب في رأس الشباب حتى يتعود عليه ويتخده نمطا كلاميا، والملاحظ أن الساسة في الطريق السوي لأنهم أذكى بكثير من أن يتكلموا باعتباطية دونما التفكير المسبق في مدلولات الكلام وهذا إن دل عن شيء فإنما يدل عن دراية عميقة من لدن المنظومة السياسية أن الشعب البليد الذي يشكل الأغلبية في بلادنا العزيزة لا تنفع معه اللغة الراقية، اللهم تلك الفءة المثقفة أو شبه المثقفة التي تتبع الشلأن السياسي وباقي الشؤون بعقل يقظ وممحص لكل ما يخرج من البطن السياسي ……… مع خالص الشـــــــــــــــــكر للأستاذ على مقاله القيم الذي يثير ثلة من القضايا الخصبة التي تحتاج لمناقشة فعالة .

صوت وصورة
الفرعون الأمازيغي شيشنق
الأحد 17 يناير 2021 - 22:38 13

الفرعون الأمازيغي شيشنق

صوت وصورة
وداعا "أبو الإعدام"
الأحد 17 يناير 2021 - 21:20 23

وداعا "أبو الإعدام"

صوت وصورة
قافلة إنسانية في الحوز
الأحد 17 يناير 2021 - 20:12 3

قافلة إنسانية في الحوز

صوت وصورة
مسن يشكو تداعيات المرض
الأحد 17 يناير 2021 - 18:59 10

مسن يشكو تداعيات المرض

صوت وصورة
الدرك يغلق طريق"مودج"
الأحد 17 يناير 2021 - 12:36 3

الدرك يغلق طريق"مودج"

صوت وصورة
إيواء أشخاص دون مأوى
الأحد 17 يناير 2021 - 10:30 8

إيواء أشخاص دون مأوى