أنا أفكر ..إذن أنا ملعــــــــون

أنا أفكر ..إذن أنا ملعــــــــون
الإثنين 16 شتنبر 2013 - 12:00

رسالة حب من تحت ركام الحسرة إلى الدكتور المهدي المنجرة

إذا أردت أن تفكر فتحسس قليلا ذاتك لتتأكد من أنك ما تزال حيا. وإن شئت أن تحلم فراجع فهارس الأحلام المقبولة و الأحلام الممنوعة حتى لا تحبط بمصادرة حلمك إذا اخترت يوما، لا قدر الله، الأحلام المغضوب عليها.و إذا ما أردت الكلام فتأكد من غياب الآذان عن الجدران و خلو المكان من الديدان التي تتوارى عن الأعين لتمارس لعبة القنص المقيت في الخفاء. و إذا أردت أن تكتب فتأكد من عدد أصابعك حتى لا يخدعك إصبع أو يغدر بك ظفر.

لا تنس أن كل من يفكر ملعون،و كل من يحلم منبوذ، وكل من يكتب شقي،وكل من يتكلم مغضوب عليه. فاللعن يتبعك مفكرا كنت أو كاتبا أو حالما أو متكلما.والتهمة تطاردك،تقتفي أثرك في شرودك ووعيك،وترافقك في سياحتك الخيالية وفي رحلاتك الفكرية و الجمالية.دفاترك ملعونة و قلمك قبيح الرائحة وكلماتك مقرفة. ومهما حاولت أن تجعل من العبارة عبّارة إلى القلوب و العقول،فهناك ألف حاجز وحاجز أمامك،وهناك ألف طريقة و طريقة لنتف ريشك و تقليم أظافرك و إخماد أنفاسك.

كل كلماتك تحت المجهر،تمر عبر حواجز التفتيش،تخضع للتشريح،تستخرج أحشاؤها الداخلية،تحلل شرايين حروفها،تختبر كويرات مدادها الزرقاء و السوداء.ويمتد التحليل إلى جينات عباراتك،فتفك شفرات هندستها الإيحائية و الانزياحية.ومهما حاولت أن تختفي وراء جدار المجازات أو ستار الاستعارات،أو أن تلبس قناع الغموض أو رداء التقية، فالتحاليل المخبرية لكلامك قد حددت آليات تفكيرك و ميكانيزمات اشتغال خلاياك،وتعرفت على نوع المداد الذي تكتب به. فأنت تفكر و تعلم الناس أن يفكروا،فيجب أن تسحب منك رخصة التفكير.و أنت تحلم و تدفع غيرك إلى عشق الأحلام،وهذه كبيرة لا تغتفر.وتتكلم بصراحة و جرأة،وتشجع الناس على الكلام،ولذلك يجب مصادرة صوتك المشاغب.وتكتب لتغير خريطة الأمية،ألا تعلم أن هذا فضول منك؟من أوصاك على الناس؟ فللأميين جهل يحميهم.

لذلك فأنت المارق الذي يجب محاصرته قبل أن ينفلت.و أنت العقل الذي يجب مصادرته قبل أن يفكر.و أنت القلم الجريء الذي يجب تكسيره قبل أن يبوح.و أنت الفكرة اللعينة التي يجب مراقبتها ليلا و نهارا وتفتيشها ظاهرا و باطنا قبل أن تتسرب.وأنت الكلمة العنيدة التي يجب مطاردتها وملاحقة حروفها وكل ذرة من مدادها قبل أن تصبح طوفانا عنيفا أو تيارا جارفا.

هذا قدرك لأنك اخترت أن تفكر في زمن عقيم لديه حساسية من التفكير.وهذا مصيرك لأنك تجرأت على الحلم دون أن تطلب الإذن.وهذا نصيبك من الحياة لأنك تنسكت في محراب الكلمة الحرة الصادقة،وحررت لسانك من عقاله،ورفضت أن تكون سمكة ميتة تنجرف مع التيار،فعاكست المجاري وسبحت وحدك بعنفوان و بطولة،وشاهدت الأسماك الميتة تمر أمامك وضيعة ذليلة،تختلط كلماتها ودفاترها بغثاء السيل.

وإذا كان غيرك قد ارتقوا القمم، فإنهم قد نسوا أن تحت أرجلهم ثلجا سوف يذوب مع مرور الأيام،ليجدوا أنفسهم بعد ذلك في الحضيض يرافقون الجرذان في جحورها.أما أنت ف”ستعيش رغم الداء و الأعداء كالنسر فوق القمة الشماء”.لأنك خلقت لتكون شامخا بالأصالة لا بالنفاق و التملق.ولذلك لا تستغرب أن تكون ملعونا في شريعة المنافقين،لأنك عكرت عليهم صفو نعيمهم، وكسرت صمت المحيطين بهم،وأحرجتهم بشموخك وكبريائك.وقزمت قاماتهم،وسفهت مقالاتهم،فكيف لك أن تحظى برضاهم و مباركتهم؟

فإليك و إلى رفاق دربك عشاق القلم المشاكس و الكلمة المتمردة و الفكر الأصيل أقدم عبارات التقدير و الحب الجميل.فدمت و دام صوتك في شموخ وفي عز و مجد و خلود.

‫تعليقات الزوار

6
  • اسماعيل ح.
    الإثنين 16 شتنبر 2013 - 12:33

    المهدي المنجرة، هرم شامخ وسيظل كذلك حتى لو اختطفه شبح الموت في غفلة منا، لأن الأهرام تظل صامدة لا تنال منها العواصف مهما اشتدت قوتها، وأن جميع حملة الأقلام من الصادقين لو اجتمعوا يوما لإنصاف السيد النابغة ما وفقوا في ذلك، لسبب جد بسيط هو أنه أقوى وأعمق من كل الكلمات والعبارات، ولن يضره في شيء جحود أولئك الذين أنيطت بهم مسؤوليات إدارة الشؤون العامة بالبلاد، عموما شكرا لصاحب المقال على التفاتته الكريمة وإن كان الواجب يقتضي منا جميعا إخراج عملاقنا من دائرة النسيان ولو بكلمة طيبة في حقه، وقد صدق من قال: "الأشجار تموت واقفة"

  • mimoun
    الإثنين 16 شتنبر 2013 - 14:57

    لقد اصبت والله كل من يتشدق بحرية التعبير الا وتجده عميل لجهة غير الخرى يقطع ايادي الكتاب والمفكرين والنقاد ويحرق اصابعهم لكي لا يتجرؤ للكتابة مرة اخرى ومنهم…..

  • ahmed
    الإثنين 16 شتنبر 2013 - 16:29

    الحمد لله الذي جعلني في كفة المهدي المنجرة و شداد الحراق ولم يجعلني في كفة دنيا باطما وبقية المرضي عنهم من قبل رؤوس المنافقين.كما أود أن ألفت إنتباه السيد كاتب المقال إلى أني و منذ قرأت مقاله "مولدات الجهل العالي" و أنا انتظر مقالاته و ابحث عنها غير أني لم أظفر بغير هذين المقالين

  • Salah
    الإثنين 16 شتنبر 2013 - 18:38

    تحية من عمق أعماق القلب إلى كل من رفض ويرفض أن يكون مثل السمكة الميتة التي تنجرف مع التيار ، فعاكس ويعاكس المجاري ، وسبح ويسبح وحده بعنفوان وبطولة ضد التيار.

  • يونس
    الإثنين 16 شتنبر 2013 - 21:10

    ما أروع هذا المقال. مقال حزين حزنه جميل.. الكل أصبح يكتب بالمرموز و كأننا في عصور غابرة…، و لكن هذا مقال مباشر يوثق للظلم الكبير الذي يلحق بعشاق البلد الحبيب. و المهدي المنجرة خير نموذج. و لكن لا بأس فالله مولى الشرفاء الذين هم لكلمة الحق ناصرون…

    تحية لك أيها الكاتب الطيب.

  • walae
    الثلاثاء 17 شتنبر 2013 - 22:32

    كتبت فأصبت و أفحمت، المزيد المزيد يا عمي الدكتور.
    دمت و دام صوتك في شموخ وفي عز و مجد و خلود.

صوت وصورة
كوسومار تواكب مشاريع تنموية
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34

كوسومار تواكب مشاريع تنموية

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 20:35 3

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 6

مع نوال المتوكل

صوت وصورة
رسالة الاتحاد الدستوري
الجمعة 15 يناير 2021 - 17:55 1

رسالة الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
العروسي والفن وكرة القدم
الجمعة 15 يناير 2021 - 15:30

العروسي والفن وكرة القدم

صوت وصورة
أوحال وحفر بعين حرودة
الجمعة 15 يناير 2021 - 13:30 3

أوحال وحفر بعين حرودة