أهذه حرية أم مزاجية؟

أهذه حرية أم مزاجية؟
الأربعاء 28 غشت 2013 - 15:46

كان الهدف الأساس للثورة الفرنسية -التي كانت ثورة على الدين ورجاله- إلغاء سلطان الدين والدولة على الناس، وإطلاق الحرية في شتى المجالات بما فيها حرية الرأي، والحرية الاقتصادية. ونص إعلان حقوق الإنسان في فرنسا سنة 1789م على حرية نشر الأفكار والآراء وجعلها من الحقوق المقدسة للإنسان. ومع الغلو في رد الفعل الأوربي على الكنيسة وممارساتها لم تقف الثورة عند حد تمجيد الإنسان والمحافظة على استقلاله بل وجدت فلسفة لا دينية تنكر الله تعالى وتطالب بمطاردة الدين، وأخرى ترى إلغاء أي مذهب فكري، والاقتصار على ما يكون واقعيًا يؤيده الحس وتسانده التجارب وهو ما يسمى بالفلسفة الحسية.[ النقد المباح، عماد النجار، ص38] وتقوم الفكرة الغربية بعد نشوء العلمانية فيها ونبذ الدين، والثورة على الكنيسة على فكرة تحطيم القيود عن الإنسان، سواء كانت قيودًا دينية أم أخلاقية أم عرفية، وعدم تقييده بأي شيء سوى القانون الذي يضعه الإنسان نفسه حين اختار من يمثله في المجالس التشريعية.يقرر جون ستيوارت ميل قدسية الحرية وفك القيود عن الإنسان بقوله: لا مجال لأي تقدم حضاري ما لم يترك الناس أحرارًا كما يحلو لهم، وبالأسلوب الذي يناسبهم.[ حدود الحرية، ايزيا برلين، ص18]ويقول: فالحرية في جوهرها هي إطلاق العنان للناس ليحققوا خيرهم بالطريقة التي يرونها طالما كانوا لا يحاولون حرمان الغير من مصالحهم أو لا يعوقون جهودهم لتحقيق تلك المصالح.

[الحرية، ميل، ص76-78]وافتتح جون جاك روسو كتابه ( العقد الاجتماعي) الذي يعد إنجيل الثورة الفرنسية بجملة ثائرة تقول: خلق الإنسان حراً، وكان البند الأول لميثاق حقوق الإنسان: يولد الناس أحرارًا.

ويقرر هارولد جوزيف لاسكي بأن الحرية هي انعدام القيود، بمعنى القدرة على اتساع واختيار الفرد لطريقة حياته الخاصة بدون أي ضغوط وتحريمات تفرض عليه من خارجه. وهذه الحرية مطلقة حتى من قيود الدين، بل إن تحريرها من القيود الدينية هو الأساس في نشأتها؛ لأن هذه الحرية جاءت رد فعل على التسلط الكنسي على الناس بدعوى الحق الإلهي؛ ولذا لا يوجد في كافة إعلانات حقوق الإنسان أي بند يدل على عبودية الإنسان لله تعالى، ولا على خضوعه لدينه.وإدراج حق التدين في هذه الإعلانات هو لحق الإنسان، وليس لحق الله تعالى، ولا اعترافًا بعبودية الإنسان لله تعالى؛ ولذا لا تعارض عند الغرب بين هذه الإعلانات وبين السماح بنقد الدين أو الإزراء به أو إنكار الله تعالى أو السخرية منه، ونحو ذلك؛ لأن الحق ليس لله تعالى ولا للدين وإنما للإنسان الذي يدين بالدين، فكما أنه يدين بالدين فمن حق غيره أن يزري بالدين، ومن حقه هو أيضًا أن يزري بدين غيره، فالمرتكز في هذه الحقوق هو الإنسان فقط.وكثير من المفكرين المسلمين حين قرروا الحرية، وادعوا أنها من دين الله تعالى، وحشدوا لها النصوص الكثيرة مستدلين بها على أن الإسلام قد سبق إعلانات حقوق الإنسان إلى تقرير ما قررته من حقوق الإنسان فإنهم لم يتناولوا هذه الإشكالية، ولم يسلطوا الضوء عليها، بل تجاوزوها مقررين الحرية بمفهوم إسلامي يُستدل له بالنصوص، وإذا عورضوا أو نوقشوا في ذلك ادعوا أنهم يتكلمون عن أمور الدنيا لا عن أمور الآخرة، بمعنى أن حرية التدين كفلها الدين للإنسان في الدنيا ولو عوقب على كفره في الآخرة!والحقيقة أن هذه الطريقة في التناول فيها اختزال وتبسيط مخل، سببه التقارب مع الغرب المهيمن والضاغط بقوته السياسية والعسكرية والاقتصادية على الشعوب المسلمة، ولكن أيضًا فيها تزوير للإسلام، وتحريف لمعاني كلام الله تعالى، وتبديل للشريعة، وانتقاء من النصوص حسب الهوى والمزاج؛

إذ إن الأصل في الإسلام عبودية الإنسان لله تعالى، وما خلق إلا لأجل ذلك، ولكن الله تعالى ابتلى الإنسان بالاختيار، ويثيبه أو يعاقبه على اختياره، ومعلوم أن الثواب والعقاب على الاختيار ينافي حرية الاختيار في أصلها؛ ليكون الاختيار للمعاقب وبالاً عليه يتمنى أنه لم يخير، فأي حرية يزعمها دعاة الحرية والحال هكذا؟! إن المفكرين الغربيين حين قرروا الحرية بهذه الطريقة التي تستبعد العالم الغيبي فلأنه لا يقين عندهم في دينهم الذي طالته أيادي التحريف. وسطوة الدين المحرف عليهم قد نقلتهم منه إلى الإلحاد، وإنكار الغيب، وعدم الإيمان بالبعث والنشور، وأحسنهم حالاً من هو متذبذب بين الشك في هذه الحقائق الكبرى، والإيمان بها، فلا غرابة حينئذ أن يبني المفكر الغربي حقوق الإنسان على ما هو متيقن به وهو الحياة الدنيا دون الآخرة التي هي عنده محل شك أو إنكار.لكن ما حاجة المفكر المسلم أن يستنسخ هذه الحرية، ويجري عليها عمليات تجميل ليدخلها في الإسلام، وهي مناقضة له في الأساس الذي بنيت عليه، ذلك الأساس الذي يطلق الإنسان من أي عبودية كانت، وأولها عبوديته لله تعالى.

‫تعليقات الزوار

7
  • houda
    الأربعاء 28 غشت 2013 - 19:12

    مفهوم الحرية عندك هوالعبودية!! لاأعرف كيف جمعت بينهما !؟ إذا كنت مجبر
    على العبادة والخنوع ،وإلا سيكون جزائك العقاب في جهنم ، فأين هي الحرية إذا ؟لايوجد حرية في الأديان وبالخصوص الإسلام.
    أين الحرية في الإسلام عندما تحكمون على الملحد بالقتل (حد المرتد)؟
    أين الحرية عندما يتم تجريم الإفطار العلني في رمضان؟
    أين حرية المرأة في الإسلام؟؟ في السعودية يتم حرمانها من أبسط وأسخف الحقوق قيادة السيارة!! ليس لها الحق في السفر وحدها من دون محرم إجبارها على وضع الحجاب أو النقاب "اللباس الشرعي"
    الدين الإسلامي يعتبر المرأة مخلوق قاصريحتاج دائما إلى وصاية من الأب ، الأخ ، الزوج أين هي الحرية هنا؟؟ تحرمون على الناس الفن بكل أنواعه من موسيقى ،ورقص ،وغناء، بإختصار جميع مظاهر الفرح والحياة ممنوعة ،وتريدونهم أن يقضوا جل حياتهم في الصلاة ،والبكاء ،والنواح داخل المساجد!
    أنتم أخرمن يتحدث عن الحرية يا مغتصبيها ويا الذ أعدائها
    أتفه المقالات في هاد الموقع هي دياولك وزيد عليها هادوك ديال العلامة مايصة بنت بوشعيب

  • azul 3azazil
    الأربعاء 28 غشت 2013 - 20:39

    الكل يقولوا نحن متمسكين في حبل الله المتين لكن نرى اعمالهم غير متشابها في اخلاق الله الرحمن الرحيم يا ترى ؟؟؟اين السبب هل هم متوهمون في السير الخاطئ ام …الله مبهم وكل واحد ينسب اعمالة الى الله ….
    ام…..طريق الله محتلف بحيث يتشابه مع الكل ….
    اين طريق الله الرحمن الرحيم كي نعلمه الى الناس
    …..ملاحظة الكلام يخص الناس السيئيين مع احترامي لكم جميعا
    التعليق افضل من الاعجاب

  • sifao
    الأربعاء 28 غشت 2013 - 22:58

    " في الحقيقة ان ما يتميز به التنوير الغربي أنه احدث القطيعة الكبرى بين المجتمع اللاهوتي والمجتمع العلماني، وبذلك ولدت نظرية الدولة الحديثة مع "هوبز" الذي كان له الفضل الاول في النظر الي المجتمع على انه جسم سياسي أولا ، وهذا يستتنبع بالطبع أن يُعترف بأن للمجتمع ثمة قوانين موضوعية تنظم علاقاته وسلوكياته، وينعكس على على هذه القوانين نظم حقوقية ويترتب عليها مقاييس أخلاقية ، وأهم من كل ذلك رد الاعتبار الى الارادة الانسانية وقدرتها على تغيير الواقع الاجتماعي بعد ان يتمكن العقل من اكتشاف قوانينه، العلمنة اساسها ثقة كبرى بالانسان من حيث أنه هو مركز العالم ، يستتبع ذلك ان الانسان يمكنه بوعيه اكتشاف الطبيعتين معا المادية والاجتماعية ، وانه يمكنه بالعلم ا ان يسيطر عليها، ويعيد تنظيمها بما يخدم التقدم الحضاري الشامل ، بالرغم من بساطة هذه الافكار وبداهتها فلقد عان الغرب سبعة قرون متوالية من سيطرة النظام اللاهوتي المفلس ، واحتاج الى ثلاثة قرون اخرى على الاقل من أجل تدمير النظام القديم واقامة النظام الجديد الذي عرف بعصر النهضة "
    مطاع صفدي : " تنوير المنير"

  • مصطفى
    الأربعاء 28 غشت 2013 - 23:54

    انت على ما يبدو رجل دين، ، ليست من الحرية الا ما هو دون المسؤولية أن تحوض في مواضيع من اختصاصات العلوم الانسانية، انتروبولوجية والفلسفة. شيء مؤلم ان تذخل بها هذا العالم. انت ايها اسيد ممن يريدون رفع الاختصاصات بإسم الحرية، الكل حر في ان يتكلم ويعبر عما شاء، كما أن الكل حر ان يغني ما شاء، ولكن ليس أحد حر ان يطرب. مع كل متمنياتي ان تتحرر ممن أنت.، ربما اطربت نفسك، لان المرأ لا يمكن ان يطرب. آخر اد لم يطرب نفسه.

  • كاره الضلام
    الخميس 29 غشت 2013 - 03:44

    الحرية رفض و الدين فرض
    الحرية اختيار و الدين اجبار
    الحرية عزم و الدين حزم
    الدين احتراس و الحرية مغامرة
    الدين نظام و الحرية انطلاق جسور
    الدين حصن و الحرية عاصفة
    الحرية قطف لزهرة الحياة و الدين اكتفاء بعشب العيش
    الحرية هي منح الجناح دون تحديد الافق و الدين هو الحرية مقصوصة الجناح
    الحرية مبدا و الايمان و الالحاد مجرد تطبيقات فردية للمبدا،الايمان ليس هو الحرية و انما نتيجة اختيار فردي حر،تماما مثل الالحاد
    الايمان و الالحاد مجرد اسمين من اسماء الحرية
    انتم تدينتم بحرية و لم تتحرروا بالتدين
    لقد اخترتم حرية التدين و نحن اخترنا دين الحرية
    الحرية هي تطبيق نظرية الحياة و الدين رسب في فهم النظرية
    الحرية سفير الحياة و الدين مبعوث الاخرة
    تشبثك بتدينك في حقيقة الامر تشبث بحريتك
    و تشبث الملحد بالحاده تشبث بالحرية ايضا
    نحن لا نعشق و لا نتشبث الا بما اخترناه طواعية

  • marocain
    الخميس 29 غشت 2013 - 10:43

    Excellent article, qui retrace de maniere breve l'histoire recente qui a mene a notre monde actuel.
    Les "occidentalistes" ne vont bien evidemment pas comprendre votre analyse ni votre message, car ils sont toujours eblouis par "les lumieres".
    Un jour ils comprendront ce dont il s'agit, et j'espere au fond de mon coeur qu'il ne sera pas trop tard pour eux.
    Dans tous les cas, ils ne peuvent changer le destin, l'histoire ni la geographie, car c'est ecrit que le soleil se leve a "l'orient" et se couche a "l'occident"
    Amicalement,

  • lila
    الإثنين 2 شتنبر 2013 - 19:49

    كل ما اتيت به في المقدمة من ادلة فلسفية يؤكد ان ان الحرية الشخصية و فصل الدين عن الدولة هو النظام الانسب لضمان التعايش بين افراد المجتمع.
    لانه و منطقيا اذا تم فرض الدين الواحد في مجتمع ما سيتم اقصاء فصائل اخرى في المجتمع سواء كانت تدين بديانت مختلفة او حتى ملحدة. والدليل على ذلك هو نجاح هذه التجربة في المجتمعات الغربية و التقدم الاقتصادي والفكري الدي حققته. لان ضمان الحرية يشجع على الابداع و بالتالي كثرة الاختراعات و التطور و التقدم.
    و ما هو حاصل للاسف في مجتمعنا اكبر دليل على ذلك.

صوت وصورة
مشاريع تهيئة الداخلة
الأربعاء 27 يناير 2021 - 21:40 5

مشاريع تهيئة الداخلة

صوت وصورة
انفجار قنينات غاز بمراكش
الأربعاء 27 يناير 2021 - 20:24 16

انفجار قنينات غاز بمراكش

صوت وصورة
أشهر بائع نقانق بالرباط
الأربعاء 27 يناير 2021 - 13:54 24

أشهر بائع نقانق بالرباط

صوت وصورة
انهيار بناية في الدار البيضاء
الأربعاء 27 يناير 2021 - 13:30 5

انهيار بناية في الدار البيضاء

صوت وصورة
مع بطل مسلسل "داير البوز"
الأربعاء 27 يناير 2021 - 10:17 12

مع بطل مسلسل "داير البوز"

صوت وصورة
كفاح بائعة خضر
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 21:46 15

كفاح بائعة خضر