أيوب المزيّن: المهدي المنجرة .. أصداء معلّم مستفِز

أيوب المزيّن: المهدي المنجرة .. أصداء معلّم مستفِز
الخميس 26 يونيو 2014 - 20:40

مات المنجرة. هكذا كنت أقول، بعدما انقطعتُ عن الكتابة إليه، لتكريس غيابه في ذهني. لم يكن قد توفّي بعد، لكنّي توقّفت عن متابعة أخباره وإصداراته، اغتلته رمزيّا، ونكصت على عقبيّ. بقيتْ إشاعات وفاته تتردّد على الشّبكات الاجتماعية، خاصّة خلال فترة مرضه واحتجابه الأخير، ولم أكن آبه، وما عدت أسرف في الحديث عنه. يُشبه قتل المعلّم إلى حدّ ما تصفية الأب البيولوجي، عند التّحليليّين، تعجيلاً بالفقدان والضّياع، حدّ التّحطيم. لقد كان المنجرة ميّتاً بالنّسبة لي منذ سنوات، لسببين اثنين، أوّلهما افتراقي عن الالتزام الصِّرف، وثانيهما إحباط سياسيّ عنيف بعد مرحلة بحّ فيها صوت سّي المهدي، و«نحن» معه، في وجه نظامٍ ومجتمعٍ كاسدَين: “باراكا” (كفى).

مع نهاية الألفية الثّانية، بلغت فِتنتي بالتّكنولوجيا والمعرفة ذروتها. كنت أدردش وأقرصن وأقرأ وأبعث الرّسائل: أدردش على برنامج الـ”mIRK”، وأقرصن علباً بريديّةً لأشخاص مبهمين، كانوا برتغاليين على الأرجح، وأحمّل عشرات المقالات الغامضة، وأبعث الرّسائل لوجهات كثيرة ومجهولة، دون أن أرجو جواباً من أحد. كان المنجرة وقتها من رجال العلم العرب القلائل الذين يتوفّرون على موقع خاص، ويتفاعلون عبر الإيميل، ويحرصون على نقل الحوار مع اليافعين والشّباب من الفضاءات التقليدية المُسيّجة بالمنع والـ”حڭرة” إلى قلب «مجتمع المعرفة والإعلام» النّاشئ الذي استشرف هو نفسه دوره المستقبليّ في تغيير براديغمات السّلطة وروابط النّخبة بالشّارع.

كنت حينئذ تلميذاً في المدرسة الإعداديّة، أتعاون مع جريدة محليّة نصف شهريّة، وألعب الكرة يوم الأحد. راسلته وأنا أخمّن: “لعلّه شبح كما الآخرين، يسكن الأسلاك، ولا يجيب أبداً”. لكنّه لم يكن كذلك، فقد رحّب بمحاورتي واستضافني بتواضع وتقدير كبيرين. –هو: “ماذا ستدرس السنة المقبلة؟” –أنا: “أعتزم الالتحاق بالأكاديمية العسكريّة في مكناس”. –هو: “تنخرط في حماية ناهبي الوطن؟ لقد غادرتُ أمريكا لأنّ حكومتها كانت تريد تجنيدي في عزّ شبابي (…) الجندية سلب للحرية. تعلّم الاقتصاد في الثانوية وادرس القانون بعد ذلك…”.

ومن نافذة مكتبه المطلّة على كلية الحقوق-محمّد الخامس بحيّ أكدال، كان يشير بسبّابته المرتعشة للشّارع المؤدي إلى ثانوية ديكارت، التّابعة للبعثة الفرنسية، بالرباط وهو يتمم حديثه: “ليس لأنّهم درسوا في البعثات الأجنبية، في اليوطي وديكارت، فذلك يعني أنّهم أهمّ منك، بل إنّي أراك بقليل من المثابرة مفكّراً مهمّاً”. أُضرب الأصلع على رأسه يا أيوب، كان يقول، فأينما مسسته سال دمه. إنّه تعبير شكّل لي، على حداثة سنّي، صورة واضحة ومربكة عن عراء المشهد السياسي والثقافي في مغرب يحبو على بطنه. التّفكير حفظا للكرامة، هذا ما كنت تحرّضنا عليه، وماذا بعد؟

لقد تشكّل تاريخـ(نا) الوطني الحديث، شئنا أم أبينا، من مأثورات فقهاء ومؤرّخين وسياسيين وفنّانين ومفكرين وأساتذة فلسفة، ومن «آثار منسيّين» لم يردنا عنهم إلاّ الزّهيد الزّهيد، ندين لهم بالأرشيف الذي يرتق هويّاتـ(نا) في الحاضر كـ”مغاربة”. وقد كان المنجرة، على مدار عقود من الزّمن، يشتغل وينتج سياسة للثقافة وخطاباً للمعرفة يفترق عن الفكر المحض ويلتقي باليومي، وبالشّعبوي أحياناً. وهي صيغة مختلفة من ابتكار سلط بديلة. المنجرة لا يُقرأ كما العروي أو الجابري مثلاً. إنّها أنماط متباعدة. والمنجرة لم يدّع يوماً أنّه أديب لنحاكمه بمعايير الأدب.

لم يكن المنجرة حاقداً على أحد، لكنّه كان مستفزّاً، وجعل من الاستفزاز تقنية قتالية، داخل بيئة علميّة واجتماعية وسياسية فاسدة. فساد في التعليم والصحة، وفي الأحزاب كما في المخزن. فساد في السّر والعلن، ومرارة تحرق. وباستعمال العامية المغربية، بأمثلتها الشّعبية اللاّذعة، تمكّن من الاقتراب من المقهورين من أجل إذكاء القلق الشّعبي ومقاومة استبداد يحارب الحياة.

إنّ أكثر شيء قد يضرّ بالأحياء اليوم، ويسيء للموتى في الآن نفسه، هو الغلوّ في «مهمّة الحداد» أو في «إيكولوجيا الذّاكرة»، أي الاسراف في النّحيب، إمّا تعظيماً للآثار أو استحضاراً لنسيان مغرض. إنّهما أمران يهدّدان المشترك، سواء تعلّق الأمر بالأفراد أو بالهويّة والتّاريخ. ومع الخلط القائم، في النقاشات العمومية، بين الحاجة وشبيهتها، يصير المنجرة أيقونة للاحتجاج الفجّ تارة أو مرمى حجر الخانعين القدامى الذين تصدّوا لحركة “باراكا” التي كان قد أسّسها سنة 2005 رغبة منه في الاحتجاج إلى جنب المستضعفين تارة أخرى. لقد تبرّأ المنجرة من الطّرفين، من المستغِلّين والمستغَلّين، لأنّ كلّ مستغَلّ جاهل يتحوّل إلى مستغِلّ بمجرّد تمكّنه من أسباب القوّة؛ ويائساً من “وْلَادْ عبد الواحدْ اللّي كلّهم واحدْ”، عزّى المنجرة الدّولة المغربية في نفسها قبل أن تعزّي، هي، أسرته في مماته.

التحقت عام 2006 بجامعة فرنسية لدراسة القانون وعلم السياسة. وبعد انتهاء أوّل محاضرة داخل الـ”aula magna”، عدت إلى غرفتي على عجل وكاتبته: “لم أتمكّن من اجتياز اختبارات ولوج المدرسة الوطنية للعلوم السياسية، لكنّي قُبلت في جامعة مونتسكيو وباشرت الدّروس”. فأجابني بدعابته المألوفة: “مسرور لأنّك لم تصبح جنديّا ! بوردو مدينة جميلة وجامعتها عريقة. أتمنّى لك التّوفيق في مسارك”. كان هذا آخر تبادل إلكتروني جمعنا، أحفظه في ذاكرتي، بعدما أغلقت شركة خدمات الرّسائل “caramail” علب زبنائها دون سابق إنذار. وإذا كان الموت قد خطف سّي المهدي في لحظة تنويم شعبيّة، فإنّ ذكراه لن تفنى، بفضل استقامته. الاستقامة المطبوعة بوفاء أصليّ اتّجاه ميثاق لا يبطل، بلغة ليفيناس، ميثاق احترام الغيريّة والدّفاع عن الإيتيقا بالمسؤوليّة والعدل.

‫تعليقات الزوار

10
  • amar
    الخميس 26 يونيو 2014 - 22:15

    حتى نظراته فى صوره رحمة الله عليه بعفوه ترمز الى قلقه وبعد نظره ساهم في انقاذ اليابان من الجهل والامية ومنعوا اسهاماته لانقاذ وطنه من شر الجهل والامية وكان مصرارا ملحاحا عن اصلاح تعليمنا لانه راس كل اصلاح لكن الفاسدين المفسدين لهم مصالح في ابقاء الحال على حاله الم يقل فقيدنااسكنه الله فسيح جناته وجعله من الصدقين والشهداء الم يقل : كل ما سيس الا وفسد ما راي وزراءنا المعالي ومجلسنا للنوام ونخبنا السياسوية والثقافوية من مقولة استاذهم الصادق الوطني المخلص الذي استطاع ان يرفع علم وطنه في الخمسينات في اكبر المنابر العالمية كما استطع ان يشغل مناصب عالية علو قيمته وقيمه وا لكل يعلم رفضه لمناصب وزارية عدة ايام كان جل وزراءنا الحاليين يخافون من الشاوش امام باب الموظف البسيط وهاهم اليوم اطبقوا الصمت في حق هذا الفقيد الذي تنبا بتواطاهم مع الفساد لاجل مصالحهم جاهلين او متجاهلين ان في تواطاهم هذا اشر ويلاتهم لخاتمتهم لان الاعمال بالخواتم لاحظوا معي كيف كانت خاتمة فقيدنا مات في صمت وفي يوم الجمعة وفي شهر شعبان وهو راضي عن نفسه

  • من ألمانيا
    الجمعة 27 يونيو 2014 - 10:07

    لا زلت اتذكر زيارته لنا في جامعة برلين التقنية TU-Berlin حينما كنت طالبا فيها. لقد سأله احد الطلبة بعد نهاية محاضرته القيمة. مغزى السؤال كان يقول: هل هناك أمل في أن المغرب سيتغير وسيعرف إزدهارا إجتماعيا وإقتصاديا وصحياووو… كان جواب العالم المنجرة رحمه الله سريعا وبدون تردد وهو نعم وزاد وقال لسبب بسيط جدا هو أننا في المغرب وصلنا إلى "قاع الخابية" يعني لا يوجد مستوى آخر أقل من هذا فلا يمكن أن نتوقع إلا أن يكون هناك تحسن وأمل، وسبيلنا الوحيد هو الرجوع للإسلام الحقيقي والسنة النبوية الشريفة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وأوصانا بالتمسك بديننا الحنيف لأنه بذلك سنكون أحسن سفراء لبلدنا ولديننا في الخارج لأن ديننا يدعو للأخلاق وحسن المعاملة وكذلك يدعو للعلم وبهذا سوف نكون مثلا يقتدى به في كل مجال. فرحم الله المهدي المنجرة وأنا سعيد جدا بأن أتيحت لي فرصة لقائه والتكلم معه وأخذ توقيع له في كتاب كان من تأليفه.

  • هشام
    الجمعة 27 يونيو 2014 - 10:18

    سبق أن طلبن من القراء المحترمين ارشادي الى الكتب التي ألفها المرحوم المهدي المنجرة خاصة تلك المؤسسة في علم المستقبليات أو في النظرية الاقتصادية للدول العالم الثالث ة خاصة أنني لم أجد سوى حوارات صحفية خفيفة جمعت في كتب منذ اصداره الحرب الحضارية الاولى أو أخرها المتمثل في الميكاامبرالية التي ضمت مقالات و حوارات قديمة. و شكرا.

  • hamdi
    الجمعة 27 يونيو 2014 - 10:30

    je partage les mêmes sentiments avec vs et avc ceux qui ont les mêmes sentiments vis à vis de cet Grand Homme, siMehdi. Un jr je lui ai écrit à 2h du matin en me disant quand il se reveillera il va le lire. Il me répond cinq mn plus tard en me disant: tu travailles si tard si…. Allah yarhamok siMehdi

  • الناسوتي
    الجمعة 27 يونيو 2014 - 11:08

    لا يموت من خلف فكرا وتلامذة من بعده. من مات هو الجسم البيولوجي، لكن روحه الفكرية هي حية لا تموت.

  • عبد الله
    الجمعة 27 يونيو 2014 - 14:42

    رحمك الله ايها العالم النفسي واسكنك فسيح جناته

  • abdelilah
    الجمعة 27 يونيو 2014 - 16:35

    إلى الأخ هشام كتب الأستاذ المنجرة هي الحرب الحضارية الأولى , قيمة القيم ,الإهانة في زمن الميغاـأمبريالية, عولمة العولمة، إنتفاضات في زمن الذلقراطية, من المهد إلى اللحد، نظام الأمم المتحدة, إظافة لكتاب مبسط لسيرة الراحل من تأليف الأستاذ حسن نجمي

  • khalid ba marrakech
    الجمعة 27 يونيو 2014 - 21:49

    رحمة الله عليه رحمة الله عليه رحمة الله عليه

  • hassan
    الأحد 29 يونيو 2014 - 01:11

    فقدنا مفكرا كبيرا كان بمثابة بدر ينير الطريق للمستضعفين حتئ يستعيدؤا كرامتهم
    ؤ يتمتعؤا بكامل حقؤقهم ؤينتفضؤا في ؤجه المفسدين .كما فضح كل مناؤرات اعداء الامة الاسلاميه

  • aziz bourja
    الثلاثاء 1 يوليوز 2014 - 23:47

    ,comme marocain je suis fier très fier de ce grand Mr

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 2

جولة ببحيرة الكاطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 6

مع نوال المتوكل

صوت وصورة
رسالة الاتحاد الدستوري
الجمعة 15 يناير 2021 - 17:55 3

رسالة الاتحاد الدستوري