أي آفاق للمشهد السياسي المغربي بعد انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة؟

أي آفاق للمشهد السياسي المغربي بعد انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة؟
الأربعاء 29 ماي 2013 - 17:40

لا أحد يجادل في أن الحكومة الحالية منبثقة عن صناديق الاقتراع لانتخابات 25 نونبر 2011، وهي الانتخابات التي أقر الجميع بمصداقيتها، ونزاهتها، ولقد تصدر حزب العدالة والتنمية القوائم الانتخابية، وتطبيقا للفصل 47 من دستور فاتح يوليوز 2011، عين جلالة الملك رئيس الحكومة والذي اقترح على الملك التشكيلة الحكومية الحالية بتحالف أربعة أحزاب متنوعة الإيديولوجيات والمرجعيات، ففيها المحافظ كحزب الاستقلال، والليبرالي كالحركة الشعبية، واليساري الشيوعي كحزب التقدم والاشتراكية، بالإضافة إلى المكون الأساسي في هذه الحكومة حزب العدالة والتنمية، ذا المرجعية الإسلامية، لكن لا ندري بالضبط أهي مرجعية دينية متشددة أم هي مرجعية دينية معتدلة، حيث أحيانا يظهر مناضلو هذا الحزب بمظهر المتشدد، وأحيانا بمظهر المعتدل، لذا فالكثير من المغاربة استعصى عليهم تصنيف هذا الحزب، فتارة هو ضد نوع من اللباس، وبيع الخمور، ولعب الرهان، وتارة تجده معتدلا ومتوازنا في كل هذه الأمور لا يختلف عن الأحزاب التقدمية والليبرالية، فضلا عن هذا، نجد مناضلوه ملتحون، أو بنصف لحية، وتارة تجدهم يحلقون الأذقان، وتارة يستعملون ربطة العنق، وتارة بدونها، تارة يقولون نركب الحافلات والقطارات ونسكن في المنازل المتواضعة، وبعد حين تجدهم يركبون السيارات الفارهة، والغالية، ويسكنون الفيلات، أو الشقق الفاخرة، في الأحياء الراقية إلخ.

الحقيقة دوخونا، وهم يقسمون على أن يقدموا استقالاتهم إن لم يمرروا هذا المشروع أو ذلك، ولكنهم لم يفعلوا، ولو فشلوا في ذلك، حرنا معهم، يتحججون بالعفاريت والتماسيح حتى شبعنا من سماع هذه الأسماء التي أصبح يرددها حتى الأطفال في الشوارع، وساحات المدارس، واليوم زادونا أسماء أخرى، هي “شياطين الإنس والجن” الله ينجينا وإياكم منها، ولا ندري ماذا يأتي في القريب العاجل بعد كلمة “المشوشون” وكأن هذه الحكومة مسكونة بالعفاريت وشياطين الإنس والجن، وهي مهددة بالتماسيح، وكأن هذه الحكومة لا تمر إلا عبر المستنفعات والمياه الراكدة وأعشاب مياه البحيرات المخيفة، وكأن مصير المواطنين مرهون بوجود هذه الأسماء المقززة والمرعبة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: إذا ما تقررت انتخابات مبكرة لحل أزمة الحكومة الحالية وفشل حزب العدالة والتنمية في هذه الانتخابات، هل يرد ذلك إلى عمل العفاريت وشياطين الإنس والجن؟ وينسى بأن هناك مجتمع مدني يراقب أعماله، أين هو مصيب وأين هو مخطئ، وقد يعاقب بمثل ما عوقب به أسلافه من الذين تراجعوا عن الوعود، وبدلوا السلوك، وهاجروا من كان قريبا منهم في الانتخابات حيث ابتعدوا عنه عندما أصبحوا يتحملون المسؤوليات.

أما الأحزاب الأخرى المكونة لهذه الحكومة التي خرجت من الخيمة وهي مايلة، هي أحزاب واضحة، الكل يعرف مسارها التاريخي وتوجهاتها وعقلياتها فمنها من أهلته صنايق الاقتراع ليكون من مكونات هذه الحكومة، كحزب الاستقلال، ذا المرجع المعتدل والوسطي، وحزب الحركة الشعبية صاحب المرجع الليبرالي، والليبرالية لها قواعد ثابتة وهي دعه يمر دعه يفعل، وهدف الأحزاب الليبرالية الأساس هو الوصول إلى الحكم، سواء من خلال الصدق والوضوح أو سياسية الفر والكر، ونتائج عملها في جلها إيجابية وأحيانا ذات مردودية عالية تؤهلها لتحافظ على استمرارية وجودها في المشهد السياسي، خصوصا إذا ما نهجت هذه الأحزاب أسلوب الوسطية في معالجة القضايا المركزية قصد تحقيق المصالح العليا للوطن، وقد ينسحب هذا على حزب الاستقلال، لأنه حافظ على قواعد سليمة حيث بناء هذه القواعد كان على أسس عميقة ومخرسنة ظلت شامخة وصامدة أمام التحولات الجيو سياسية، والتقلبات الجيو اقتصادية والديمغرافية لحوالي 70 سنة، وهي باقية ومستمرة، أما حزب التقدم والاشتراكية فهو الآخر صمد في وجه المتغيرات وتقلب مع التحولات، وواكب الركب بما كتب الله، وقبضة اليد بجناح الكتلة الوطنية، أو ما يسمى بالتوجه اليساري، حيث ساعده الخط وشارك في عدد من الحكومات بدأ من حكومة التناوب إلى حكومة الأستاذ عبد الإله بن كيران، على الرغم من أن نصيبه من صناديق الاقتراع لم يمنحه حتى النصاب القانوني لتشكيل فريق نيابي، ولكن الرياح تجيء بما لا تشتهي السفن، وأساسا إذا غابت المنهجية الديمقراطية.

وهذا الاختلاف في الإيديولوجيات كان سببا رئيسيا في عدم توحيد الرؤيا والانسجام في التدابير الحكومية، التي كان من الواجب عليها هو انتظارات المواطنين والإنكباب على تحقيق هذه الانتظارات التي طالما تطلع إليها الشعب المغربي من خلال التغيير، والتغيير هو عمل الصالحات وتجسيد مكارم الأخلاق في المفاهيم والأفكار بمعنى تغيير العقليات، والتعامل مع هذا التغيير بكل عقلانية وحكمة، وهذا لن يتأتى إلا بوضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وإن لم يكن إجماليا فبالتدرج في التغيير وفق ما نهجه الإسلام عند إنشاء مجتمعه الأول، كفرائض الصلاة، وتحريم المحرمات كالخمر، إلى أن يأتي اليوم المناسب للحسم والقطع، وهو التدرج في التنفيذ من خلال تحديد المراحل.

لهذه الأسباب، وعلى الرغم من مناورات حزب الاستقلال وقراراته بالانسحاب المؤجل أو الموقوف التنفيذ، فالمسؤول الوحيد والأوحد عن فشل هذه الحكومة بالدرجة الأولى هو حزب العدالة والتنمية، ولو أنه مكون من مكونات هذه الحكومة فالمسؤولية تقع على عاتقه لأن أمينه العام هو رئيس هذه الحكومة وقد خوله دستور فاتح يوليوز 2011 صلاحيات واسعة من اللازم عليه أن يمارس هذه الصلاحيات، لتحقيق طموحات المواطنين، فالمواطن المغربي لا يهمه من هو الحزب الذي يشارك في الحكومة بقدرما يهمه من هو رئيس هذه الحكومة الذي بيده الحل والعقد، والذي واعد الناخبين بتحقيق ما جاء في برنامجه الانتخابي، والحالة هاته ظل يراقب وينتظر تحقيق ولو اليسير من هذه الوعود لكنه لم يلمس أي بصيص للأمل ولا يمكنه أن يصبر إلى ما لا نهاية في غياب مخطط واضح وبرنامج محدد وظاهر، يستطيع المواطن من خلاله مراقبة عمل الحكومة.

وفي جميع الأحوال، فالمواطن لا يمكنه أن يظل في غرفة الانتظار إلى ما لا نهاية، ولكن للصبر حدودا، لأن الحكومة لم يبق لها ما تتغطى به، فدستور فاتح يوليوز 2011 واضح وضوح الشمس، حيث منح رئيس الحكومة صلاحيات واسعة في إطار الفصل “89”.

أما الأزمة الحكومية التي سببها انسحاب حزب الاستقلال من الأغلبية، قد يصعب إيجاد حل لها بسلاسة إلا في تشكيل حكومة تكنوقراطية مع إمكانية الاحتفاظ برؤساء الأحزاب السياسية الأربعة المشكلة منها الحكومة الحالية، وذلك كوزراء دولة بدون حقائب، لأن التعديل يمكن أن يقال عنه أنه أصبح شبه مستحيل للأسباب الآتي ذكرها.

1- انسحاب حزب الاستقلال أصبح مؤكدا لا رجعة فيه إلا في حالة واحدة، وهي تنازل حزب العدالة والتنمية لفائدة حزب الاستقلال على وزارة الشؤون الخارجية والتعاون، وهذه الوزارة هي التي تحتاج إلى إصلاح وهيكلة جديدة ودبلوماسية تتلاءم والعصر، ثم وزارة التجهيز التي عين حزب الاستقلال عليها منذ عقود من الزمن وله فيها مآرب، وكذلك وزارة الصحة التي لها مالها من صلة مباشرة مع المواطنين وما تقدمه من خدمات صحية وأساسا في ظل منظومة “الرميد”.

2- الأحزاب التي السيد رئيس الحكومة يسخن بهما كتافيه تبادل معهم كلام جارح، ولا يمكن لهما أن يضعا رجليهما في الكانون الذي زمهرت جماره، وأن حزب التجمع الوطني للأحرار على لسان رئيسه السيد مزوار قال، فإن حزب التجمع الوطني لا يعتبر عجلة احتياط. أما حزب الاتحاد الدستوري الذي تربى مناضلوه على الأنافة والعزوة، لا يمكن أن يكون آلية ليركب من فشل على صهوة فرسه المانع، لأن السيد رئيس الحكومة تغاضى عن المنهجية الديمقراطية في اختياره الأحزاب السياسية التي شكل معها الحكومة، وغيب هاذين الحزبين، في الوقت الذي كان فيه احتمال انسحاب حزب الاستقلال في أي وقت ممكن.

3- خيار الذهاب إلى صناديق الاقتراع عبر انتخابات مبكرة لا يلائم الوضع الصعب الاقتصادي والاجتماعي المغربي في الوقت الراهن.

4- أما خيار الحل الرابع قد يكون مفيدا جدا تستفيد منه الدولة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، هو حل البرلمان بغرفتيه، وتشكيل حكومة تكنوقراطية مؤقتة من 12 وزيرا و17 كاتبا للدولة إلى حين أن يسترد البلد عافيته الاقتصادية وذلك وفق الفصل 42 من دستور فاتح يوليوز 2011.

وهذا الخيار قد يكون فرصة أمام الأحزاب السياسية لتعيد النظر في تنظيماتها السياسية وقوانينها الأساسية والداخلية، وقد تفكر في بناء تكتلات أو اتحادات حسب التوجهات والإيديولوجيات، لكن هذه الفكرة لا يمكن تنزيلها إلا إذا تمت الموافقة على تعديل الفقرة الأولى من الفصل 47 من الدستور الحالي التي مفادها.

والفقرات الأخرى من هذا الفصل تبقى على حالها دون تغيير أو تبديل.

أما وإن كان في هذا الرأي تجاوز أو تطاول فمعذرة، ولكنه رأي قد يصيب أو يخطئ، فيه الإيجابي أكثر من السلبي، وخير ما نسعى إليه هو المصلحة العليا للوطن والمواطن المغربي الذي أصبح والحمد لله، واعيا تمام الوعي من أن تحديات المستقبل ليست هي تحديات الماضي، ومن التاريخ يتعلم المرء، بفضل الوعي الثقافي والديمقراطي، والحس الاجتماعي والتطلع إلى غد أفضل من خلال التغيير الإيجابي والتجديد في النخب والعقليات، بحيث إن لم تتغير العقليات لن يحصل التغيير ولو بالتدرج.

‫تعليقات الزوار

8
  • Mehdi El Houcine
    الأربعاء 29 ماي 2013 - 19:04

    Je suis satisfait au moin ce gouvernement ne vole pas l argent du peuple malgré de malgré c est une satisfaction morale pour moi il n' y a ni Mezouar ni d autres les résultats vont venir in cha Allah si non comme on dit الله غالب ( ce n est pas غالب du parlement

  • Amdiaz
    الأربعاء 29 ماي 2013 - 19:28

    الأحزاب كلها أنجبها المخزن باستثناء بعض الأحزاب الاشتركية التي تمكن المخزن من احتوائها أو اقصائها بعد تجربتهم الحكومية الفاشلة عهد الفترة الانتقالية للعرش.

    حزب بن كيران رغم مخزنيته الأصيلة و المخلصة لا يتوفر على أساس إداري و إقطاعي, عكس حزب شباط و الهمة و العنصر, و يحتوي على جناح يقلق المخزن في المستقبل المتوسط و البعيد، مستقبل ما بعد بن كيران، وهو جناح العثماني.

    لذا فدفع PJD للتقرب من نار السلطة كان سعيه إمتصاص الغضب الشعبي الفبرايري و لحرق جناحيه كما وقع لحزب الاتحاد الاشتراكي ايام اليوسفي.

    شباط ألان يحاول مسح صفة الاقطاعية و المخزنية عن حزب "الاستغلال" و تسويقه كحزب معارض شعبي , و بتضييقه على بن كيران يحاول دفعه في احضان شقيقه التوأم و شريكه الهمة، العنصر,الحرباء, يكمل المثلث المخزني.

    و هكذا قبل أن نصل إلى واحد نكون قد عدنا إلى الصفر.

    السوأل هو إلى متى يبقى المخزن عالقا في أحلامه و تلاعباته المراهقية و ينزل لصاح و المعقول, لان الشعب سئم من هذه اللعب الكراكيزية و البهلوانية التي لا تنتهي؟؟!!

  • ع.الحفيظ
    الأربعاء 29 ماي 2013 - 20:20

    هل وزارة التجهيز و الصحة و الخارجية أصبحت ملكا خاصا لحزب الاستقلال، كي يتوارثها مناضلوه أي تحليل هذا حزب الاستقلال هو حزب المحزن و العيان.

  • سعيد
    الأربعاء 29 ماي 2013 - 20:55

    كاتب هذا المقال وضع حزبه ذو الكفتين "الميزان" نموذجي فهو : المعتدل والوسطي، والذي حافظ على قواعد سليمة حيث بناء هذه القواعد كان على أسس عميقة ومخرسنة ظلت شامخة وصامدة أمام التحولات الجيو سياسية، والتقلبات الجيو اقتصادية والديمغرافية لحوالي 70 سنة، وهي باقية ومستمرة،……
    ما هذا الغرور هذا الحزب هو الذي زرعه المستعمر الفرنسي للقضاء على المقاومة الوطنية الحقة، و هو الحزب الذي عمل على خدمت كافة مصالح هذا المستعمر بعد خروجه و هو الذي همش أمازيغ البلاد و نهب خيراتهم و … و…

  • نجيب سهيل
    الأربعاء 29 ماي 2013 - 21:13

    لا يمكن تقييم حصيلة حكومة إلا بعد مرور ولايتها التشريعية وخصوصا في هذه الظروف (الأزمة العالمية،انقلابات الشارع والتشويش من داخل الحكومة ومن خارجها)…حزب العدالة والتنمية ماض في الإصلاحات…يشهد على ذالك التغيير اللذي نراه يوما بعد يوم. وأنت استقلالي مفضوح.انتقذت كل الأحزاب ومجدت حزبك. وإذا اقيمت انتخابات مبكرة سيأخذ العدالة و التنمية ثلثي البرلمان ولن يحتاج للتحالف مع أحد..المغاربة أصبحو يميزون بين المحب للوطن و الساعي إلى خرابه…والأيام بيننا..

  • انحياز
    الأربعاء 29 ماي 2013 - 23:14

    مقال تنقصه الموضوعية. أبان صاحبه انحيازا واضحا لطرف دون الآخر.

  • مواطنة
    الخميس 30 ماي 2013 - 08:58

    صراحة في البداية شد انتباهي موضوع المقال بصفتي متتبعة.لكنه لا علاقة له بصلب الموضوع لانه يفتقر الي الموضوعية في التحليل.وفيه تحامل كبير علي المشهد السياسي العام.نحن نطمح الي التحليل الاكاديمي اكثر من العاطفي الاديولوجي.

  • التطواني
    الخميس 30 ماي 2013 - 11:59

    هذا ليس تحليلا ولا موضوعا بل تنظيرا ، ومع ذلك كل التنظيرات التي توجد بالمقال لن تقع لأن المشهد السياسي المغربي اليوم لن يتغير إلاّ بعد تغيير قانون الانتخابات وإنتخابات جديدة ، أما عن بي جي دي فهو حزب الشعب رغم من قال أنه مفبرك مخزنيا .

صوت وصورة
توأمة وزان ومدينة إسرائيلية
الأربعاء 20 يناير 2021 - 21:50 7

توأمة وزان ومدينة إسرائيلية

صوت وصورة
منع لقاء بغرفة التجارة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 20:39 1

منع لقاء بغرفة التجارة

صوت وصورة
مستجدات قضية  "مون بيبي"
الأربعاء 20 يناير 2021 - 19:40 8

مستجدات قضية "مون بيبي"

صوت وصورة
قرار نقابة أرباب الحمامات
الأربعاء 20 يناير 2021 - 17:40 13

قرار نقابة أرباب الحمامات

صوت وصورة
معاناة نساء دوار قصيبة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 16:40 4

معاناة نساء دوار قصيبة

صوت وصورة
مطالب بفتح محطة ولاد زيان
الأربعاء 20 يناير 2021 - 15:33 9

مطالب بفتح محطة ولاد زيان