إسرائيل واستراتيجية المحيط: ما بين الربيع العربي ومخطط ستاينتز

إسرائيل واستراتيجية المحيط: ما بين الربيع العربي ومخطط ستاينتز
الإثنين 23 شتنبر 2013 - 16:00

يعيش الوطن العربي حالة خطيرة من عدم الاستقرار السياسي والانفلات الأمني والتدهور الاقتصادي، فمن عراق منقسم إلى يمن ممزق، ومن لبنان ملتهبة وطائفية إلى سوريا أقرب ما تكون إلى صومال جديدة، ومن مصر طائفية ومنقلبة على الشرعية إلى ليبيا قبلية…

لقد خرجت الشعوب العربية إلى الميادين والشوارع مطالبة بالكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية فيما سمي بالربيع العربي، لتجد نفسها أمام الخراب والدمار وعدم الاستقرار، ما جعل بعضنا يتبنى نظرية المؤامرة ليرد الآخر أنها ثورات شعبية، لكن ما هو أكيد أن ما وقع إن لم يكن مؤامرة فهو في حده الأدنى ركوب على الحراك وتوجيهه فيما يخدم المصالح الصهيوأمريكية، رغم الصعوبة في وصف الحراك اللانمطي بالعفوي لما اعتلته من شعارات وما عرفه من تنظيم وتدرج في استعمال الضغط والتصعيد.

إنه ليس من قبيل الصدفة أن يخرج علينا الجنرال الأمريكي ويسلي كلارك (القائد العام السابق لحلف النيتو) ويدلي بتصريح ثلاث سنوات قبل الربيع العربي (ديموكراسي ناو، 2 مارس 2007) مفاده أن أحد زملائه أخبره في سنة 2002 بتوصله بمذكرة من البنتاغون لشن حرب على سبع دول في الشرق الأوسط هي العراق، سوريا، لبنان، ليبيا، الصومال، السودان و إيران، و أنه لولا البترول في الشرق الأوسط لما اكترث أحد للتدخل في هذه المنطقة.

ليأتي دور هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي سابقا و مهندس اتفاقية كامب ديفيد، والذي صرح لمجلة “ديلي سكيب” الأمريكية في 2012 : ” لقد أبلغنا الجيش الأمريكي أننا مضطرون لاحتلال سبع دول في الشرق الأوسط، نظرا لأهميتها الإستراتيجية، لأنها تحتوي على البترول وموارد اقتصادية أخرى .. لم يبق سوى خطوة واحدة، وهي ضرب إيران، وعندما تتحرك الصين وروسيا من غفوتهما سيكون الانفجار الكبير والحرب الكبرى التي لن تنتصر فيها سوى قوة واحدة هي إسرائيل و أمربكا… كما أنه سيكون على إسرائيل القتال بكل ما أوتيت من قوة وسلاح، لقتل أكبر عدد ممكن من العرب واحتلال نصف الشرق الأوسط…. إن طبول الحرب تدق الآن في الشرق الأوسط و بقوة، ومن لا يسمعها فهو بكل تأكيد أصم”.

ما ذكرناه سابقا ليس تأييدا أو ترجيحا منا لنظرية المؤامرة بقدر ما هو تمهيد للبحث والتدقيق في الاستراتيجية الاسرائيلية المنتهجة حاليا لتعزيز مكانها كقوة إقليمية في ظل انهيار الوطن العربي.

إن إسرائيل تفرك أصابعها وترقص فرحا لما وقع ويقع في الوطن العربي، فكيف لا وهي ترى عربا يقاتلون بعضهم البعض ويدمرون بنياتهم التحتية وينهكون قوات ردعهم، فيما هي تعزز من قدراتها العسكرية واستراتيجياتها تجاههم.

لقد أكد معظم الخبراء أن اسرائيل تفوقت على العرب بتبنيها لدبلوماسية السلاح ـ أي توظيف تجارة السلاح الذي تنتجه وتصدره ـ والتي مكنتها من ربط علاقات مع دول كانت تعتبر داعمة للقضية الفلسطينية (الصين، الهند..) وذلك بإبرام صفقات بيع أسلحة متطورة (طائرات استطلاع منظومة فولكان وتقنيات الصواريخ وتقنيات الأقمار الصناعية التجسسية تكسار… ) واضعة بصفقات أسلحتها قدمها إجمالا في 55 دولة (تركيا، المغرب، الامارات، الأردن، قطر، التشاد، النيجر، إيثيوبيا، كينيا، السنغال…)، بينما لم تستطع ممالك وجمهوريات البترودولار تحقيق أي شيء يذكر بدبلوماسية النفط سوى أخذ الدولار مقابل النفط الخام وإيداعه في الحسابات البنكية الخاصة بالشيوخ والجنرالات، ومن ينتج ويصدر ويستغل النفط: الشركات الأجنبية بطبيعة الحال!!

إن إسرائيل تجاوزت اليوم منطق انتزاع زمام القيادة من العالم العربي والذى انبنى على أساسه حلف نصف المحيط (1955) الذي شكله دافيد بن جوريون وشاه إيران وعدنان مندريس (تركيا) وإمبراطور إثيوبيا هيلاسيلاسي بهدف إحاطة العالم العربي في مشرقه (العراق، سوريا، مصر، السودان) بنصف محيط إقليمي لتهديده إستراتيجيا مع شد أوصاله وتقطيعها.

وها هي إسرائيل اليوم تجني أرباح ديبلوماسية السلاح التي نهجتها، حيث أكدت العديد من التقارير المسربة عن مخطط وزير الاستخبارات والشؤون الاستراتيجية الاسرائيلية يوفال ستاينتز و وزير الدفاع الإسرائيلي الجنرال موشي يعلون على إعادة تشكيل نصف المحيط الاقليمي الذي تم تقويضه سنة 1979 بسقوط نظام الشاه بإيران، ولكن هذه المرة على شكل محيط كامل بالوطن العربي من أقصى الشرق إلى المغرب الأقصى.

انكب كل من ستاينتز ويعلون مؤخرا على تكريس التحالفات التي ربحتها إسرائيل في المنطقة الأفرو أسيوية وذلك بدراسة الأهداف من وراء استراتيجية المحيط والذي سيضم كل من : إسرائيل، تركيا، الأكراد في شمال العراق، دول القرن الافريقي، أوغندا، جمهورية جنوب السودان، إفريقيا الوسطى، تشاد، غينيا، الطوغو، النيجر، السنغال ومالي…

الهدف من هذا التمدد ليس فقط ترجمة لما يسمى بإستراتيجية إسرائيلية كبرى أي الانتشار الكوني العسكري والاقتصادي والسياسي وإنما لإقامة حزام من حول الدول العربية في شمال إفريقيا على غرار الحزام الذي تشكل بعد إقامة دولة جنوب السودان في عام 2011 والذي يحيط بالسودان ومصر ولو بشكل غير مباشر.

إن الحلف الجديد الذي تسعى إسرائيل إلى إرساء مراسيه يختلف عن الحلف القديم في ثلاث نقط أساسية:

ـ الحلف القديم كان عبارة عن نصف محيط يستهدف تحييد كل من العراق، سوريا مصر والسودان، بينما الحالي المخطط له سيكون محيط حول الوطن العربي بكامله.

ـ الحلف القديم كان يضم فقط: إسرائيل، تركيا، إيران و إيثيوبيا، بينما الحلف الحالي يضم سلسلة من الدول تنطلق من آسيا وتعبر من شرق إفريقيا مرورا بوسطها وصولا إلى غربها، مع انعزال إيران عن الحلف وتبنيها التيار المعاكس.

ـ الحلف الحالي يهدف أساسا إلى شد أطراف الدول المغاربية (ليبيا، الجزائر، المغرب) و السودان (إقليم دارفور) وتمزيقها.

لقد برهنت الديبلوماسية العربية عن فشلها الذريع في ظل تفوق إسرائيلي منبني على حسن التخطيط، دقة التنبؤ وتسخير الآليات وتسطير الأهداف.

إننا اليوم أمام خطر كبير يهدد وطننا العربي ويمضي به إلى نفق مظلم أكثر مما هو عليه، في إطار مخطط إسرائيلي بمباركة أمريكية، قصد تحييدنا وعزلنا سياسيا، جغرافيا، إقتصاديا وعسكريا، في ظل الاستراتيجية القديمة ـ الجديدة المتبعة والتي تنبنى على أساس تقسيم المقسم وتفتيت المفتت، إننا بكل بساطة أمام منطق التدمير، فهل هيا بداية ميلاد إسرائيل الكبرى؟

‫تعليقات الزوار

6
  • Amrrakchi
    الإثنين 23 شتنبر 2013 - 23:32

    لَو أُخِدت القضية الفلسطينية من واجهتها الإنسانية لما أَخدت مَنحا مختلفا أفظل عما هو عليه الأن.المشكلة هنا والكثير يدرك ذالك أن هذه القضية أرادها العرب أن تعيش فقط في بيتهم وذالك لإستغلالها لأغراض سياسية وقومية مَحضة كما يستَغلُّون الدين ويلصقونه بالعروبة.حلفاء إسرائيل المقربين بعد أمريكا هم الأنظمة العربية حيث قطر ذهبت إلى حد تمويل الحملة الإنتخابية لِناطانياهو ب3,5 مليون دولار بتصريح لِيفْني العلني.هذه القضية أستغلت لعقود كثيرة لإثارة المشاعر السادجة لِالبسطاء من الناس كي تُوحِّدهم قَوميَّا وتَخلُق لهم عَدُوًّا يلهيهم (بُوعُّو إسرائيل).هذه القضية لا تتجاوز المشاعرالجيَْاشة عند كثير من المغاربة, بينما المخزن العروبي يتفرج ويقطف نتائج هذا التَّوجِيه الشعبي المُظلل ويتعامل مع إسرائيل دبلوماسيا وإقتصاديا.أما الحقيقة المرة أن العرب هم أشد ظلما وبشاعة من إسرائيل.والذليل هو ما يجري لشعوب غير عربية إحتلتها العرب مثل تامزغا والكورديستان ومصر الأقباط.القيام بجريمة التعريب ,التهميش ,القمع ,تزوير التاريخ ,منع الأسماء الشخصية, إعتقال المناضلين بتلفيقات صبيانية.

  • كاره الضلام
    الثلاثاء 24 شتنبر 2013 - 00:05

    المشكل ليس في اسرائيل و انما في معاداتها، ان العداء الغبي لاسرائيل و الركوب و المتاجرة بالقضية الفلسطينية هو الدي انتج صدام و بشار و الملالي و بقية الجماعات الارهابية من شيعة و سنة، ان الدي يريد تقسيم سوريا هو بشار و محوره و هم اول من استغل شعار الشرق الاوسط الجديد،هم من يسعى الى اقامة دويلة علوية، الحل ادن ليس في زوال اسرائيل المستحيل و انما في التخلي عن معاداتها بدون سبب، من يجب ان يعادي اسرائيل هو فلسطين و سوريا لانها تحتل ارضهم،اسرائيل ليست اشد خطرا من مدعي معاداتها، ان اجترار خرافة الصهيونية و خطرها و مؤامراتها و جعل المتشدقين يمقاومتها ابطالا هو الدي يعيق تقدم العربان و المسلمين و ليس الوجود الفعلي لاسرائيل
    قديما قال نجيب محفوظ "ان للعرب قضية(فلسطين) و هدفا (التقدم) و القضية اضاعت الهدف
    يجب الانتهاء (في المغرب ) من هدا الهديان الببغاوي الدي لا يعنينا و اجترار تخريف محللي القنوات الاعرابية الدين لا يعرفون مادا اكلوا في الصباح و يدعون المعرفة بكواليس الديبلوماسية الامريكية

  • عبد الرحيم
    الثلاثاء 24 شتنبر 2013 - 01:51

    تحليل جميل و دقيق وفقك الله

    لكن أنوه على بعض العثرات في ما يخص استخدامك للمفاهيم، فمثل هذه التحليلات يجب الحذر في استعمال المصطلحات و المفاهيم، فمثلا عندما نستنتج من خلال تحليلك أن العرب (حكامهم على الأقل) كانوا و لا يزالون في ركب أمريكإسرائيل، فكلمة "الدبلوماسية العربية" لم تكن في محلها، كان الأجدر تسميتها مثلا "الديبلوماسية العربصهيونية"…

    بإختصار موضوع رائع و دقيق من حيث البنية و البناء

  • amazigh
    الثلاثاء 24 شتنبر 2013 - 14:16

    أحسنت، اللافت للنظر أن الغرب في أحيان كثيرة يعبرون عن أهدافهم علنا، على عكس العربان يتقاتلون بدون هدف هاذا شيعي هاذا علوي وذاك سني عداء لامبرر له إلا الإنقياد للمجهول القاعدة من يضمن لنا أن كل ملتح إسلامي؟؟؟؟ أما العداء لإسرائيل من الجانب السياسي على الأقل له مايبرره . كيان مهجن من مختلف أصقاع العالم في طريقه لمحو شعب أعزل والإقامة على أنقاضه، هاذه ليست أرض ميعاد ،بل تخريب وتنكيل وحصار واقتلاع من الجذور لم يسلم منه حتى الحجر والشجر، كأمازيغي أرفض تصرفا مثل هاذا، سواء كان صادرا من العرب أو يستهدف العرب. أعتقد أن كل تغيير على الخريطة ، يجب أن يأخذ بعين الإعتبار العنصر البشري الإنساني قبل التاريخ والجغرافيا، والإستقواء على الضعفاء ميزة الجبناء. فلنتأمل الشباب الأبرياء المرتدين للأحزمة الناسفة لأنهم ببساطة يشعرون بأن كل شيئ قد أخذ منهم مما يجعلهم ينتقمون. يجب أن نكون صرحاء الحل في تغليب العقل أما القتل فلن يخدم أحداإذاإستثنينا ماهو مادي طبعا.

  • Tinghir
    الثلاثاء 24 شتنبر 2013 - 22:41

    المٌعربون وخدام العرب بالمغرب الأمازيغي وبعض الجماعات بَنَت إديولوجيتها على محنة الفلسطينيين.فلا هم يرحلون إلى فلسطين ليحاربوا إسرائيل ولاهم يدفعون أموالهم من أجلها هذه القضية الإنسانية التي جعلوها عقيدتهم الجديدة لإيجاد موقع لهم في عقول البسطاء من الشعب.هاؤلاء لا يريدون أن تصبح القضية الفلسطينية قضية إنسانية بل يَحصرونها في قوميتهم العربية الشوفينية كي يستغلوها في الحكم وفي تحريك المشاعر السادجة لِالبسطاء من الناس عند الحاجة.ألا يعيش الأمازيغ وهم في قعر دارهم أبشع من الفلسطينيين؟ موت أطفالنا بالبرد في القرى المهمشة ,القمع ,الإعتقالات المناضلين بِحُجَج ملفقة ,التعريب ,تزوير التاريخ ,منع الأسماء الأمازيغية وتبديل أسماء المدن والبلدات وما إلى ذالك من ظلم المُستَعمِر العروبي الذي لا يختلف عن الظلم الصهيوني.الحكام العرب لاتَهمُّهم القضية الفلسطينية بِقدر ما تَهمُّهم نتائجها السياسية.جل الحكام العرب يتعاملون مع إسرائيل في سرية وعلانية إلى درجة أن قطر دفعت 3,5 مليون دولار في حملة ناطانياهو الإنتخابية وهذا بِتصريح علني ل السيدة " لِيفْنيِ".

  • حسن المكناسي يوسفي
    الأربعاء 25 شتنبر 2013 - 21:36

    السؤال لماذا الجهل بالقران والتاريخ. اسرئيل اسم نبي وبني اسرائيل اسم انة منها من اسلم ومنها اليهود فلما هذا الجهل وتسمية اليهود بالاسمين.ثم السؤال من كان يريد التضييق والاستماع والحرب الباردة لمحاربة امر والمخابرات والاستخبارات التي اليهود منذ التاريخ هم متقدمون فيها الا يقوم بزرهم بمنطقة بعدما ضاق منهم هتلر.انهم كانوا اليهود مكان نصب من الشركات الصانعة للاسلحة وشركات الاتجار بالقتلة المستعملين لتلك الاسلحة.اليهود قاموا برميهم بزنزانة واما المسلمي فذهبوا بهم لقتال الشيوعيين باوروبا واسيا وكذل محارة هتلروكان المقابل استقلال البلدان المستعورة من طرفهم ولابد من الاشارة الى طريقة ترحيل الافارقة الى امريكا.

صوت وصورة
أسر تناشد الملك محمد السادس
الأربعاء 20 يناير 2021 - 10:59

أسر تناشد الملك محمد السادس

صوت وصورة
"قرية دافئة" لإيواء المشردين
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 22:30 5

"قرية دافئة" لإيواء المشردين

صوت وصورة
فن بأعواد الآيس كريم
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 21:40

فن بأعواد الآيس كريم

صوت وصورة
مشاكل دوار  آيت منصور
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 18:33 1

مشاكل دوار آيت منصور

صوت وصورة
ركود منتجات الصناعة التقليدية
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 16:33 5

ركود منتجات الصناعة التقليدية

صوت وصورة
تحديات الطفل عبد السلام
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 12:30 12

تحديات الطفل عبد السلام