إشكالات تطبيق الفصلين 78 و85 من الدستور بشأن المسطرة التشريعية

إشكالات تطبيق الفصلين 78 و85 من الدستور بشأن المسطرة التشريعية
الجمعة 20 فبراير 2015 - 18:28

تحظى القوانين التنظيمية بأهمية خاصة في النظام الدستوري المغربي ، حيث تأتي مرتبتها بعد الوثيقة الدستورية التي هي أسمى قانون في البلاد ،كما تعتبر المسطرة التشريعية لهذه القوانين أكثر تعقيدا من القوانين العادية ، وهو ما يستشف من خلال مقتضيات الفصلين 85 و132 من الدستور في عدم جواز التداول في مشاريع ومقترحات القوانين التنظيمية إلا بعد مرور عشرة أيام على إيداعها لدى مكتب مجلس النواب، علاوة على أنه لا يتم إصدار الأمر بتنفيذ القوانين التنظيمية إلا بعد قرار المحكمة الدستورية بمطابقتها للدستور، لأن القوانين التنظيمية تحال على أنظار المحكمة الدستورية بصفة إجبارية على خلاف القوانين العادية التي تحال على هذه المحكمة بصفة اختيارية.

ولأول مرة قرر المشرع الدستوري ، في ظل دستور 2011 ، أن تنظم الجماعات الترابية بمقتضى قوانين تنظيمية ، وذلك لإعطاء الجهوية المتقدمة والتدبير المحلي بعدا دستوريا في إطار تكريس مبادئالديمقراطية التشاركية والمحلية ، ذلك أن الفصل 71 من الدستور نص على اختصاصات البرلمان فيما يهم نظام الجماعات الترابية وكذلك النظام الانتخابي للجماعات الترابية ومبادئ التقطيع، كما أشار الفصل 146 من الدستور على مضامين القانون التنظيمي المتعلقبالجماعات الترابية من حيث التنظيم والتدبير المالي والإداري.

وقد طرحت مسألة إيداع مشاريع القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية لدى البرلمان إشكالية دستورية تتعلق بمن هو المجلس الذي ينبغي إيداع لديه هذه المشاريع بالأسبقية، هل مجلس النواب ( الغرفة الأولى)أم مجلس المستشارين ( الغرفة الثانية ) ؟

وللإشارة في هذا الصدد أنه حصلت خلافات بين أعضاء مجلس النواب وأعضاء مجلس المستشارين ، من جهة ، و بين وزارة الداخلية والأمانة العامة للحكومة، من جهة ثانية في هذا الشأن . فأعضاء مجلس المستشارين طالبوا بإيداع هذه المشاريع لدى هذا المجلس بالأسبقية تطبيقا لأحكام الفصل 78 من الدستور، بينما تشبت أعضاء مجلس النواب بأن تحال هذه المشاريع على مجلسهم بالأسبقية هم كذلك.كما رأت وزارة الداخلية ضرورة إعطاء الأسبقية للغرفة الثانيةبناء على الفصل 78 من الدستور، بينما أكدت الأمانة العامة للحكومة ضرورة اتباع نفس المسطرة التي جرت مع الحكومة السابقة، والتي أعطيت بموجبها الأسبقية للغرفة الأولى ، حيث أحالت الحكومة السابقة، في هذا السياق، أربعة قوانين تنظيمية متعلقة بانتخاب أعضاء مجلس نواب والمستشارين، والجماعات الترابية والقانون التنظيمي للأحزاب، بالأسبقية على الغرفة الأولى، وهو ما أيدته قرارات المجلس الدستوري.

وفي هذا الصدد ارتأينا إبداء رأينا في الموضوع.

فبالرجوع إلى فصول الدستور المغربي لسنة 2011 ، نجد أن الفصل 78 ينص على أنه “تودع مشاريع القوانين بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب، غير أن مشاريع القوانين المتعلقة، على وجه الخصوص، بالجماعات الترابية وبالتنمية الجهوية، وبالقضايا الاجتماعية، تودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس المستشارين”.

وينص الفصل 84 من الدستور على أنه ” يتداول مجلسا البرلمان بالتتابع في كل مشروع أو مقترح قانون، بغية التوصل إلى المصادقة على نص واحد؛ ويتداول مجلس النواب بالأسبقية، وعلى التوالي، في مشاريع القوانين، وفي مقترحات القوانين التي قدمت بمبادرة من أعضائه. ويتداول مجلس المستشارين بدوره بالأسبقية، وعلى التوالي، في مشاريع القوانين وكذا في مقترحات القوانين التي هي من مبادرة أعضائه؛ ويتداول كل مجلس في النص الذي صوت عليه المجلس الآخر في الصيغة التي أحيل بها إليه.

ويعود لمجلس النواب التصويت النهائي على النص الذي تم البت فيه، ولا يقع هذا التصويت إلا بالأغلبية المطلقة لأعضائه الحاضرين، إذا تعلق الأمر بنص يخص الجماعات الترابية، والمجالات ذات الصلة بالتنمية الجهوية والشؤون الاجتماعية”.

أما الفصل 85 فينص على أنه ” لا يتم التداول في مشاريع ومقترحات القوانين التنظيمية من قبل مجلس النواب، إلا بعد مضي عشرة أيام على وضعها لدى مكتبه، ووفق المسطرة المشار إليها في الفصل 84، وتتم المصادقة عليها نهائيا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الحاضرين من المجلس المذكور؛ غير أنه إذا تعلق الأمر بمشروع أو بمقترح قانون تنظيمي يخص مجلس المستشارين أو الجماعات الترابية، فإن التصويت يتم بأغلبية أعضاء مجلس النواب”.

إن الاختلاف في تفسير مقتضيات الفصلين 78 و 85 من الدستور حول من هي الغرفة التي ستحال إليها مشاريع القوانين بالأسبقية مرده إلى الخلل والعيوب التي شابتصياغة قواعد الدستور لسنة 2011 ، لأن اللجنة الاستشارية التي أوكل لها أمر مراجعة الدستور عرفت نوعا من الارتجالية والسرعة في صياغة النصوص ، حيث كان هاجس الوقت مسيطرا علی أشغال اللجنة ، مما أدى إلى تشويهعدد من الفصول من حيث الشكل والمضمون. وسنقصر في هذا الباب علی التناقض الحاصل بين الفصلين المذكورين:

1- يتحدث الفصل 78 من الدستور ، بشكل عام ، عن مشاريع القوانين المتعلقة بالجماعات الترابية وبالتنمية الجهوية التي يجب أن تودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس المستشارين، دون تحديدما إذا كانتمشاريع قوانين عاديةأم مشاريع قوانين تنظيمية.

2- يتحدث الفصل 85 من الدستور ، والذي يعتريه النقصان ، عن مشاريع ومقترحات القوانين التنظيمية عامة ، بما فيها القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، والتي يجب أن تودع بالأسبقية لدی مجلس النواب للتداول بشأنها.

كما أضاف الشق الثاني من ذات الفصل أنه إذا تعلق الأمر بمشروع أو بمقترح قانون تنظيمي يخص مجلس المستشارين او الجماعات الترابية فان التصويت يتم بأغلبيةأعضاء محلس النواب.

و عندما تطرق هنا الفصل 85 من الدستور إلى القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات الترابية فإنه يقصد مسطرة التشريع بشأنه والتي تتم بداية بمجلس النواب الذي أحيل عليه هذا المشروع أو المقترح بالأسبقية بعد مضي عشرة أيام علی وضعه لدی مكتبه. ويتضح جليا بأن الفصل 85 توقف فقط عند مجلس النواب فيما يتعلق بإحالة القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات الترابية وأغفل مجلس المستشارين الذي تحدث عنه الفصل 78 من الدستور.

وتبعا لدلك أصبحنا أما وضعيتين:

الوضعية الأولي: مشاريع قوانين تهم الجماعات الترابية والتنمية الجهوية يجب أن تودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس المستشارين بناء على الفصل 78 من الدستور.

الوضعية الثانية: قوانين تنظيمية ، علی وجه العموم ، يجب أن تودع بالأسبقية لدى مكتب مجلس النواب بالأسبقية بناء على الفصل 85 من الدستور.وحيث إن الفصل 78 جاء علی وجه التخصيص والفصل 85 جاء علی وجه التعميم. فإن القاعدة العامة وحب تطبيقها في هذه الحالة علی حساب القاعة الخاصة.وعلی هذا الأساس نری أن الأسبقية ينبغي أن تكون لمجلس النواب للتداول في مشاريع القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية.

-مدير مركز الرباط للدراسات السياسية والاستراتيجية

‫تعليقات الزوار

5
  • مصطفى المعتصم
    الجمعة 20 فبراير 2015 - 23:27

    مقال للاستاذ خالد الشرقاوي السموني يستحق القراءة وأن يكون مفيدا لمن يهمه الأمرخاصة البرلمانيين.

  • منا رشدي
    السبت 21 فبراير 2015 - 13:26

    حين ينادي المغاربة بضرورة أن تتضمن الأحزاب المغربية حدا أدنى من الأطر عالية التكوين في كل الإختصاصات ! لم يكن طلبها ترفا بل إستجابة لحاجة التشريع كي لا نسقط في العبث وتضييع الوقت !
    الأغلبية كما المعارضة تستشعر نقصها في هذا المجال ! حتى واضعي الدستور إستبقوا إختال التمثيل البرلماني بغرفتيه بالفصل 85 و 132 إيمانا منهم نسهولة سقوط المشرع في تضارب القوانين عند وضعهم للقوانين التنظيمية !
    لحسن حظنا أن مشاريع القوانين تعرض على المجلس الدستوري قبل التصويت عليها ! هنا لا تفوتني الفرصة لأعبر عن إندهاشي من الأصوات التي نادت بتجميد المجلس الدستوري بعد التصويت على دستور 2011 ! إلى ن تخرج المحكمة الدستورية إلى الوجود ! ليفقد رقابته القبلية على مشاريع القوانين ! هؤلاء كانوا يمهدون للفوضى الهدامة وهم معروفون برحلاتهم من وإلى قطر وتركيا !!!
    أما القوانين المنظمة للجماعات الترابية ! فوفق منطوق الدستور تجب ن تحال على الغرفة الثانية ! هذا يدخل في إختصاصها وداخلها يمثل المنتخبون عن الجماعات الترابية ! فلماذا العناد مرة أخرى !

  • بلحسن محمد
    السبت 21 فبراير 2015 - 14:35

    مساهمة المشارك رقم 1 السيد مصطفى المعتصم تستحق أن تنسخ على ورقة و أن تسند للسيد جامع المعتصم بغية تسليمها للسيد رئيس الحكومة و للسادة: لوزير المنتدب المكلف بالبرلمان
    الوزير المنتدب المكلف بالحكامة
    وزير التجهيز و النقل و اللوجستيك
    و ربط الاتصال بالسيد رئيس مجلس النواب و بالسيد رئيس مجلس المستشارين لإقناعهم بعقد اجتماع داخل قبة البرلمان في جلسة استثنائية مستعجلة تتطرق لنقطة واحدة هي:
    تعيين الأستاذ خالد الشرقاوي السموني مديرا مركزيا لمديرية الشؤون الإدارية و القانونية التابعة لوزارة التجهيز و النقل و اللوجستيك كمنطق لإعادة النظر في القانون المنظم للتعيين في مناصب المسؤولية لتقليص حجم الشكليات و تغليب الضروريات بإشراك أساتذة باحثين من طينة الأستاذ شكيب بنسودة الذي نشر على صفحات ليكونوميست مقال تقدم بدراسة نقدية حول دلك النص القانوني.
    أنا شخصيا أعتبر أننا في أمس الحاجة لمناهج جديدة في التواصل تستجيب لمقولة عظيمة ها هو نصها:
    Ce qui donne un sens à la communication c'est la réponse que l'on obtient ; si vous n'obtenez pas la réponse voulue communiquez différemment
    لن نتقدم إلا بالإبداع.

  • فؤاد العلمي
    السبت 21 فبراير 2015 - 22:19

    في الحقيقة هناك تناقض في فصول الدستور وهذا ما لمسه الباحث الاستاذ السموني.
    نحن في حاجة إلى مراجعة للدستورلضبط صياغة نصوصه.

    طالب باحث في الدكتوراة

  • ناقد
    الأحد 22 فبراير 2015 - 00:03

    القوانين التنظيمية تحال بالاسبقية على مجلس النواب .
    راي صائب
    يبقى فقط تفعيل القوانين

صوت وصورة
إفطار مغاربة في الإمارات
الأحد 9 ماي 2021 - 15:03 6

إفطار مغاربة في الإمارات

صوت وصورة
دار المؤقِّت في القرويين
الأحد 9 ماي 2021 - 14:59 2

دار المؤقِّت في القرويين

صوت وصورة
مع غيثة بن حيون
الأحد 9 ماي 2021 - 11:59 4

مع غيثة بن حيون

صوت وصورة
بخور وعطور ليلة القدر
الأحد 9 ماي 2021 - 11:31 10

بخور وعطور ليلة القدر

صوت وصورة
زكاة الفطر
الأحد 9 ماي 2021 - 10:29 17

زكاة الفطر

صوت وصورة
آش كيدير كاع: رئيس الجماعة
السبت 8 ماي 2021 - 23:00 24

آش كيدير كاع: رئيس الجماعة