إضاءات على مفهوم البحر الإقليمي

إضاءات على مفهوم البحر الإقليمي
الثلاثاء 17 نونبر 2020 - 07:12

– مدخـــــل

تعتبر الدولة الشخص الرئيسي المعني، وبشكل مباشر، بأحكام قواعد القانون الدولي العام، وهي –أي الدولة- تعرف من خلال عناصرها المادية المكونة لها؛ وتبعا لذلك فهي عبارة عن مجموعة بشرية تعيش على إقليم محدد، وتخضع لسلطة من خلال تنظيم سياسي واقتصادي واجتماعي. ولكي يكتمل مفهوم الدولة لا بد من أن يكون كيانها متمتعا بالسيادة والشخصية المعنوية والاعتراف الدولي.

ولما كانت دراسة موضوعي الشعب والسلطة يدخلان في نطاق القانون الدستوري، فذلك سيجعلنا، من باب احترام التخصص، نقتصر في دراستنا هذه على ركن الإقليم (أو بالأحرى جزء من الإقليم) في ضوء ما تضمنته قواعد القانون الدولي العام.

إن ركن الإقليم أحد العناصر المادية الهامة التي تمارَس عليها السلطة، وتحدَّد في إطاره اختصاصات الدولة في مواجهة الدول الأخرى، وإذا كان يتكون من عنصرين أساسيين وهامين لبعض دول العالم، وهما: العنصر البري والعنصر الجوي، فإنه ثلاثي العناصر بالنسبة للدول الساحلية (المطلة على البحار والمحيطات): العنصر البري والعنصر الجوي والعنصر البحري.

ونحصر، بدايةً، نطاق هذه الدراسة في الشق البحري من الإقليم، وذلك في ضوء ما حددته القواعد القانونية المنظمة للحيز البحري، التي يُطلق عليها في هذا الصدد ”القانون الدولي للبحار”، لما كان للبحار، منذ أمد بعيد، من حساسية في العلاقات الدولية، على اعتبار كونها سبيلا للاتصال بين كل جهات المعمور، ومصدراً حيوياً للرزق والغذاء. ويكفي للتدليل على ذلك أن الدراسات الحديثة تَعتبر أن مصدر التغذية للأجيال القادمة يكمن في قاع البحار وما تحتها (التراث الإنساني المشترك). بل وتكرست هذه الأهمية منذ عهد بعيد في التاريخ الإنساني، وفي الكتب السماوية، إذ أوردت الآية 32 من سورة إبراهيم قوله تعالى: “اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ”.

أهمية كهذه هي التي تجعل البحار محل صراع منذ نشأة الجماعة الدولية، لأن بعض الدول حاولت فرض سيطرتها على أجزاء كبيرة من البحار والمحيطات وإخضاعها لسيادتها على أساس قابليتها للحيازة. وعلى هذا قامت واستمرت ملَكيات بريطانيا واسبانيا وبرتغاليا، حيث كان ملوكها يصفون أنفسهم بملوك البحار. وتبعا لهذه المزاعم، اتجه الفقه القانوني الدولي، منذ بداية القرن 17، إلى الانتصار لفكرة مضادة، حيث نادى الفقيه الهولندي (غروسيوسGrotius) بفكرة البحر المفتوح، وحرية الملاحة في البحار لمواجهة آراء الفقهاء الإنجليز في ما يتعلق بالبحار المغلقة. إلى أن توصل المجتمع الدولي إلى تقنين القواعد المتعلقة بالبحار في النصف الثاني من القرن العشرين.

والقانون الدولي للبحار هو مجموعة القواعد القانونية الدولية -العرفية والاتفاقية- التي تنظم وضع البحار بأجزائها وتفرعاتها من: مياه إقليمية، ومناطق متاخمة، ومناطق اقتصادية خالصة، وجرف قاري، وبحر عام/أعالي البحار، وممرات مائية دولية، وقنوات، وخلجان دولية، وخلجان تاريخية، وقاع البحر واستخدام هذا القاع وما تحته وما فوقه من مياه، ومن ذلك الملاحة، والصيد، والثروات الطبيعية.

وهكذا أُبرمت اتفاقيات جنيف الأربع المتعلقة بقانون البحار سنة 1958م، وهي: اتفاقية البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة، واتفاقية أعالي البحار، واتفاقية الجرف القاري، واتفاقية المصايد والصيد البحري والبروتوكول الاختياري الخاص بتسوية النزاعات، التي تشكل اليوم مجموع القواعد الاتفاقية لقانون البحار إلى جانب القواعد العرفية التي تحكم هذا المجال. وهي الاتفاقيات التي مهَّدت لأهم اتفاقية لتنظيم البحار، وهي اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (320 مادة وست ملاحق)، التي تم توقيعها على في مدينة مونتيغرباي الجامايكية في 10 دجنبر 1982م، ودخلت حيز التنفيذ عام 1994 بين الدول بعد استكمال إيداع عدد التصديقات المطلوب لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة، وذلك قصد تجويد وتكملة الاتفاقيات السابقة، والتفريع عن أصولها، وتطوير قواعدها بما يتناسب ونهاية القرن العشرين؛ ناهيك عن ضرورة التجاوب القانوني الدولي مع المتغيرات الجديدة على مستوى التقدم العلمي والتكنولوجي، وظهور دول جديدة تتطلع إلى إقامة نظام اقتصادي قانوني دولي جديد يحقق لها التنمية المنشودة، وتحديات مبدأ السيادة، مع محاولة الدول الكبرى بسط سيطرتها الإقليمية على أجزاء من البحار والمحيطات.

وحيث إن موضوعنا سيتناول بقليل من التفصيل أحد أهم أجزاء البحر بالنسبة للدول، على قاعدة السيادة، وهو البحر الإقليمي؛ فما المقصود بالبحر الإقليمي؟ وما الأحكام التي تحكم هذا الجزء من البحر وفق منصوص قواعد القانون الدولي للبحار؟.

أولاً: مفهوم البحر الإقليمي /المياه الإقليمية.

– يطلق مصطلح البحر الإقليمي أو المياه الإقليمية على الجزء من البحر الذي يجاور إقليم كل دولة وتمتد إليه سيادتها. وقد ظهر مبدأ خضوع هذا الجزء من البحر لإقليم الدولة لسيادتها في القرون الوسطى واستقر في القرن السادس عشر. وأساس هذا المبدأ: أن لكل دولة بحرية تجاه سواحلها مصالح حيوية يجب أن تتولى حمايتها من الأخطار التي تتعرض لها من جهة البحر؛ فباعتبار السواحل تشكل حدودا للدول الساحلية، فهي بذلك منطقة هجوم محتمل يجب أن تجهز بوسائل دفاع دائمة، ولن يكون هذا الدفاع فعالاً إلا إذا سيطرت الدولة على مسافة معينة من المياه المتاخمة والمجاورة لسواحلها. وهذه السيطرة لن تكون ضرورة إستراتيجية فقط، وإنما هي أيضاً ضرورة اقتصادية وصحية؛ فمن الناحية الاقتصادية الأمر ضروري لمراقبة أعمال التهريب ومنعه، وللمحافظة على مصالح السكان في الصيد الساحلي، وجعل هذا الصيد وقفاً عليهم دون غيرهم؛ ومن الناحية الصحية، هو أيضا أمر ضروري لمنع اقتراب السفن الموبوءة، أو التي يخشى منها على الصحة العامة من الاتصال بشواطئ الدولة تجنباً لانتقال العدوى منها إلى إقليمها.

وهذه الاعتبارات وغيرها هي ما يفسر رغبة كل دولة بحرية في السيطرة على أكبر جزء ممكن من المياه المجاورة لإقليمها، وإخضاعها لسيادتها وسلطاتها؛ لكن استقرار وترسخ فكرة المياه الإقليمية لم يوازيه استقرار القواعد القانونية التي لها علاقة بتلك المياه، وذلك لاختلاف في وجهات النظر بشأن الكثير من هذه القواعد، وللتطور المستمر في وسائل الهجوم والدفاع؛ وهما الاعتباران اللذان كانا وراء إخفاق الجهود التي بذلت في لاهاي الهولندية، سنة 1930م، لوضع تقنين دولي خاص بالبحر الإقليمي، وظلا عقبة في سبيل وضع نظام ثابت لهذه البحار، تتحدد فيه كل القواعد الخاصة به وتقبله الدول جميعاً وتلتزم به.

صحيح أن مؤتمر البحار لعام 1958م، الذي انعقد في جنيف، أقر اتفاقية خاصة بالبحر الإقليمي؛ لكن هذه الاتفاقية أغفلت المسائل التي كانت، في وقت سابق، محل خلاف بين الدول وتركتها على حالتها، واكتفت بتدوين القواعد المستقرة التي لا خلاف بشأنها. أضف إلى ذلك أن الكثير من الدول التي أقرتها لم تصدق عليها.

ولعل أهم الإشكاليات التي يثيرها موضوع البحر الإقليمي تطرح على مستوى تحديد طبيعة حق كل دولة على بحرها الإقليمي من جهة، وتعيين حدود هذا البحر ومداه من جهة ثانية. وغياب الحسم في هذا المواضيع البحر الإقليمي كان من بين العوامل التي سرعت في ميلاد اتفاقية جامايكا لعام 1982 لتحل ما كان عالقاً من إشكالات قدر الإمكان (المواد 2 إلى 33).

ثانياً: طبيعة حق الدولة على البحر الإقليمي.

انقسمت الآراء حول تحديد طبيعة حق الدولة على بحرها الإقليمي إلى قسمين: أحدهما يرى أن للدولة على هذا الجزء من البحر جميع الحقوق التي تمارسها على إقليمها، وبالتالي فهو امتداد للإقليم، وداخلٌ في ملكيتها وخاضعٌ لكامل سيادتها، بينما الفريق الثاني يرى أن البحر الإقليمي لا يدخل في ملكية الدولة كبقية أجزاء إقليمها، وإنما لها فقط بعض الحقوق في هذا الجزء الملاصق لها من البحر، وهي الوضعية التي تقتضيها سلامتها ومصالحُها الدفاعية، والاقتصادية، والصحية.

ولعل الرأي الثاني أقرب إلى أصل فكرة البحر الإقليمي؛ فالغرض أساسا من إخضاع جزء من البحر لسلطان الدولة المجاورة له إنما هو حماية إقليمها وشواطئها من الأخطار العسكرية والاقتصادية وغيرها، التي قد تهددها من جهة البحر؛ لذلك فمن المنطقي أن يكون سلطان الدولة على هذا الجزء من البحر بقدر ما تقتضيه هذه الحماية، ولا يتعدى تلك الضرورة، لأن البحر الإقليمي لا يخرج عن كونه جزءاً من البحر العام، والأصل أن يسري عليه ما يسري على البحار، وإخضاعه لسيادة الدولة المجاورة للاعتبارات المتقدمة استثناء من مبدأ حرية البحار. لكن، وعلى أساس قاعدة أن “الاستثناء لا يُتوسع فيه”، لا يمكن الذهاب بعيدا إلى حد القول بتملك الدولة للبحر الإقليمي كأي جزء آخر من إقليمها. وربما ما يقوي ويؤيد وجهة النظر هذه أن الدولة لا يحق لها أن تمنع المراكب الأجنبية من المرور في بحرها الإقليمي، سواء في ذلك المراكب التجارية أو المراكب الحربية والعامة، وهي التي -أي المراكب- تظل خاضعة لقضاء دولتها في كل ما يقع على سطحها أثناء هذا المرور، وليس لسلطات الدولة أن تتعرض لها، خاصة في غير حالات محددة تتصل بالمحافظة على أمنها أو سلامتها أو بسلامة الملاحة في مياهها.

هي قواعد ثابتة متفق عليها بين جماعة الدول، وواضح أنه لا تستقيم معها فكرة اختصاص الدولة بالبحر الإقليمي، وعدها إياه جزءاً من إقليمها، لها عليه من الحقوق ما ليس لغيرها. ومع ذلك، أغلب الدول البحرية تميل إلى إقرار الرأي الأول أو ما يقاربه تعزيزاً لسيادتها على البحر الإقليمي، ويجب أن تمارس سيادتها عليه، وبالتالي فهو بالنسبة لها امتداد للإقليم، وداخلٌ في ملكيتها وخاضعٌ لكامل سيادتها؛ وهي القناعة التي أفصحت الدول عنها في مؤتمر لاهاي لتدوين القانون الدولي لسنة 1930م، حين وافقت، بالإجماع، على نص المادة الأولى من مشروع التقنين الخاص بالبحر الإقليمي، التي جاء فيها: “إقليم الدولة يشمل منطقة من البحر يطلق عليها اسم البحر الإقليمي تمارس فيها الدولة جميع أعمال السيادة وفقاً لقواعد القانون الدولي”.

لكن هذا المشروع أقر، بعد ذلك، حق المرور البريء Innocent Passage لسفن جميع الدول في البحر الإقليمي لكل منها.. وبكونه أقر هذا المقتضى، فهذا ما يؤيد، من جديد، ما سبق أن قيل عن أن طبيعة الأمور تقتضي الاعتراف بأن سيادة الدولة على بحرها الإقليمي أقل مدى من سيادتها على إقليمها. ويبدو أن جماعة الدول وجدت أخيراً أن من الأوفق التماشي مع طبيعة الأمور هذه، فصيغت المادة الأولى من اتفاقية البحر الإقليمي، التي أقرتها في مؤتمر جنيف سنة 1958م، في صورة أكثر اعتدالاً من نص مشروع لاهاي وأقرب إلى الحقيقة والواقع.

فهذه المادة ذهبت إلى أن “سيادة الدولة تمتد وراء إقليمها ومياهها الداخلية إلى نطاق من البحر يجاور ساحلها يطلق عليه وصف البحر الإقليمي. وتكون ممارسة هذه السيادة في حدود أحكام هذه الاتفاقية الأخرى للقانون الدولي”. وقد تناولت النصوص التالية بعد ذلك بيان الحدود التي تمارس الدولة الساحلية في نطاقها سيادتها على البحر الإقليمي على ما سيرد تالياً. ولا شك أن هذه النصوص وضعت حداً للجدل الذي كان يثور بشأن مدى سيادة الدولة على بحرها الإقليمي. فمثلا المادة الثامنة من اتفاقية جامايكا لعام 1982م تؤكد مبدأ سيادة الدولة المشاطئة على بحرها الإقليمي على نحو ما ذهبت إليه اتفاقية جنيف سالفة الذكر.

ثالثاً: نتائج سيادة الدولة على بحرها الإقليمي.

يكفل القانون الدولي للدول البحرية مجموعة من الحقوق كنتيجة لما لها من سيادة على بحرها الإقليمي، هي:

1. حق القيام بأعمال الشرطة: وذلك عن طريق وضع نظام للملاحة فيه، ونظام للمسائل الجمركية، والشؤون الصحية؛ بإقامة منشآت لازمة لضمان الملاحة، وإرشاد السفن، والمساعدة في أعمال الإنقاذ وغير ذلك. كما أن ممارسة التجارة الساحلية والصيد في حدود البحر الإقليمي مقتصرة على رعايا الدولة دون غيرها، إلا بموافقة الدولة في إطار اتفاقيات دولية؛ كما لها الحق في تحديد المراسم البحرية التي يجب على السفن التجارية مراعاتها أثناء وجودها في البحر الإقليمي، وبما لا يتنافى طبعا مع قواعد القانون الدولي العام. كما تملك الدولة أيضا حق بسط سلطتها القضائية على السفن التجارية الأجنبية في كل ما يمس أمن الدولة الساحلية وسلامتها، أو ما يطلب إليها التدخل بشأنه فحسب، مع حفظ حقها في منع الدول المتحاربة من القيام بأعمال حربية في مياهها الإقليمية (احتراماً لحيادها) في حالة قيام حرب ليست طرفاً فيها.

2. على مستوى قاع البحر الإقليمي: سلَّم الفقه بجواز تملك الدولة لقاع بحرها الإقليمي والطبقات الأرضية الواقعة تحته؛ فأصحاب الرأي القائل بملكية الدولة للبحر الإقليمي يرون ذلك نتيجة طبيعية لتملكها أيضا لقاع هذا البحر، أما أصحاب الرأي الآخر، القائل بسيادة الدولة المحددة/النسبية على البحر الإقليمي، فيذهبون إلى أن ملكية الدولة للقاع تستند إلى حقها في البقاء والدفاع عن كيانها، لأن مصالحها وسلامتها تتعارض مع أن تضع دولة غيرها يدها على قاع البحر الملاصق لشواطئها.

وعلى كل حال، النتيجة التي ينتهي إليها كل من الرأيين، كما هو ظاهر، واحدة؛ وهي أن: للدولة على قاع بحرها الإقليمي من الحقوق ما لها على إقليمها ذاته، وأنّها تستطيع استغلال القاع بجميع الوسائل، مادام ذلك لا يؤدي إلى عرقلة المرور في مياهها الإقليمية.

ويمكن أن نقول إن اتفاقية جنيف الخاصة بالبحر الإقليمي 1958 قد حسمت، في مادتها الثانية، في الموضوع عندما نصت على أن “سيادة الدولة الساحلية تمتد إلى النطاق الجوي الذي يعلو البحر الإقليمي، وكذا قاع هذا البحر وما تحته من طبقات”. قبل أن تأتي اتفاقية جامايكا لعام 1982 لتؤكد وتكرس هذا التوجه.

رابعاً: مدى البحر الإقليمي.

لم يكن تحديد مدى البحر الإقليمي في بادئ الأمر خاضعاً لقاعدة معينة، فهناك من قال بجعله ستين ميلاً (والميل وحدة قياس بحرية تعادل 1,852 كيلومترا)، ومن قال بمائة ميل، ومن قائل بشموله لكل الجزء من البحر الملاصق للإقليم الذي يمكن الوصول إلى قاعه، وهناك من قال بامتداده حتى الأفق… وكلها أقوال تبقى عشوائية ولا تستند إلى أي أساس يسوغها. إلى أن انتهى الرأي، مبدئياً، إلى الأخذ بما قال به العالم الهولندي “بنكر شوكBanker Chuck ” بأن: البحر الإقليمي يجب أن يمتد إلى النقطة التي تستطيع الدولة حمايتها، وهي آخر مرمى يمكن أن تصل إليه قذيفة المدافع المنصَّبة على الساحل، وهو رأي فيه من الوجاهة المستندة على مبدأ ضرورة كون الدولة في استطاعتها أن تحمي من البحر ما وراء أقصى مرمى مدافعها من الشاطئ. ومن الجانب الآخر، لن يكون في إمكان سفن العدو أن تصيب بقذائفها إقليم الدولة من وراء هذه المسافة.

ولما كانت أقصى نقطة تصل إليها القذيفة –حينها- هي ثلاثة أميال بحرية، فقد استقر الرأي على تحديد عرض البحر الإقليمي بهذا القدر. وبالفعل استقر هذا التحديد مدة من الزمن، بل تم التنصيص عليه في القوانين الداخلية لبعض الدول، كما أقرته بعض المعاهدات والاتفاقات الدولية مثل اتفاقية تنظيم الصيد في بحر الشمال سنة 1882م. وهذا المدى (3 أميال) تم التعامل معه كحد أدنى فقط، ولم يرق إلى مصاف القواعد القانونية الدولية الملزمة؛ بمعنى أن لكل دولة بحرية أن تلزم الدول الأخرى باحترام حقوقها المتصلة بالبحر الإقليمي في حدود هذه المسافة، ليبقى الحد الأقصى لما يمكن اعتباره بحراً إقليمياً محل اختلاف لفترة لا بأس بها.

وبسبب ذلك، لم يوفق مؤتمر جنيف لسنة 1958م، في شقه الخاص بالبحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة، للوصول إلى حل لهذه المشكلة، رغم أن الدول التي كانت تتمسك بالأخذ بقاعدة الأميال الثلاثة أبدت استعداداً لإعادة النظر في هذا الأمر في ضوء الأوضاع الجديدة. لكن عند مناقشة الموضوع بدا الخلاف شديداً بين الدول ليصبح الاتفاق متعذراً؛ فكانت النتيجة أن أقر المؤتمر المذكور اتفاقية البحر الإقليمي خالية من أي تحديد لعرض هذا البحر، على أن يعاد النظر في الموضوع في مؤتمر قادم، عقد عام 1960م، لكنه لم يكن هو الآخر أوفر حظاً من سابقه. وظل اتساع البحر الإقليمي متفاوتاً بين مجموعة وأخرى من الدول، وخاضعا للأهواء وموازين القوى، إلى أن جاءت اتفاقية جامايكا فحسمت الأمر.

الاتفاقية نصت، في مادتها الثانية، على حق كل دولة في أن تحدد عرض بحرها الإقليمي بمسافة لا تتجاوز 12 ميلاً بحرياً، بدءاً من خطوط الأساس (نهاية المياه الداخلية). ويحتسب عرض البحر الإقليمي من آخر نقطة تنحسر عنها المياه وقت الجزر لما يتصل بالشواطئ الطبيعية، ومن وراء الحواجز والأرصفة التي تحيط بالموانئ أو الأحواض البحرية. أما الخط الذي يعد فاصلاً بين البحر الإقليمي والبحر العام فقد اختلف في تحديده: فهناك من قال إنه يجب أن يوازي الشاطئ في تعاريجه؛ وهناك رأي آخر ذهب إلى القول بتحديده بخطوط مستقيمة تقابل الخطوط الممتدة بين الرؤوس البارزة من الساحل. في حين يفضل أغلب الشرّاح الرأي الأخير لأنه أيسر تحديداً لنطاق البحر الإقليمي من سابقه عند ملاحي السفن.

واتفاقية جنيف، الخاصة بالبحر الإقليمي، أشارت باتباع طريقة الخطوط المستقيمة التي تصل بين الرؤوس البارزة من الساحل عندما تكثر التعاريج، وعُدّت هذه الخطوط بداية البحر الإقليمي؛ ثم نصت على أن يكون الحد الخارجي للبحر الإقليمي الخط الذي تبعد كل نقطة منه عن أقرب نقطة من الحد الأساسي بما يساوي عرض البحر الإقليمي. أما المياه الواقعة بين الحد الأساسي المعتبر بداية البحر الإقليمي والساحل فتعد جزءاً من المياه الداخلية للدولة؛ مع احتفاظها بحق المرور البريء للدول الأخرى مع العلم أنها أصلا كانت – قبل هذا التحديد- معدودة من ضمن البحر الإقليمي أو من أعالي البحار.

وفي حالة وجود نهر يصب مباشرة في البحر، تعد بداية البحر الإقليمي في مواجهته خطاً مستقيماً يمتد عبر فتحة النهر بين آخر نقطة من كل من ضفتيه تنحسر عنها المياه وقت الجزر. أما إذا وجدت في حدود البحر الإقليمي جزيرة فإنها تعد جزءاً من الإقليم ويتقرر للدولة حولها منطقة إقليمية إضافية من البحر، وتتبع القاعدة نفسها لمجموعات الجزر أو الأرخبيل. ولو كان على شاطئ الدولة خليج فيحتسب البحر ابتداءً من الخط الواصل بين طرفي فتحة الخليج إن كان معدوداً من المياه الوطنية، في حين يتماشى مع الشاطئ الداخلي للخليج إذا كان معتبرا من البحار العامة. وفي حالة تقابل سواحل دولتين أو تجاورهما، لا يكون لأي منهما أن تدعي امتداد بحرها الإقليمي لأكثر من الخط الأوسط بينهما. ويحدد القياس، حسب اتفاقية جامايكا لعام 1982م، بالتساوي من أقرب نقط الخط الأساسي الذي يعد ابتداء المياه الإقليمية لكل منهما، وذلك ما لم يتم الاتفاق بين الدولتين على خلاف ذلك.

خامساً: الملاحة في البحر الإقليمي.

يعتبر موضوع الملاحة من أكثر المسائل المتصلة بالبحر الإقليمي استقراراً من حيث القواعد التي تخضع لها، إذ لا خلاف بشأنها، كما هو الحال في تحديد مداه أو طبيعة حقوق الدولة عليه.

1. بخصوص مبدأ حرية المرور البريء:

استقر العرف الدولي على ضرورة أن تكون البحار الإقليمية مفتوحة للمرور البريء لمراكب جميع الدول، وهذا العرف كرسته ورسخته بعض المعاهدات الكبرى التي أبرمت بعد الحرب العالمية الأولى، مثل اتفاقية برشلونة للنقل والمرور، المبرمة في 20 أبريل سنة 1921م، ثم تدعَّم بتدوين جميع الأحكام المتصلة به في اتفاقية البحر الإقليمي التي أقرها مؤتمر جنيف لشؤون البحار في 27 أبريل سنة 1958م، والتي جاء في الفقرة الأولى من المادة 14 منها أن سفن جميع الدول، سواء كانت ساحلية أو غير ساحلية، تتمتع بحق المرور البريء داخل البحر الإقليمي.

ومن جهتها، أكدت اتفاقية جمايكا لعام 1982 في موادها الخاصة بالبحر الإقليمي (18 مادة) أن مفهوم المرور يعني: التوجه إلى أحد موانئ الدولة أو التوجه منها إلى أعالي البحار؛ أو مجرد المرور في المياه الإقليمية في محاذاة الشاطئ للتوجه إلى مياه دولة أخرى مجاورة أو في الطريق إلى عرض البحر، أو إمكانية الوقوف أو الرسو في المياه الإقليمية في الحدود التي تستلزمها الملاحة العادية، أو إذا اقتضت ذلك قوة قاهرة أو حالة خطرة.

وبعض الفقه ذهب إلى أن حرية المرور البريء لا تثبت إلا للسفن التجارية. أما في ما يتصل بالسفن الحربية فيجوز للدولة أن تضع بعض القواعد الخاصة التي يتعين على هذه السفن مراعاتها عند مرورها في مياهها الإقليمية، وذلك لدرئ الأخطار التي قد تتعرض لها الدولة من وجود سفن حربية أجنبية بقرب شواطئها. وقد جرى العمل الدولي على عدم التفرقة، في وقت السلم، بين المراكب التجارية والمراكب الحربية، من حيث المرور البريء، إلا إذا تطلبت ذلك أحوال خاصة تسوغ هذه التفرقة.

كما جاء في اتفاقية جنيف لعام 1958 أن المرور البريء حق لسفن جميع الدول بوجه عام من دون أن يقتصر على السفن التجارية، فقط طلبت الاتفاقية أن يكون مرور الغواصات فوق سطح الماء، وهو نفس موقف اتفاقية جامايكا لعام 1982.

ويقتضي المرور البريء عدم قيام السفينة أثناء وجودها في البحر الإقليمي بأعمال من شأنها أن تمس سلامة الدولة صاحبة الإقليم المجاور، أو نظامها العام، أو مصالحها المالية، أو الجمركية. وللدولة المستضيفة أن تتخذ جميع الوسائل والتدابير اللازمة لمنع وقوع هذه الأعمال في مياهها الإقليمية، ولضمان الملاحة في هذه المياه. وألزمت اتفاقية جمايكا لعام 1982 (المادة 19) السفن الأجنبية التي تستعمل حقها في المرور بأن تراعي القوانين واللوائح التي تضعها الدولة صاحبة الإقليم في هذا الشأن، ومنها: ضمان المرور وصيانة العلامات الخاصة به، وصيانة المياه الإقليمية من التلوث الذي قد تسبّبه السفن، والمحافظة على الثروة الطبيعية للبحر الإقليمي، وعلى حقوق الصيد وما شابهها من الحقوق الخاصة بالدولة صاحبة الإقليم.

وفي المقابل، على الدولة صاحبة الإقليم (حسب المادة 24 من الاتفاقية) ألا تعيق المرور البريء للسفن الأجنبية في مياهها الإقليمية، وألا تقيم في وجهه عقبات لا مقتضى لها، وألا تفرق في المعاملة من حيث الإجراءات التي تضعها لذلك بين سفن الدول المختلفة، وألا تفرض على مجرد المرور البريء أي رسم إلا مقابل خدمة فعلية تؤديها.

2.سلطان الدولة على السفن المارة في بحرها الإقليمي:

من المنطقي أن سيادة الدولة على بحرها الإقليمي تقتضي إخضاع التصرفات والأفعال التي تقع من سفينة أجنبية أو عليها أثناء مرورها في ذلك البحر للقضاء الإقليمي، أسوة بالسفن الراسية في الموانئ، وفي الحدود التي أقرها القانون الدولي بالنسبة لهذه السفن. لكن هذا القول تواجهه اعتراضات ثلاثة: أولها، أنه ليس للدولة صاحبة الإقليم أن تعيق مرور السفن الأجنبية في مياهها بالتدخل في شؤونها، ما لم تكن في الأمر مسائل تتصل بسلامة الدولة أو بسلامة الملاحة؛ والثاني أنه ليس للدولة صاحبة الإقليم مصلحة في التدخل بالنسبة لما يقع على سفينة أجنبية في أثناء مرورها في مياه تلك الدولة، مادام لا يمسها في شيء. أما الاعتراض الثالث فإنه لا يتيسر دائماً للسلطات الإقليمية أن تحاط علماً بما يجري على مركب أجنبي وقت مروره في بحرها، وأن تتدخل في الوقت المناسب ما لم يطلب إليها ذلك.

أما من الناحية العملية، جرى العمل الدولي على اتباع مجموعة من التدابير:

بالنسبة للسفن العامة، أي إذا كانت مخصصة لأعمال حكومية غير تجارية، لا تخضع بتاتاً في أي شأن من شؤونها لاختصاص الدولة صاحبة الإقليم، فيما عدا واجبها في أن تراعي القواعد التي وضعتها السلطات الإقليمية للمرور في بحرها الإقليمي. وفي حالة مخالفة السفينة لتلك القواعد، للسلطات الإقليمية للمرور أن تطلب منها مراعاتها، فإن لم تستجب السفينة لهذا التكليف فإنها تأمرها بالخروج من المياه الإقليمية,

بالنسبة للسفن الخاصة، لا تخضع أصلاً للاختصاص الإقليمي في الشؤون المدنية، سواء ما يتصل منها بتصرفات ركابها، أو التي تصدر لحساب السفينة ذاتها، وإنما يجوز أن تتخذ بحقها قبل إبحارها إجراءات تحفظية حول بعض الأفعال أو التصرفات المتصلة مباشرة بمرورها في البحر الإقليمي. لكن السفينة التجارية أثناء مرورها في المياه الإقليمية تخضع لاختصاص القضاء الإقليمي إذا كانت لذلك علاقة بمخالفات نظام المرور أو الأفعال المتصلة بهذا النظام، وللسلطات المحلية أن توقع عليها الجزاء المترتب على تلك المخالفات والأفعال إذا كان ذلك في مقدورها. أما الجرائم العادية التي تقع على ظهر السفينة أثناء مرورها ولا علاقة لها بهذا المرور، فلا اختصاص للسلطات الإقليمية عليها، حتى لو كان الجاني أو المجني عليه من رعاياها، إلا في حالات ثلاث، وهي أن تتعدى نتائج الجريمة حدود السفينة، وأن يكون من شأن الجريمة تعكير الأمن العام للدولة، وأن يطلب إلى السلطات الإقليمية التدخل إما من جانب قائد السفينة وإمّا من جانب قنصل الدولة التي ترفع علمها. وقد تقررت هذه الأحكام في مشروع سنة 1930م، على أساس ما هو معمول به في أغلب الدول؛ فاتفاقية جنيف لسنة 1958 أضافت إلى هذه الحالات الثلاث حالة رابعة (أكدتها ورسختها اتفاقية جامايكا لعام 1982 (المواد 26 إلى 28)، وهي: حالة ما إذا كان التدخل ضرورياً للقضاء على اتجار غير مشروع بالمواد المخدرة.

– حق التتبع والمطاردة الحثيثةHot Persuit.

هذا الحق هو آلية من آليات الدولة في تفعيل وفرض سيادتها على بحرها الإقليمي في ما يتصل بالسفن الأجنبية؛ وهو حق أقره مؤتمر البحار الذي اجتمع في جنيف سنة 1958، وكرسته -أي أعادت تأكيده- اتفاقية جمايكا لعام 1982 في المادتين 110و111. ومضمون هذا الحق أنه مثلا أثناء مرور إحدى هذه السفن في المياه الإقليمية وصدر منها من الأفعال ما يستدعي تدخل دولة المرور، ثم حاولت الإفلات من البحر الإقليمي بعد أن طلبت منها السلطات الإقليمية المختصة التوقف، كان لمراكب هذه السلطات أن تتبعها إلى عرض البحر وأن تطاردها حتى تتمكن من إيقافها إذا استطاعت، واتخاذ الإجراءات التي تقتضيها الأحوال.

الأكيد أن حق التتبع أو المطاردة هو قاعدة ثابتة لا نزاع فيها، استقرت منذ زمن عن طريق العرف. وجرى العرف على أن هذه المطاردة في عرض البحر لا تكون مشروعة إلا إذا توافرت مجموعة من الشروط، وهي: أن تكون هناك قرينة قوية وحجة دامغة على وقوع جريمة أو فعل مخل من جانب السفينة الأجنبية أثناء وجودها في المياه الإقليمية، وأن توجد السفينة أو إحدى القطع التابعة لها في المياه الإقليمية وقت صدور الأمر لها بالتوقف، وأن تكون المطاردة مستمرة غير متقطعة تتولاها سفن الدول الساحلية وطائراتها.

مع ضرورة الإشارة إلى أن الدولة التي تقوم مراكبها بالمطاردة تتحمل كل النتائج التي تترتب عن تلك المطاردة إذا اتضح أنها لم تكن محقة فيها، أو كانت محقة ولكنها أتت من التصرفات أو أعمال العنف نحو السفينة المطاردة ما لا مسوغ له ولا تقتضيه الأحوال.

خلاصة القول أن المجتمع الدولي من خلال القواعد القانونية والمبادئ التي أقرها وآراء الفقهاء لا يقر للدول في ما تذهب إليه من أنها تملك سيادة مطلقة على بحرها الإقليمي، وأن الأخذ بفكرة السيادة الخاصة أو السيادة المقيدة حسب قناعتنا المتواضعة هو المعول عليه من أجل إيجاد آلية واضحة ومتعددة الجوانب لحل المشاكل التي تنشأ بين الدول ولتجنب حصول حالات نزاعات مسلحة او مشاكل ذات أبعاد سياسية واقتصادية وحتى اجتماعية، ولترسيخ فكرة حسن الجوار والتعايش السلمي والمشاركة في خيرات الأرض ومساعدة الدول الفقيرة في مواردها الطبيعية الشحيحة، والسماح للدول الساحلية باتخاذ إجراءات بصدد تنظيم الملاحة والصيد والبحث العلمي ومد خطوط المواصلات وخطوط الطاقة، والعمل المشترك مع الدول الأخرى من أجل بيئة نظيفة آمنة، وتنظيم عمليات الإنقاذ والتصرف السليم عند الحاجة.

*دكتور في الحقوق وأستاذ القانون الدولي العام، كلية العلوم الإدارية والإنسانية – جامعة المستقبل، القصيم، المملكة العربية السعودية

‫تعليقات الزوار

3
  • mohammed
    الثلاثاء 17 نونبر 2020 - 10:22

    شكرا جزيلا على هذه التوضيحات القيمة و المفيدة

  • Lamya
    الثلاثاء 17 نونبر 2020 - 10:36

    على المغرب تحديد بحاره الاقليمية بدقة و حمايتها و الدفاع عنها بقوة في الامم المتحدة على حسب الشرعية و القانون الدولي الدولي. للتمكن من استغلالها بشكل منظم بما يخدم التنمية المستدامة و عدم استنزاف الثروات البحرية.

  • عبد الغني
    الثلاثاء 17 نونبر 2020 - 11:16

    شكرا لك على هذا البحث القيم والدقيق حول هذا الموضوع الذي لا يدرج في كلام العامة والخاصة. تنويه خاص تستحقه.

صوت وصورة
صرخة ساكنة "دوار البراهمة"
الجمعة 22 يناير 2021 - 23:11 3

صرخة ساكنة "دوار البراهمة"

صوت وصورة
عربات "كوتشي"  أنيقة بأكادير
الجمعة 22 يناير 2021 - 20:29 18

عربات "كوتشي" أنيقة بأكادير

صوت وصورة
دار الأمومة بإملشيل
الجمعة 22 يناير 2021 - 18:11 4

دار الأمومة بإملشيل

صوت وصورة
غياب النقل المدرسي
الجمعة 22 يناير 2021 - 14:11 1

غياب النقل المدرسي

صوت وصورة
متحف الحيوانات بالرباط
الجمعة 22 يناير 2021 - 13:20 3

متحف الحيوانات بالرباط

صوت وصورة
صبر وكفاح المرأة القروية
الخميس 21 يناير 2021 - 20:50 3

صبر وكفاح المرأة القروية