إلسا لوبيث: تقريب المواقفِ حول الصّحراء يُوحِّدُ جزُر الكناري والمغرب

إلسا لوبيث: تقريب المواقفِ حول الصّحراء يُوحِّدُ جزُر الكناري والمغرب
الأربعاء 11 نونبر 2020 - 03:15

أمادا إلسا لوبيث رودريغيث، المعروفةُ اختصاراً بإلسا لوبيث، شاعرةٌ وأديبةٌ إسبانية من جزُر الكناري، وُلدت سنة 1943 في مدينة سانتا إسابيل (مالابو حالياً)، عاصمة غينيا الاستوائية حين كانت مستعمرةً إسبانية؛ انتقلت مع عائلتها للعيش في جزيرة لابالما بالأرخبيل الكناري، وبعد سنوات، شدّت الرحال إلى مدريد لاستكمال دراستها، وفي عام 1965 حصلت على الإجازة في الفلسفة من جامعة لاكومبلوتينسي بالعاصمة الإسبانية، ثم هاجرت إلى سويسرا، لتعود، من جديد، إلى مدريد بعد سنةٍ قضتها في تدريس الأدب الإسباني؛ ونالت درجة الدكتوراه في الفلسفة والأدب عام 1980 ثم اشتغلت أستاذة جامعية إلى أن تقاعدت.

تُعَدُّ إلسا لوبيث من أهمِّ الأصوات الشعرية المعاصرة في الأدب الكناري والإسباني، فازت بالعديد من الجوائز على امتداد مشوارها الأدبي الذي بدأته منذ سبعينيات القرن الماضي، ومنها: جائزة مدينة مليلية الدولية للشعر (1987)، جائزة وردة دمشق للشعر (1989)، جائزة خوسيه إيِّيرُّو الوطنية للشعر (2000)، جائزة ريكاردو مولينا للشعر بمدينة قرطبة (2005)؛ كما حصلت سنة 2016 على الميدالية الذهبية التي تمنحها الحكومة الكنارية، كلّ عام، تكريماً لخُدّام الشعب الكناري، وفازت العام الماضي بجائزة إميليو كاستيلار للدِّفاع عن الحريّات وتقدُّمِ الشُّعوب في صنف الثقافة.

إضافةً إلى إدارتها العديد من دور النشر والأنشطة الأدبية والبرامج الثقافية التنموية بين جزر الكناري وإسبانيا، أصدرت إلسا لوبيث ما يزيد عن 34 مؤلّفاً في الأنثروبولوجيا والسيرة الأدبية والرواية والشعر، بالإضافة إلى عددٍ من سيناريوهات الأفلام الوثائقية؛ ونذكرُ من بين مجاميعها الشعرية: الرياحُ والدِّفليّات (1973)، الأُوقيانوسُ الحَتْمِيُّ (1982)، عنِ الحُبِّ النّاقِص (1987)، المَيْسَرَةُ المُظْلِمَةُ (1990)، مَقْبَرَةُ الفِيَلَة (1992)، بَحْرٌ مِنَ الحُبّ (2002)، عُبُور (2006)، رِحْلَةٌ إلى العَدم (2016)؛ وصدر لها في الرواية: قَلْبُ العَصافِير (2001)، ساحِراتُ جَزِيرةِ الرِّياح (2006)، ضِمادةٌ على عَيْنَيّ (2011).

وكانت إلسا لوبيث الأولى بين الأدباء الكناريين من حيث ترجمةُ النصوص إلى اللغة العربية، على الإطلاق، منذُ ثلاثين عاماً وفي مناسبتين؛ وتعيشُ حالياً في جزيرة لابالما الكنارية التي تُحبِّها كثيراً وتعتبرها موطنها الحقيقي رغم أصولِها المختلِطة، إذ إنّ أُمّها كنارية ووالدها غرناطيٌّ ينحدِرُ أجدادُه من فرنسا. وفي هذا الحوار الحصري الذي خصّت به موقع هسبريس، تُحدِّثُنا الشاعرةُ إلسا لوبيث عن حياتها التي عاشتها بين إفريقيا وجزر الكناري ومدريد، وعن انتقالها من الشعر إلى الرواية، وعن علاقتها بالثقافة العربية وأمور أُخرى.

فلنبدأ من البداية. أنتِ وُلدتِ في إفريقيا، تحديداً في عاصمة غينيا الاستوائية حين كانت مستعمرة إسبانية، قضيتِ السنوات الأربع الأولى من حياتك هناك مع عائلتكِ، بعدها انتقلتم إلى جُزر الكناري. إلى أيِّ حدٍّ أثَّرت تلك السنواتُ الإفريقية في شخصيّتك؟ هل كانت كافية لتُلهمكِ روايتكِ الأولى “قلبُ العصافير” أم أنّكِ اعتمدتِ على الذاكرة العائلية في كتابتها؟.

كانت إفريقيا بالنسبة إليّ مرجعاً تاريخياً وثقافياً، وُلدتُ في سانتا إسابيل، عاصمة جزيرة فيرناندو بوو (جزيرة بيوكو حالياً)، وقضيتُ سنواتي الأولى في المنطقة القارية من غينيا الاستوائية التي كانت تُسمّى “ريو موني”. وكانت بالنسبة لي سنواتٍ سعيدة جدّاً رفقة والديّ. جزءٌ من ذكريات تلك الحقبة أستمدُّها من ذاكرتي، وجزءٌ آخر منها أستمدُّه من خلال أرشيف الصور الفوتوغرافية، إذ إنّ والدي كان عاشقاً للتصوير الفوتوغرافي، وكان قد جاب القارة الإفريقية بآلة التصوير؛ كان عالمَ نباتٍ وقبل أن أُولد كان قد ألّف كتباً ومقالاتٍ حول النباتات الإفريقية. وأستمدُّ جزءاً ثالثاً من تلك الذكريات من محادثاتي مع والدتي.. إنّها من جعلني أُحبُّ إفريقيا وأفهمها وأُشارك في العالم الذي كان يُحيط بي.

بعد اثني عشر عاماً عشتِها في جزيرة لابالما (جزر الكناري)، انتقلتِ مجدّداً إلى مدريد هذه المرّة، حيث تابعتِ دراستكِ حتى حصلتِ على الباكالوريا ثم الإجازة فالدكتوراه في الفلسلفة. ما هي تأثيراتُ هذا المرور من الجزُر إلى شبه الجزيرة الإيبيرية على علاقتكِ الوجدانية مع الأرخبيل الكناري، حيثُ قضيتِ أطول فترةٍ من طفولتك؟ وهل ينعكس كلُّ ما هو كناريٌّ في أعمالكِ الأدبية؟.

لقد أثّرتْ فيَّ السنواتُ التي عشتُها في جزر الكناري مع جدّتي لوالدتي وإحدى أخوات أُمِّي إلى حدِّ أنّني حين أُسألُ اليوم من أين أنا أقول إنِّني من جزيرة لابالما التي أمضيتُ فيها سنواتِ طفولتي، والتي كنتُ أعود إليها دائماً خلال العطلة الصيفية منذ أن انتقلنا أنا ووالدتي وأخي إلى مدريد. جزر الكناري، بالنسبة لي، كانت بمثابة تلك الجَدّةَ التي استقبلتني حين تركني والداي عندها لكي تعتني بي. كانت جزر الكناري هي تلك العقبةُ حيث كانت تعيش الجدّة ويوجد الأصدقاء والمدرسة وكلُّ ما كان يُشعرني بالسعادة. وكانت تلك الذكرياتُ أساسيةً في تنمية شخصيّتي، ويُمكِن التماسُ هذا المعنى من خلال أعمالي الأدبية. ليس “كل ما هو كناري” ما ينعكس في أعمالي، بل شيءٌ أعمق بكثير: إنّه الحبُّ وانجرافي مع الحبِّ في أحضان جدّتي وأخوالي الذين كانوا يعيشون في ذلك المنزل، إنه أمرٌ أثّر فيَّ إلى الأبد. مازلتُ، حتى اليوم، أكتبُ باستمرار حول تلك الطفولة وعن تلك الطفلة وأولئك البالغين الذين كانوا يُحيطون بها.

انتماؤكِ مُختلط: كوبية/كنارية؛ جزيرية/شبه جزيرية، إفريقية/أوروبية؛ جَدُّ جدِّكِ لأبيكِ جاء من فرنسا إلى غرناطة حيثُ تعرف والداكِ على بعضهما في ما بعدُ قبل أن يذهبا إلى إفريقيا؛ والدتُكِ هي ابنةُ رجُلٍ كناري هاجر إلى كوبا وهو مازال شابّاً… كيف تنظرين إلى نفسكِ بخصوص موضوع الهوية؟ هل تعتقدين أنّ أُصُولكِ كناريةٌ أكثر مما هي غرناطية أو فرنسية؟ لماذا؟.

حسناً، في الحقيقة أنا لستُ من أيِّ مكانٍ، وفي الوقت نفسه، أنا من كلِّ الأماكن. أحمِلُ في دواخلي الكثير من الجذور، وهذا الخليطُ يجعلني أكونُ كما أنا. أنتمي إلى الكثير من الثقافات والأعراق وأجدُ نفسي فيها جميعاً. وتلتقي لديّ في حمضي النووي جماعاتٌ عرقية مختلفة، هكذا حسب التوزيع الآتي: أوروبا الجنوبية، شبه الجزيرة الإيبيرية، جنوب إيطاليا وجنوب اليونان، شمال إفريقيا، إفريقيا الغربية، نيجيريا وعرق اليهود الأشكناز. إنه خليطٌ يجعلني فخورة. أعتقد أنّه لا يجبُ أن أتنكّر لأيِّ واحدةٍ من تلك الثقافات؛ لقد تعلّمتُ مِن عائلتي الأبوية أن أنتمي إليها كُلّها. جزر الكناري هي المكان الذي اخترتُ أن أعيش فيه ولذلك فأنا أعتبر نفسي كنارية لأنّني أعتقد، في هذا المستوى من وجودي، أنّ المرء ينتمي إلى المكان الذي اختاره ليكون كما هو، ولا علاقة للأمر بميلادكَ في ذلك المكان مِنْ عدمه.

وأعتقدُ أنّ كوني رحّالة وأتأقلمُ مع أيِّ مكانٍ أذهبُ إليه هو أمر أحمِلهُ في دمي وجاءني من شمال إفريقيا. وكوني ميّالةً إلى الحزن ولا أستطيع العيش من دون البحر أمرٌ جاءني من جزر الكناري. أما اليونان فجاءتني منها بعضُ الخصائص الجسديّة التي تُحدِّد مظهري؛ ومن إيطاليا حُبِّي للجمال؛ ومن نيجيريا استقلاليّتي الطبيعية ومن عرق اليهود الأشكناز منفايَ الداخليُّ الدائم.

حسب علمي، كمتخصِّصٍ في الأدب الكناري، أنتِ أوّلُ الشعراء والأدباء الكناريين الذين تُرجِمتْ نُصوصهم إلى اللغة العربية؛ كان ذلك في العام 1991 حين تُرجِم ديوانكِ “الميْسَرةُ المُظْلِمة” بعد أن حصلتِ به على جائزة “وردة دمشق” في 1989. هلاّ حدّثتِنا قليلاً عن تفاصيل تلك التجربة؟ ولكونكِ ابنةَ امرأةٍ درَستْ اللغة العربية في غرناطة، هل كان للثقافة والأدب العربيين تأثيرٌ مُعيّنٌ عليكِ؟.

حصل ذلك بالصُّدفة، مثل كلِّ الأشياء في حياتي. كانت إحدى صديقاتي، وهي شاعرة، تُدعى كارمينا كاسالا، وهي بدورها من أصدقاء السفير الإسباني في سوريا، شجّعتني على المشاركة في الجائزة، وذلك ما فعلته. كانت رحلتي إلى سوريا مغامرةً أكثر مما كانت تجربةً أدبية. خلال السفر إلى دمشق، لم تُقلِع الطائرةُ من فرانكفورت فبقيتُ في فندقٍ بالقُربِ من المطار، وهناك كتبتُ نصفَ كتابٍ من القصائد عنونتُهُ بـ”عُبُور”، عبَّرتُ فيه عن حُبِّي لتاريخِ الكثير من الدول العربية، وهو حبٌّ أخذْتُهُ عن أستاذةِ مادة التاريخِ خيمينا مينينديث بيدال، التي درّستني في مرحلة المراهقة، وعن عمّتي إلينا غوميث مورينو.

وللإشارة، فعمُّ والدي، مانويل غوميث مورينو، كان والدُهُ عالِمَ آثار ومتخصِّصاً في تاريخ الفن ومؤرِّخاً إسبانيّاً معروفاً على الصعيد العالمي بأبحاثه وقضى جزءاً كبيراً من حياته في دراسة الفن بإسبانيا والكتابة عنه، ومن بين أعماله: “قَصْرُ الحمراء”؛ “دليلُ غرناطة”؛ “مدينةُ إلبيرة”؛ “الكنائسُ المُستعربة”، “مسجدُ تُطِيلة الأعظم”؛ “القوسُ العربي”… إلخ.. لقد عشتُ معه في مدريد عدّة سنوات من مراهقتي ولذلك رُبّما بدأتُ في فهم العالم العربي: هندسته المعمارية، آدابه… وكانت بناتُه، أيْ عمّاتي، يُقرِئنني قصائدَ وقصصاً لها علاقةٌ كبيرةٌ بالعالم العربي. كانت عائلة آل غوميث مورينو تنحدر من غرناطة وكان منزلُها في مدريد، حيث أمضيتُ فتراتٍ من حياتي، يُشبه كثيراً حدائق الكارمن الموجودة قُرب قصر الحمراء حيثُ عاشت جدّتي لوالدي، كما يشبه أيضاً منزل البحر الذي كنتُ أذهبُ إليه بعض الأحيان خلال العُطَل. كان ذلك المنزلُ يَحمِلُ اسماً عربيّاً: “دارُ اللّوز”.

وكان المنزلان معاً مليئان بالكتب التي يقرؤونها عليّ وكنتُ أقرؤها أيضاً من تلقاء نفسي. ومن بين تلك الكتب قصصٌ وحكاياتٌ وأشعارٌ لها صلة وطيدةٌ بالتقاليد والعادات العربية: خزفٌ عربي أندلسي في الفناءات؛ مأكولاتٌ بطعم البقدونس؛ أوراقُ الدالية والسمسم؛ حلويّاتٌ بشَعر الملاك؛ حبّاتُ الكاجو والفستق في المأكولات… جنّةٌ من الروائح كانت تقودني إلى البلدان التي تتحدّثُ عنها الكتبُ التي كنتُ أقرؤها.

بخصوص الحديث عن الأدب الكناري ومدى وصوله إلى قُرّاء اللغة العربية، يُلاحظ أنّ المُؤلِّفين الكناريين الذين تُرجمتْ أعمالهم إلى العربية قليلون جدّاً: أنتِ، أندريس سانتشيث روباينا، خوستو خورخي بادرون في الشعر، وبينيتو بيريث غالدوس في الرواية؛ ربّما لأنّكم جميعاً أنتم الأربعة استطعتم الخروج من الأرخبيل نحو آفاقٍ أوسع. في رأيكِ، بصفتكِ مديرة دار نشر يوجد مقرُّها في مدريد، هل ذلك أيضاً نتيجةٌ لنفس المشكل المرتبط بالنشر والتوزيع الذي يُعاني منه الأدب الكناري حتى في الوصول إلى القُرّاء في شبه الجزيرة الإيبيرية، أم ترين أنّ للأمر أسباباً أُخرى؟ ماذا تقترحين، كناشرة، من أجل إيصال الأدب الكناري إلى المغرب والعالم العربي؟.

من الصّعبِ أن أُعبِّر عن رُؤيتي للموضوع في كلماتٍ قليلة. إنّ نظرتي بخصوص نشر الأدب الكناري في العالم العربي هي نفسُها في ما يتعلّق بنشره في شبه الجزيرة الإيبيرية. التوزيعُ خارج جزر الكناري صعبٌ ولا علاقة له بجودة ما يكتبه المؤلِّفون. والعكسُ صحيحٌ أيضاً. إذا لم تكن دارُ النشر قويّةً فالكتبُ لا تصلُ إلى المكتبات الكنارية حتّى في الحالات التي يكون فيها الكاتبُ من جزر الكناري. التكاليف مرتفعة وشركات التوزيع تخشى إرجاعاتِ الكتب، وهو ما يضطرُّها إلى عدم ترك الكتب في المخازن. وأصحابُ المكتبات ليس باستطاعتهم أداءُ تكاليف كتبٍ لا يعلمون هل سوف تُباع أم لا. أما بخصوص الترجمة فهي مشكلةٌ أُخرى. ليس هناك الكثيرُ من المترجمين العرب، وحتى إن وُجِدوا فهمْ لا يعلمون شيئاً عن أدباء الأرخبيل الكناري. إنّ المسألة مثل حلقةٍ مُفرَغة.

من خلال مسيرتكِ وإنتاجكِ الأدبيّين، يُلاحَظ أنّكِ وبعد إصدار عشرة دواوين شعرية على امتداد ثلاثين سنةً تقريباً تحوّلتِ نحو السرد وكتبتِ روايتكِ الأولى “قلبُ العصافير” عام 2001؛ كما يَحدثُ اليوم للعديد من الشاعرات والشعراء الذين يتحوّلون إلى روائيين لأسباب متعلِّقة بالجنس الأدبي المُهيمِن. هل أصبحنا، ربّما، نعيش في عصرٍ غير شعريٍّ أم لعلّ الأدب وصل إلى ما يُمكن تسميته “استبداد الرواية”؟ ثُمّ هل أمسى الاستمرارُ في التمسُّك بالشعر مجرّدَ طُوباوية، كما يقول بعضُ الشعراء الحاليين؟.

لا أعتقد ذلك. لا أعتقد بوجود ذلك الاستبداد وإذا كان بعض الناس يرون ذلك فأنا أظنُّ أنّهم مُخطِئون. كتابة الرواية هي شكلٌ من أشكال التعبير عن الذات. وفي حالتي، إذا كتبتُ الروايات فبسبب الفضول، أن أعرف هل سأستطيع فعل ذلك أم لا. أنا أكتبُ تعبيراً عن حاجةٍ حيويّة، أشعرُ بالحاجة إلى نقل ما يدور في عقلي خلال ظروفٍ مختلفة ولهذا أكتبُ الشعر والمقال ومقالات الرأي، ولهذا أحياناً أتجرّأُ على الرواية.

في الواقع، أنا أعتقد أنّ كونكَ كاتباً ليس سجناً حيثُ يجب عليكَ دائماً أن تتقيّد بجنسٍ أدبيٍّ واحد. بالنسبة إليّ، الشعرُ هو ما أجد فيه نفسي أكثر وإذا كان هنالك مِن شيءٍ انتُقِدتُ بسببه ذاتَ مرّة فهو أنّ رواياتي عبارةٌ عن نصوصٍ من النثر الشعري. إنّه أمرٌ لا حلّ له. لا أستطيع ترك ذلك وحين أُحاول تركه فإنّ “النبرة” وطريقة تعبيري تبقيان شبيهتين بالشعر. نصوصي، مهما كان جنسُها الأدبيّ، تكُون مُقيّدةً بإيقاعِ تفكيري وأنا، كما كان يقول الشاعرُ خوسيه إييرُّو، أُفكِّرُ وأتكلّمُ بأبياتٍ ذواتِ أحد عشر مقطعاً صوتيّاً.

أما في ما يخصُّ الشعر، فلا أعتقد أنّه ضربٌ من الطوباوية؛ إنه جنسٌ أدبيٌّ زاولَته جميعُ الثقافات منذ قرون. أن تحكي ما يُحيط بكَ بواسطة الموسيقى وعلى إيقاعٍ معيّن وتتغنِّى به هي مظاهرٌ طبيعيةٌ للكائن البشري الذي طوِّر هذا الشكل من أشكال القول. منذ الثقافات الأكثر بدائيةً إلى تلك الأكثر تطوُّراً، سيبقى الغناءُ أو القولُ ضِمن إيقاعٍ مُعيّن والإخبارُ عن الحياة والتقاليد والقولُ بموسيقى أو بدونها، لكن بإيقاعٍ داخليٍّ رنّان، طريقةً طبيعيّةً للتعبير عن الذات عند الكائنات البشرية. إنّ إيقاع القلب لم يتغيّر ومِنْ صَدْرِ الأمِّ إلى دقّاتِ الطبول ونُواحِ الأشخاص الذين أحبُّوكَ عند الموت، كلُّ ذلك سيبقى كما هو.

السيدة إلسا، في ختام هذا الحوار، أريدُ أن أسألكِ هل سبق لكِ أن سافرتِ إلى المغرب أو إلى بلدٍ آخر من بلدان المنطقة؟ وهل يَرى الكناريُّ الجزيريُّ هذه الضِّفّة الأطلسيّة وشعبَها وثقافتَها بنفس تلك العين التي يراهم بها إسبانيٌّ ينتمي إلى شبه الجزيرة الإيبيرية؟ وأخيراً، ماذا تقترحين من أجل التقريب بين جزُر الكناري وبين المغرب والعالم العربي؟.

التقاربُ حدثَ في مناسباتٍ مُتعدِّدة. لقد أقام الكناريون في المغرب وفي سواحله منذُ أجيالٍ كثيرة. ربّما أصاب البرودُ تلك العلاقاتِ بسبب موضوعِ الصّحراء وعواقبِ ذلك التمزُّق الذي حصل في الكثير من العائلات. لا يُمكننا إرجاعُ التاريخِ إلى الوراء، لكنّنا نستطيعُ تغييره. الصحراويّون حملٌ ثقيلٌ في قلوبنا وهذا يؤثِّر على علاقتنا مع المغرب. أعتقدُ أنّ التقريبَ بين الموقفين المختلفين سيكون سبباً رئيسياً في اتحادٍ حقيقي بين جزر الكناري والمغرب. إنّ الإسباني الذي ينتمي إلى شبه الجزيرة الإيبيرية ليست لديه هذه الرؤية وبالتالي فعلاقاته مع هذا البلد مختلفةٌ عن علاقات الكثير من الكناريين. المغرب بالنسبة لجزر الكناري هو بلدٌ لديها معه مشاكلٌ لوجستيكية في موضوع الصيد البحري على سبيل المثال، على عكس السكّان الإيبيريين الذين لا تضيرهم الحدودُ البحرية معه في شيء، لكنّها في المقابل تُؤثِّر على الصيّادين الكناريين. هذا مثالٌ فقط.

لقد زرتُ السواحل المغربية حين كنتُ طفلةً وكنتُ أُسافر من غينيا الاستوائية إلى جزر الكناري عبر الطائرة، كما زرتُ مدينة الدار البيضاء في إطار الأيام الثقافية الكنارية الأولى بالمغرب، التي نُظِّمت بين يومي 23 و26 من شهر نونبر سنة 2009 بدعمٍ محليٍّ من معهد سيرفانتيس، وشاركتُ بقراءة بعض قصائدي في الجامعة هناك. أضِفْ إلى ذلك، علاقتي الشعرية مع المترجم السوري رفعت عطفة المستمرّة منذ العام 1989. ولكي يحدثُ هذا التقاربُ التي تحدّثتَ عنه بين جزر الكناري وبين المغرب والعالم العربي يجبُ إجراءُ لقاءاتٍ كتلك الأيام الثقافية التي ذكرتُها آنفاً ويتمَّ التعريفُ من خلالها بما يُكتب ويُقرأ هنا وهناك؛ تنظيمُ حفلاتٍ موسيقية؛ تبادل الموسيقى والفنِّ والمسرح… وكلُّ ما من شأنِه إظهارُ ما يُنتجه الطرفان معاً.

وبقي أن أُشيرَ إلى أهمِّيّة اللغات المختلفة وكيف أنّ التمكُّن من التحدُّثِ والقراءةِ بهذه اللغة أو تلك يُمكنه أن يَخلُقَ التقارب المنشود. ومن أجل ذلك، علينا أن نُعمِّم تعليم اللغة العربية في مراكز اللغات بجزر الكناري كما يجب تعميم اللغة الإسبانية في المغرب.

‫تعليقات الزوار

6
  • Casablanca Post
    الأربعاء 11 نونبر 2020 - 03:35

    أنا جزائري و ذهبت يوم الانتخاب للاستفتاء على الدستور و في صندوق الاقتراع وضعت "لا" و عند عودتي التقيت احد أصدقائي فحذروني من هذا العمل كون الدولة ممكن ان تتعرف على من اختار "لا" و ستعاقبهم فيما بعد، فرجعت إلى مكتب الاقتراع وقلت لحارس الأمن لقد غلطت و اخترت الورقة الخاطئة فوضعت في الصندوق "لا" عوض "نعم" التي كنت ارغب في وضعها. فقال لي الحارس لقد اصلحنا الخطأ و المرة القادمة لا تعاود الفعلة

  • Karim
    الأربعاء 11 نونبر 2020 - 09:22

    ما لا افهمه لمادا المغرب تخلى عن جزر الكناري، عندما يتحدث عن سبتة و مليلية المحتلتين لا يدكر جزر الكناري كانها محتلة. جزر الكناري قريبة جدا للمغرب و بعيدة جدا عن اسبانيا. يجب ان يكون هناك اتفاق يسمح بخروج الاسبان و البرتغال من جزرنا مستقبلا.

  • abdo
    الأربعاء 11 نونبر 2020 - 10:01

    عندما رسمنا حدودنا البحرية وقلصنا مساحة صيد الكناريين التي هي في الأصل فقيرة من حيث الثروات
    سوف نرد الصاع صاعين للكناريين لدعمهم للإنفصاليين والأيام بيننا سيأتي رئيس الكناريين إلى المغرب لطوي هذا المشكل حسب شروط المغرب

  • المستعنر
    الأربعاء 11 نونبر 2020 - 11:39

    ((الصحراويّون حملٌ ثقيلٌ في قلوبنا))
    هذا هو مضمون كل الحوار، بمعنى ان الشاعرة تعبر عن النزعة الاستعمارية المتعاطفة مع من كانوا تحت سيطرة المستعمِر الاسباني ولا زالت ، رغم انها عاشت الشتات بين إفريقيا وأوروبا وتخبذ ان يبقى الصخراويون مشتتين ويبقى الاسبان مستعمِرين..

  • سعيد،المغرب الأقصى
    الأربعاء 11 نونبر 2020 - 11:52

    تم احتلال هذه الجزر الجزر الخالدات في 1496 م،أظن أن مسمار جحا هذا سبب وجوده سياسة السعديين اللامسؤولة و التفريطية،أقل شيئ يمكن فعله الآن هو السيطرة على المياه المحيطة بها،سبتة مليلية الجزر في البحر المتوسط و البحر المحيط كلها مغربية يجب تحريرها بكل الوسائل الممكنة،سياسة الإنبطاح ما زالت مستمرة مع الأسف سياسة لا يعول عليها،

  • امينة
    الأربعاء 11 نونبر 2020 - 17:02

    تريد ان تعمم الإسبانية بالمغرب ولما لاتعمم اللغة العربية بإسبانيا أولا

صوت وصورة
قتيلة في انهيار منزل ببني ملال
الجمعة 5 مارس 2021 - 00:40 1

قتيلة في انهيار منزل ببني ملال

صوت وصورة
حياة بلا نبض
الخميس 4 مارس 2021 - 22:35 5

حياة بلا نبض

صوت وصورة
ارتفاع أسعار النحاس
الخميس 4 مارس 2021 - 20:35 8

ارتفاع أسعار النحاس

صوت وصورة
تفكيك شبكة دولية للمخدرات
الخميس 4 مارس 2021 - 19:31 8

تفكيك شبكة دولية للمخدرات

صوت وصورة
سلمات أبو البنات 2
الخميس 4 مارس 2021 - 18:40 5

سلمات أبو البنات 2

صوت وصورة
كلمة وزير خارجية الأردن
الخميس 4 مارس 2021 - 17:52 8

كلمة وزير خارجية الأردن