إلى‮ ‬صحافي‮(ة‮) ناشئ(ة‮)

إلى‮ ‬صحافي‮(ة‮) ناشئ(ة‮)
الأحد 22 يوليوز 2012 - 18:39

وأنت في أول الطريق نحو منعطف مهنة النبل التي اخترتها صدفة أو عشقا جارفا، أو بمحض حادثة سير في تاريخك أو تورطت فيها، هل تحتاج إلى بعض المنشطات، من غير المحظورة دوليا في سباق المسافات الطويلة نحو مهنة الوهم لاجتياز الطريق؟ هل تحتاج إلى ما يشد عضدك ويكون سندك‮ ‬في‮ ‬رفع‮ ‬الدهشة‮ ‬عن‮ ‬ممارسة‮ ‬مهنة‮ ‬الصحافة،‮ ‬ها‮ ‬إني‮ ‬أمنحك‮ ‬بعض‮ ‬الزاد،‮ ‬من‮ ‬خبير ‬جابت‮ ‬أشرعة‮ ‬مركبه‮ ‬بحاراً‮ ‬لجاجا‮ ‬في‮ ‬صحافة‮ ‬هذا‮ ‬الوطن‮.‬

وأنت في أول الطريق تصاب بالرعشة، لقد تلقنت كل فنون السباحة دون أن تلمس الماء… تجد أشقاء في المهنة يسبحون بطرق غير التي تعلمتها، ويقودون أنفسهم نحو شاطئ النجاة بسلام، أتصور وضعك وأنت تدق باب أول جريدة.. خجلك الزائد عن الحاجة وأنت تمسك الهاتف لتحدث مسؤولا متواضعا‮ ‬ظللت‮ ‬تتهرب‮ ‬من‮ ‬جحيم‮ ‬لقائه،‮ ‬كي‮ ‬لا‮ ‬تنفرط‮ ‬حبَّات‮ ‬سبحة‮ ‬كل‮ ‬الكلام‮ ‬الذي‮ ‬نظـمته‮ ‬مسبقا،‮ ‬كم‮ ‬أود‮ ‬أن‮ ‬أهديك‮ ‬النجدين،‮ ‬أن‮ ‬أرشدك‮ ‬إلى‮ ‬ما‮ ‬يدلك‮ ‬على‮ ‬نفسك‮ ‬فيك‮!‬

الحق أقول لك: إذا كنت تريد أن تكون صحافيا ناجحا، فاحرق كل كتبك المدرسية، واتْفُل على جميع وصايا أساتذتك الذين شحنوك بما لا يصلح لحمل صارية على مركبك في لجاج الصحافة، وضع كل وصاياهم البليدة وراء ظهرك، إذ عليك أن تختار منذ البدء، بين أن تكون صحافي ظل، ليس مثل حكومة الظل في الدول ذات التقاليد الديمقراطية الباذخة، بل أن تكون في الصفوف الخلفية في جريدة ما، تُكلف بتغطية أو تعرية بعض الأحداث الهامشية وتكتب التعازي والتهاني… وبين أن تتبوأ سماوات الأعالي ليطلع اسمك بالبنط العريض في الصفحات الأولى!

عليك أن تختار بين أحد النجدين، أن تكون صحافيا يراعي نبل المهنة وأخلاقها ولا تأخذه في قول الحقيقة لومة لائم، وبين أن تقترف مهنة الصحافة وتدس ألغام الكذب في طريق الحقيقة، ولكل طريق تختاره ضريبته وفوائده، إذا كنت تريد أن تكون صحافيا وفق ما تعلمته فاعلم أنك ستفقد مصادر خبر نافذة، لأنك تخرج عن طوعها أو “تُحرِّف” حقيقتها، وسيكون عليك الوقوف أمام المحاكم أكثر من مرة بشبهة قول الحقيقة، وستتعرض لعملية سلخ الجلد من طرف زملاء محسوبين على المهنة ” يغمسون” مداد ما يُدبجون من دم جراحك وقد يترقوَّن على حسابك بسبب ما أبدوه‮ ‬من‮ ‬جسارة‮ ‬في‮ ‬مواجهتك،‮ ‬وبين‮ ‬أن‮ ‬تختار‮ ‬الانتساب‮ ‬للكتابات‮ ‬المسطحة‮ ‬التي‮ ‬تشبه‮ ‬خُطب‮ ‬الجنائز،‮ ‬تلك‮ ‬الكتابات‮ ‬التي‮ ‬لا‮ ‬تجلب‮ ‬عاراً‮ ‬ولا‮ ‬شنآناً،‮ ‬إنه‮ ‬طريق‮ ‬الرفاه‮ ‬لتفترش‮ ‬وسائد‮ ‬ريش‮ الـ” ‬نْعام أسِّي‮”!‬

اعلم أن أيسر السبل، هو أن تمارس هواية الارتشاء أو أن تمارس وظيفة قُطاع الطرق، قراصنة البحر الذين يختارون ملاجئ قصية لمراكمة خزائنهم من المنهوبات، اقبل عزومات مصدر الخبر، أنشئ معه حميمية تصبح أولى من الخبر.. لا مفر، لا إخوة لك في درب النزاهة والكرامة، والأخلاق‮ ‬المهنية‮ ‬مجرد‮ ‬كلمات‮ ‬لبناء‮ ‬جملة‮ ‬مفيدة،‮ ‬لا‮ ‬تجلب‮ ‬فائدة‮!‬

إذا لم يتفقدك برلماني أو وزير أو أي مسؤول سام، فاكتب عنه بشكل سيء، لن تحتاج إلى الكذب، بل فقط إلى بعض توابل الخيال لتضخيم الوقائع، فأنت ستجد، كما في أي عمل إنساني، وخاصة إذا كان صناعة مغربية، نقائص وثغرات… ضخمها كما تشاء، فالشعبوية لها موطئ قدم ببلادنا، حينها لن تعدم صحبة، وبعد صدور مقالك، سينادي عليك المسؤول لتفتح ملفك المطلبي، وسيقول لك زميله إن المسؤول الفلاني كاموني إذا لم “تعصِّيه” فلن يستجيب، وسوف تجد معجما خاصا بفن الضرب المباح في مجال الصحافة..

وستلتقي صحافيين يشاركونك تبادل الأدوار بتسليم ضحيتك مقابل‮ ‬ضحية‮ ‬جديدة،‮ ‬ستعرف‮ ‬أن‮ ‬هناك‮ ‬فنونا‮ ‬للكتابة‮ ‬عن‮ ‬مسؤول‮ ‬لم‮ ‬يفهم‮ ‬رأسه‮:‬

فهناك الغمز.. وهو مرحلة خفيفة من النقد الودي، ثم “القرص” ثم “تجبيد” الأذنين، ثم الصفع، ثم “الجمع بنص وتتلاقَّى ليه” أو الجمع بنص على الدَّص” والفرق بين الجمعين هو أن الجمع الأول بنص يبقى أرحم من الثاني، ثم ضربة الكاو… وفي المدح لن يخلو معجمك من مفردات‮ ‬تُتداول‮ ‬بين‮ ‬الصحافيين‮ ‬من‮ “‬الترقاد‮ ‬في‮ ‬السمن‮” ‬إلى‮ “‬التَّخْمار‮”…‬

وأنصحك بعدم فتح “جريدة” في هذا البلد، إلا إذا كنت تُتقن فن التسول لتستجدي الإشهار وصدقات أولي الأمر في البلد، أو أن تملك مهارة القراصنة وقطاع الطرق الذين يهددون الفاعلين بمختلف أشكالهم بما شحَّ من أخبار، ليفرشوا طريقهم بالورود.

ما لك ومكافحة الرشوة، وصداع الرأس مع أخلاقيات جمعية ترانسبرانسي والوصايا الثقيلة لفقهاء أخلاقيات المهنة، اذهب حيث تقودك دروب الأظرفة المغلفة بالنعيم وذات الملمس الحريري، وتقبل كل الرشاوى المعروضة عليك بأنفة ولا تأخذ غنيمة وأنت صاغر خافض جناح الذل.. بل اقبضها بكبرياء، وشهامة باسم العادة و.. إذا عمت هانت!

تذكر أن زميلا لك ذهب في زيارة بلد خليجي صحبة زميلة له، وحين رفض تسلم “هدية” الأمير المسمومة باسم النظافة والنزاهة والبلادة وجد نفسه بدون تذكرة العودة إلى البلد، وتم حرمانه من كل الامتيازات التي كانت رهن إشارته، لقد كان بليداً! وحين رفض زميل لنا في رشوة من وزير وازن في حكومة سابقة، منعت جريدته من كل إشهارات الوزارة المعنية إلى الأبد! لا تكن ساذجا فتتبع أهواء الذين فشلوا من قبلك!

هل تريد ألا يكون لك بيت فخم وتحرم أسرتك من العيش في رغد وهناء؟

إذن عليك أن تمشي بحذر في مشوارك الصحافي المليء بالألغام وتجاوز الأسلاك الكهربائية العالية الضغط، كن مرناً كي لا تُعصر أو تُكسر، فالمقدسات تتجاوز حدود المكتوب، وعليك أن تتوفر في كل مرة على عبقرية استثنائية‮ ‬أو على‮ ‬عيون‮ ‬زرقاء‮ ‬اليمامة‮ ‬لترى‮ ‬إلى‮ ‬أفق‮ ‬ما‮ ‬يتوقعه‮ ‬أُولو‮ ‬الأمر‮.. ‬فعين‮ ‬رضا‮ ‬المسؤول‮ ‬مرتبط‮ ‬أيضا‮ ‬بنوع‮ ‬الخدمة‮ ‬التي‮ ‬تقدمها‮ ‬له،‮ ‬ويستفيد‮ ‬منها‮ .‬

اتبع‮ ‬هذه‮ ‬الوصايا‮ ‬تتجاوز‮ ‬كل‮ ‬وجع‮ ‬الرأس،‮ ‬وتُحول‮ ‬بذكاء‮ ‬مهن‮ ‬المتاعب‮ ‬إلى‮ ‬مهنة‮ ‬المغانم‮!‬

‫تعليقات الزوار

11
  • mzabi
    الأحد 22 يوليوز 2012 - 19:43

    قال احدهم :

    وبحكم تجربي الطويلة في مجال الصحافة ، يمكنني القول إن الصحافة أصبحت بالنسبة للأغلبية الساحقة من الصحفيين مجالا سهلا للإسترزاق و الإبتزاز ، وقناة للتزلف إلى أصحاب الجاه والنفوذ …

  • أمين المجدوبي
    الأحد 22 يوليوز 2012 - 20:01

    في الحقيقة دهشت لهذا الأسلوب السلس الذي إخترته لكتابة هذا المقال ،وشكرا لك ولجرأتك في تنبيه جيل جديد قادم لمجال الصحافة في المغرب يتطلع للخروج عن النمطية .
    وشكرا هيسبريس

  • مصطفى اتاتورك
    الأحد 22 يوليوز 2012 - 21:35

    شكرا الاخ كوكاس على هده النصائح التي ستفيد لا محالة كل مبتدئي الصحافة,النص غني بالاشارات نقد داتي وتوجيه سليم بقلب الخطاب …واقع الصحفي المحترف والناشئ .مقاربة نفسية سوسيولوجية في زمن الانترنت والتدفق الهائل" للمعلومة".زمن المغانم لا المكارم.

  • مغربي
    الإثنين 23 يوليوز 2012 - 03:18

    و في الوقت الذي يتحتم علينا مواكبة عصرنا و ملاحقة الركب المتقدم يتعين علينا ايضا ان نحافظ على ذاتيتنا و شخصيتنا المميزة لنا عن غيرنا , لانها محصنة لنا من الذوبان في غيرنا و من الشعور بالاستلاب لهويتنا فبها نحيا و نعتز و نتنافس و نجاهد , و هي عنوان كرامتنا و اعتزازنا و السلام.

    الطفل و الاعلام

    محمد ابن البشير

    الرباط

  • abdo
    الإثنين 23 يوليوز 2012 - 03:20

    أروع مقال قرأته للصحفي كوكاس على الإطلاق ، وفقك الله ، رائع جداً … إنه قوة في الكتابة والمعاني وغزارة في المعرفة .

  • شمالي
    الإثنين 23 يوليوز 2012 - 08:40

    أرجو أن يأخذ الراجي هذا النص بعين الإعتبار. كان علمانيا مدافعا عنها وخاف وأصبح ينتقد الغزيوي وأصبح إسلاميا والكل يثني عليه. إلاهي نجينا،،،

  • ملاحظ
    الإثنين 23 يوليوز 2012 - 11:31

    الى صاحب التعليق رقم6
    بيه فيه استفدت من نصائح الأستاذ كوكاس

  • كاتب عمومي من المغرب
    الإثنين 23 يوليوز 2012 - 15:02

    حقيقة صحافتنا مرة مريرة من تحلى بالنزاهة والاستقامة والموضوعية ونظافة اليد مصيره السجن أو النفي أوالتوقيف عن الكتابة وفي أحسن الأحوال التجويع بالغرامات التي ينزل بها قضاء الهواتف الفاسد على الشرفاء والمعروف أن الأجهزة المعلومة هي التي تسن الان خطوط التحريرالورقية سلاحها في ذلك الاشهار والاعلان والرشوة المسماة دعما والنتيجة تحول الصحافة في المغرب الى سخافة حقيقية وقع التخلي عن الأجناس النبيلة كالتحقيقات والاستطلاعات والمقالات التركيبية حول القضايا الملحة للمواطنين في جميع الجهات والأقاليم وتم تبخيس المراسلين الجهويين الا المرتزقة والشحاذين و أصبحت الجريمة هي المانشيط الرئيس لهذه الصحافة مع بعض الفضائح وأكباش الفداء هنا وهناك وتسلية لا تسلي أحدا ..لقد كممت الأفواه وكسرت الأقلام ومن بقي تم شراؤه ووضعه في جيب القائمين على أمر البلد لذا فالصحافة المستقلة وحرية الصحافة عندنا أضحوكة لا تقنع حتى الأطفال

  • abderrahim
    الإثنين 23 يوليوز 2012 - 23:13

    كلام منطقي قائله من المتمرسين في هده المهنة والمتسربلين
    بثيابها.وربما المكتوين بنارها.
    وصاياك مقبولة يا اخي ..

  • profrachid
    الثلاثاء 24 يوليوز 2012 - 18:08

    ce qui me choque , cest le Newsof theworld britanique , s est sombré dans la corruption de la police, des politiciens, et dautre!la presse britanique manipule meme!!ya pasde democracie a en croire dans le monde mr Koukass!mais j apprecie bcp ton article!!!ilemane d un coeur sincere et plein d amour pour le metier, et plein de malaise et de frustration pour la situation des journalistes !!majoiritairement " motamalliqin" ! cest vrai!comme linguiste, on adosse tjrs faits par preuve!bcpp d article que je lis,specialement dans les presses de boulevard!" boulevard journalismus" sont des journaliste escrocs, lorsq un homme d autorite est contre la volonte d un journaliste, ce dernier le critique avec les plus negatives epithetes!!!le meme journaliste, peint en rose un autre politicien ,non moins corrompu que le premier??,quoi sa!!!bravo Koukass, mais les britanique avec leur principe de democratie ont obligé cette semaine Mr murdoch de " se retirer" de tte la presse en GB!!!voila lla demo

  • المسافر
    الجمعة 27 يوليوز 2012 - 11:46

    كان نابليون يقول:"أن اواجه ثلاثة آلاف جندي،أهون علي من مواجهة ثلاثة اقلام نزيهة..وقبله كان قضاة محاكم التفتيش بروما ،لحظة تنفيذ حكمهم على الفيلسوف الرائع "جيوردانو برونو"بالإعدام حرقا،يطلبون منه أنيتراجع عن أفكاره مقابل العفو عنه ،لكن "المسخوط"جيوردانو تقدم بكل كبرياء وعفة نحو النيران الملتهبة وهو يخاطب قضاة صكوك الغفران،قائلا: "لاشك أنكم أكثر خوفا مني" وغير ذلك كثير في استقرائنا لتاريخ حرية الرأي …لكن في زمننا هذا عن أي صحافي وعن أي صحافة يمكن أن نتحدت؟
    الأستاذ كوكاس، نصف الصحافيين يكتبون "نصوص الفصوص" مثل مجموعات الأعراس الذين اكتسبو خبرة كبيرة في ابراز محاسن العروس حتى وان كانت عرجاء عوراء والنصف اللآخر "لصوص النصوص"وما بينهما استثناء لايقاس عليه…

صوت وصورة
متحف الحيوانات بالرباط
الجمعة 22 يناير 2021 - 13:20 1

متحف الحيوانات بالرباط

صوت وصورة
صبر وكفاح المرأة القروية
الخميس 21 يناير 2021 - 20:50 3

صبر وكفاح المرأة القروية

صوت وصورة
اعتصام عاملات مطرودات
الخميس 21 يناير 2021 - 19:40 4

اعتصام عاملات مطرودات

صوت وصورة
مشاكل التعليم والصحة في إكاسن
الخميس 21 يناير 2021 - 18:36 8

مشاكل التعليم والصحة في إكاسن

صوت وصورة
منع وقفة مهنيي الحمامات
الخميس 21 يناير 2021 - 16:39 16

منع وقفة مهنيي الحمامات

صوت وصورة
احتجاج ضحايا باب دارنا
الخميس 21 يناير 2021 - 15:32 13

احتجاج ضحايا باب دارنا