إلى متى سيظل احتكار الدولة للقطاع التلفزي مستمرا؟

إلى متى سيظل احتكار الدولة للقطاع التلفزي مستمرا؟
الأحد 29 شتنبر 2013 - 13:27

كان طبيعيا أن تخلص الدراسة التي أعدها مجلس المنافسة حول تنافسية قطاع الاتصال في المغرب إلى النتيجة التي خلص إليها بخصوص ضرورة فتح باب المنافسة أمام المقاولات الخاصة للاستثمار في المجال التلفزيوني، فلا شيء يبرر التأخر في فتح هذا الورش، بجميع الاعتبارات.

بالأمس القريب، كان المبرر سياسيا، إذ كانت الظروف السياسية المحكومة بالصراع حول السلطة، تدفع الدولة إلى الهيمنة على المجال السمعي البصري واحتكاره حتى تضعف القوى التي كانت تنازع الدولة شرعيتها.

اليوم، تغير السياق السياسي، وصار الخيار الديمقراطي، بمقتضى النص الدستوري ثابتا من الثوابت الدستورية التي لا رجعة فيها، وتبنى المغرب التزاما منه بوجوب ضمان الحق في الإعلام، التعددية في التعبير عن تيارات الرأي، ووضع حد ﻻﺣﺘﻜﺎﺭ ﺍﻟﺪﻭﻟﺔ ﻓﻲ ﻣﺠﺎﻝ ﺍﻟﺒﺚ ﺍﻹﺫﺍﻋﻲ ﻭﺍﻟﺘﻠﻔﺰﻱ ﻭفتح المجال للمبادرة الحرة لهذا القطاع، وتنصيب الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري لضمان تقيد المتعهدين في القطاع السمعي البصري باحترام دفاتر التحملات التي تنظم الممارسة في هذا المجال.

أين المشكلة اليوم؟ وما الذي يبرر التراجع عن مسار التحرير، والتوقف عند خطوة مسار تحرير البث الإذاعي، وعدم الاقتراب من المجال السمعي البصري، لاسيما بعد أن تم إعادة قناة ميدي 1 سات إلى احتكار الدولة من جديد؟

لقد أثبتت تجربة تحرير البث الإذاعي أن المبررات التي يتم الدفع بها عادة جد ضعيفة، فقد استوعبت السوق الفاعلين الجدد، وأثروا بنسب معينة التعددية الإعلامية، ولم يتم انتظار تقوية الإذاعات العمومية لتحرير هذا القطاع، وتبدد وهم تضخيم الهاجس السياسي في التعامل مع هذا القطاع، وضمنت التنافسية في القطاع تطوير الأداء الإذاعي وتوسيع كتلة المستمعين، وتجسيد جزء هام من تعددية تعبيرات الرأي، وتحريك المنافسة في اتجاه ضمان الجودة، وفتح نافذة أخرى للاستثمار والتشغيل.

اليوم، وعلى العكس تماما من التخوفات التي تعرقل مسار التحرير الكامل لهذا القطاع، فإن التحديات المطروحة تعزز ضرورة الإسراع برفع احتكار الدولة للقطاع التلفزي وفتح المجال للمبادرة الحرة، فالواقع يؤكد بالأرقام، أن غالبية المغاربة يهاجرون إلى القنوات الفضائية الأجنبية، بسبب ضعف تنافسية التلفزيون المغربي، وستتزيد هذه الهجرة مع التطور التكنولوجي ومع تناسل القنوات الفضائية الأجنبية التي تتنافس من أجل اكتساب أوسع شريحة من المشاهدين، والمفارقة أن قوة شبكات بعض القنوات سيجعلها تتجاوز القنوات العمومية حتى في تناول القضايا الوطنية.

بمعنى، إن مبررات الاستمرار في احتكار الدولة للتلفزيون ستصير بلا مضمون، بل ستصير عقبة في طريق الدفاع عن المصالح الوطنية، وأداة عقاب للطاقات الإعلامية الوطنية التي تختار اضطرارا الهجرة إلى القنوات الفضائية ألأجنبية.

القرار في جوهره سياسي، حتى ولو كان من الناحية المسطرية من اختصاص الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، ومهمة مختلف الفاعلين اليوم، أن يفتحوا النقاش العمومي في هذا الورش الإصلاحي المهم، وأن يتم النظر بشكل علمي إلى جميع أبعاده، بدءا من بحث توجهات المغاربة في التعاطي مع وسائل الإعلام، وحجم متابعتهم للقنوات العمومية، وقياس نسبة تنافسيتها مع القنوات الأجنبية، ودراسة أثر الاجتياح الإعلامي على المصالح الوطنية، وذلك بالنظر إلى البعد الديني والمذهبي والقيمي والسياسي، وتقييم مسلسل الانفتاح في المجال الإذاعي، ثم دارسة تجارب الدول القريبة في مجال تحرير المجال التلفزي، بالإضافة إلى دراسة متطلبات السوق ومدى حاجتها إلى إنهاء احتكار الدولة للقطاع، ومدى توفر الإمكانات البشرية القادرة على خوض التجربة.

إنه من المعيب جدا، أن تبادر دول المغرب العربي جميعها تقريبا إلى هذه الخطوة بما فيها الدول التي توجد خارج التصنيف الديمقراطي كالجزائر، بينما يتردد المغرب في قراره السياسي، فيقطع شوطا مهما في تحرير الاتصال الإذاعي، ويتراجع في المجال التلفزي مع أن كل المؤشرات تؤكد بأن المغرب خسر الكثير، وسيخسر أكثر من ثوابته ومصالحه الوطنية لو استمر في هذا التردد سنوات أخرى.

للمغرب دائما، مقارنة مع دول الجوار، جرأة وسبق في التوجه إلى ترجمة الخيارات الديمقراطية، وله أيضا حكمة ورزانة في الإقدام على هذه الخطوات، لكن يبدو أن تأخره في هذا الورش تجاوز الزمن المفترض للحكمة والتبصر، بحيث صار الاستمرار في هذا الوضع ومحاولة تبريره مضرا بمستقبل قطاع الاتصال وبواقع التعددية وبأفق الاستثمار فيه، وممثلا لتهديد حقيقي للثوابت والمصالح الوطنية.

‫تعليقات الزوار

9
  • amnay
    الأحد 29 شتنبر 2013 - 15:00

    -الاعلام سيف ذو حدين وتحريره في المجتمعات الديمقراطية فرض نفسه واصبح السلطة الاولى وليس الرابعة كما يصنف دائما لان له تأثيرا قويا في الدولة والمجتمع.لكن لابد من تهييء الاجواء والبدء بالاعلام العمومي بتحريره من التحكم والرقابة وانفتاحه على المجتمع بتنوعاته واختلافاته وعلى كل الفاعلين بتوجهاتهم المختلفة واعطاء العاملين في هذا المجال حرية الابداع والخلق والانتاج وفق ضوابط مهنية ..الخ.ثم الى جانب الاعلام لابد من الاهتمام بتحديث المدرسة المغربية واعادة النظر في المناهج والبرامج والمقررات لاعداد جيل واع قادر على ان يميز بين الامور حتى لايكون ضحية جهله ومكر الآخرين.فتحرير الاعلام قد يستغله البعض لقضاء مآربه التي تخدم مصالحه والجماعة التي ينتمي اليها..فالدولة اما ان تتدخل واما ان تترك الامور تجري في اتجاه غير مأمون وكلاهما مر.فتحرير الاعلام التلفزي بالخصوص لابد ان يهيأ له بما يضمن نجاحه حتى لانصاب بمثل ما اصيبت به مصر والعراق..وهلم جر.

  • abdelali
    الأحد 29 شتنبر 2013 - 16:38

    مامعنى تحرير التلفزة والدستور الإخوانجي المغربي يقيدها ويضع سيف "الإسلام دين الدولة " على رقبتها ؟؟
    التلفزة عليها أن تمتل الملحد والمؤمن والشيعي
    والمسيحي
    وإعادة النظر في أحادية الرؤية للإسلام وفتح الباب للقرء ات الأخرى المنتقدة له.

  • saccco
    الأحد 29 شتنبر 2013 - 20:34

    إن المجتمع المغربي يجميع مكوناته لا زال في بداية طريق الديمقراطية
    فالديمقراطية ليست هي برلمان واحزاب ونقابات ودستور وإنتخابات …هذه كلها أشكال وأوعية قد تكون فارغة تماما من الجوهر الحقيقي للديمقراطية
    فالديمقراطية قناعة وممارسة واعية تحترم جميع مقتضيات العمل والسلوك الديمقراطي وهذا السلوك يتمظهرفي جميع خلايا المجتمع اسرة المدرسة الاحزاب النقابات ….من خلال هذه الزاوية نرى بأن مجتمعنا لا زال بعيدا كل البعد عن الديوقراطية ا كما تمارس المجتمعات المتقدمة
    فالصراع على السلطة لم يصبح بعد صراعا ديمقراطيا بل لازال الصراع محتدما يملأه الحذر وعدم ثقة في الطرف الآخر وما المصطلحات "العفاريت والتماسيح والدولة العميقة …الا الجزء المرئي لجبل الجليد العائم للصراع المحتدوالقائم بين مختلف الاطراف
    إن إمتلاك الوساءل السمعية البصرية من طرف الاحزاب وخصوصا حزب العدالة والتنمية سيجعلها في خدمة الاهداف الواضحة والمخفية لهذا الحزب وخصوصا ان يتقن إستعمال الدين في خطابه السياسي الموجه للإستهلاك الشعبي

  • najjat
    الأحد 29 شتنبر 2013 - 21:58

    السيد بلال التليدي المحترم ومن خلالك رئيسك في الحكومة و الحزب وعدتم بتحقيق نسبة معينة في النمو و اليوم تفنذ أرقام المندوبية السامية للتخطيط وعودكم، وعدتم بالتشغيل و ترفضون تنفيذ التزامات الدولة تجاه معطلي محضر 20 يوليوز، و عدتم بالعدالة الاجتماعية و المساواة في الولوج للمناصب السامية و ها انتم تفصلون المباريات على المقاسات، و عدتم بإصلاح شامل لصندوق المقاصة و ها انتم اليوم تسعون لحذفه تدريجيا، وعدتم بعدم الزيادة في اسعار المحروقات وها انتم تتحايلون على وعدكم بنظام المقايسة و تعلمون ان اسعار البترول لن تتراجع في ظل الظروف العالمية الراهنة، وعدتم بعدم المساس بميزانية الاستثمار وجمدتم 15 مليار منها، و عدتم بالصحة للجميع وها هي المؤسسات الصحية اليوم شاهدة على التراجع المهول للقطاع، و عدتم بمنظومة تعليمية سليمة وناجعة و ها هو تعليمنا يحتضر، و عدتم بمغرب الكرامة و الحرية و الديمقراطية وها هي مؤشرات تصنيف المغرب عالميا جاءت مخيبة للآمال بل مهينة.

  • bouchta
    الأحد 29 شتنبر 2013 - 23:23

    و هل لنا اعلام اصلا الوجوه التي نشاهدها تكاد تخنقنا من كثرة الثرثرة كلما اردت ان اشاهد التلفاز اكاد اختنق من الروتين لم ارى اي اخبار مثل اخبار اعلامنا انه يصيب المرء بالاكتئاب.

  • abdelali
    الإثنين 30 شتنبر 2013 - 00:50

    ما معنى المطالبة بتحرير التلفزة في ظل الإرث الثقيل الذي لازال يسكن العقليات على مستوى الجرأة والانفتاح على الراي الاخر وقبول التعددية ؟
    التلفزة الفرنسية FRANCE2 تبث كل أحد برنامج ديني يعرف بالديانات السماوية التلات. الإسلام حاضر في التلفزة الفرنسية من باب المصلحة الوطنية وترسيخ ثقافة قبول الإختلاف والتسامح.
    أما عندنا فالخطر الإسلامي يتجلى في محاولة تتبيت ثقافة "الهوية"، ثقافة التقوقع الهوياتي الدي يربي في النفس كراهية الآخر والغرور والإعتزاز المفرط بالنفس الدي يؤدي إلى التطرف.
    C'est la politique qui était suivie par Hitler et par le parti raciste de LE PEN en France

    حزب پجدPjd يجب عليه أن ينسى فكرة الاستحواد على
    2M

  • abdelali
    الإثنين 30 شتنبر 2013 - 03:34

    البرامج رديئة لأنها مقيدة. نرفض استبدال الاستبداد المخزني بالاستبداد الديني/المخزني. تحرير التلفزة رهين بتحرير الدستور من أحادية المدهب والدين وقداسة البشر. لما يتحقق هدا الشرط سيكون المرء أكثر جرأة على الإبداع.

  • مهتم
    الإثنين 30 شتنبر 2013 - 21:41

    لسيد بلال التليدي المحترم ومن خلالك رئيسك في الحكومة و الحزب وعدتم بتحقيق نسبة معينة في النمو و اليوم تفنذ أرقام المندوبية السامية للتخطيط وعودكم، وعدتم بالتشغيل و ترفضون تنفيذ التزامات الدولة تجاه معطلي محضر 20 يوليوز، و عدتم بالعدالة الاجتماعية و المساواة في الولوج للمناصب السامية و ها انتم تفصلون المباريات على المقاسات، و عدتم بإصلاح شامل لصندوق المقاصة و ها انتم اليوم تسعون لحذفه تدريجيا، وعدتم بعدم الزيادة في اسعار المحروقات وها انتم تتحايلون على وعدكم بنظام المقايسة و تعلمون ان اسعار البترول لن تتراجع في ظل الظروف العالمية الراهنة، وعدتم بعدم المساس بميزانية الاستثمار وجمدتم 15 مليار منها، و عدتم بالصحة للجميع وها هي المؤسسات الصحية اليوم شاهدة على التراجع المهول للقطاع، و عدتم بمنظومة تعليمية سليمة وناجعة و ها هو تعليمنا يحتضر، و عدتم بمغرب الكرامة و الحرية و الديمقراطية وها هي مؤشرات تصنيف المغرب عالميا جاءت مخيبة للآمال بل مهينة

  • أبو ريم
    الإثنين 30 شتنبر 2013 - 21:47

    إن مــا يعيق تحرير القطاع السمعي البصري ليست القوانين الدستورية أو قناعات مؤسسات الدولة أو حتى الاستجابة لمجلس المنافسة ، إنما هو الخوف الشديد مما يمكن أن تتناوله هذة القنوات (الحرة) من خلال توجهاتها المصاحبة لإديولوجيات المملكة أو المناقضة لها، و إلى أي حد يمكن أن تنسجم التلفزة و المملكة.

صوت وصورة
تعويضات خسائر الفيضانات
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 10:35 2

تعويضات خسائر الفيضانات

صوت وصورة
المقبرة اليهودية بورزازات
الإثنين 11 يناير 2021 - 21:59 7

المقبرة اليهودية بورزازات

صوت وصورة
كساد تجارة الجلباب التقليدي
الإثنين 11 يناير 2021 - 20:39 1

كساد تجارة الجلباب التقليدي

صوت وصورة
قبور الموتى تغرق
الإثنين 11 يناير 2021 - 18:39 31

قبور الموتى تغرق

صوت وصورة
قوّة العلاقات المغربية الأمريكية
الأحد 10 يناير 2021 - 16:37 11

قوّة العلاقات المغربية الأمريكية

صوت وصورة
قنصلية واشنطن في الداخلة
الأحد 10 يناير 2021 - 15:12 40

قنصلية واشنطن في الداخلة