إنه رمضان في الغربة يا وطني

إنه رمضان في الغربة يا وطني
الأربعاء 17 يونيو 2015 - 23:40

بعيدا عن أحضانك سنستقبل شهر الصيام يا وطني وكأننا في خصام مع الذات التواقة لشوارعك المزدحمة ورائحة الحريرة تختلط بعبق التوابل والجير الذي يبيض أسوار أزقة مدنك العتيقة.

بعيدا عن شمسك الحارقة والعصر زمن يتمطط دونما نهاية , بعيدا عن صراخ الباعة وزحام الحافلات وصراخ الباعة المتجولين سنعيش الشهر بين ظهران أقوام ترى في جوعنا عقوبة ونراه عبادة وشتان بين الرؤيتين.

بعيدا عن أرضنا سيلتقط بعضنا قنواتك يا وطني بحثا عن حديث ديني يغذي الروح ويرتقي بها فوق تلونات السياسة .. سنبحث في شاشات تلفزيوناتك عن مغرب رمضاني بغريري تتفاوت فوق خريطته أحجام الثقوب. سنبحث عن نشرة إخبارية رمضانية يقل فيها الكذب والنفاق والتضخيم والتفخيم والتبجيل .. سنبحث في شاشات تلفازك عن مغرب تركناه ذات زمن يغرق في جوع وطني, مغرب لا يكاد يستوي فيه المواطن بالمواطن والبيت بالكوخ والقصر بالسرداب.. ستفتش أعيننا عن مغرب رمضاني يلبس جلباب الرحمة والمحبة والغفران والتواب. ويتصالح مع الفقير والأرملة واليتيم . وسنتصفح خريطة البرامج بحثا عن ليل يخلو فيها تلفازنا من وجوه أشباه فنانين لا يتقنون سوى الرداءة و ” الحموضة ” وثقل الدم .. سنتفتح التلفاز المغربي وكلنا أمل ألا ينبري أمام أعيننا مطربون يقتاتون بالغناء للمدن والقرى والزوايا والأضرحة ويحشون جيوبهم من هبات البلديات واموال المحرومين.

اليوم فقط وقد لاحت بشائر شهر الرحمة لن يخبرنا المذيع بقصة ذلك الطفل الذي انفرد به معلمه في الفصل واغتصب طفولته. ولن يصفعنا تلفاز مدام ومسيو ببرامج ومسابقات غنائية تسخر وتهزأ من أبناء وبنات وطني كما فعل أحدهم ذات يوم.

وأخيرا سنسمع تفسيرا للقرآن ومواعظ دينية لا تحابي ولا تنافق .. وسنرى أعمالا درامية تحترم خصوصيتنا. فليتك لا ترحل يا حبيبي يا رمضان حتى نتمكن من المصالحة مع تاريخنا .. أولست الشهر الذي يكرهك مدام ومسيو فيشدون رحالهم نحو شواطئ الأزوردي و توري مورينوس ويتركون الوطن لمن يصوم.

بعيدا عنك يا وطني سنرى الهلال ولن تعقبه زغرودة الجارة فجارتي إسمها كيري وجاري الجنب يدعى أنطونيو الذي تجرأ يوما وطلب مني جلبابي الأبيض ليحضر حفلة تنكرية بمناسبة عيد الهالوين.

كما الأيتام ستحل علينا يا شهر طفولتنا الغابرة ونحن نتحرق بعيدا عن وطن يحمل في بطن أرضه أما رحلت وأبا غيبته المنية وما تبقى من عشيرتنا إلتهمهم الفايسبوك واليوتوب وأدوات التفاهم البكمية.

سنفرش لك يا سيدي يا رمضان البيت وطنا والمسجد حضنا وهواتفنا ستُلحقنا بمغرب تركناه بحثا عن ” التيقار ” فإذا به يلاحقنا رغم أنفنا ويستوطن الأحشاء بين الضلوع ..

سنجتهد في الدعاء لك يا وطني وندعو الله أن يفجر بينك وبين الحاقدين عليك محيطات وبحارا وانهرا تقيك عين الحسود. اللهم كثر حسادنا آمين.

الحمد لله على نعمك يا شهر الخير والبركات فخلال أيامك ولياليك لن يشاهد أطفالنا بطونا تتعرى في مجلس النواب . ولن نرى مباريات السب والشتم والصياح .. لأنك يا شهر الخير ستُسكت من سيحضر منهم وما أظنني أنهم سيأتون بدون وسادات وبطانيات.

في غربتنا البعيدة ستقودنا الذاكرة غوصا في أعماق ذلك العصر الذي ولى ولن يعود يوم كنا نتحلق حول مائدة الإفطار في وطننا, قبل أن نركب البحر هربا منه لأنه لم يعد لنا .. وباتت خيراته للمحظوظين وأنظف مدارسه لأبناء المحظوظين وأجمل سياراته لبنات وزوجات المحظوظين .. وأعلى وظائف إداراته لآباء المخرجين وأنصاف المثقفين من المحظوظين .. فركبنا البحر ظنا منا أن طعم الوطن ورمضان واحد داخله أو خارجه . ولم يك الأمر سيان.

ستعود يا شهر الصيام ونحن كما تركتنا قبل سنة نسابق الزمن بحثا عن الفرصة التي ضاعت في وطن يزداد تقطعا وتشرذما , في مغرب بات الحديث فيه باللغة العربية موضى قديمة والدخول إلى مدارسه العمومية مغامرة خطيرة والنوم على أسرة مستشفياته مرحلة تحضيرية للتعرف على الموت ..

ستعود يا شهر الطاعة ونحن كما تركتنا بعيدا عن رباك ومروجك الجميلة نقاوم جبال الثلج وصقيع الأيام الرمادية لكننا ندعي نفاقا السعادة والهناء.

ستجدنا يا شهر التواب في غربتنا كما نحن نتسابق لإلتقاط الصور مع هذا الوزير أو ذاك عندما يحل علينا زائرا أو مستكشفا أو منقبا. وستعود يا رمضان الإغتراب وأبناء المغرب في المهجر ممزقون بين مسلمين وكفار يكيدون لبعضهم المكائد وينهشون لحم بعضهم بالنميمة ويستمعون لخطبة الجمعة وهم يتصفحون الفايسبوك في هواتفهم النقالة. نصفهم يا رمضان يبكي بداخله والنصف الآخر مشغول بعذاب فواتير الحياة في بلاد العدل والمساواة .

لكننا سنستقبلك يا رمضان الخير ونحن على يقين أن تلفزتك لن تصوم ونواب برلمانك سيعرون بطونهم وأبناءك خارج الوطن لن يوحدهم الانتماء. فمرحبا بك يا شهر الغفران.

* كاتب وصحفي فقط

www.acradiousa.com

‫تعليقات الزوار

13
  • Mikouk
    الخميس 11 يونيو 2015 - 05:51

    إصنعي ما شئت يا غربتي فلن تنالي صحبتي ما حاولتي

  • MOHAMMED
    الخميس 11 يونيو 2015 - 20:07

    اللهم بلغنا رمضان و تب علينا و ارحمنا يا أرحم الراحمين يا رب العالمين

    و أحبكم

  • maghribia
    الجمعة 12 يونيو 2015 - 05:01

    je suis d accord c est la verite

  • الكاتب الصغير
    الخميس 18 يونيو 2015 - 00:45

    أفهمك معاناتك أيها الصديق.
    عشت ثلاثين سنة في الغربة و هانذا اليوم ادخل بلدي يا رفيق الدرب..
    اسأل الله لك و لكل مغترب العودة الى بلادك في ظروف طيبة.
    رمضان كريم علينا و عليك و على جميع المغاربة.
    الله الوطن الملك.

  • marocaine au senegal
    الخميس 18 يونيو 2015 - 00:59

    ما شاء الله انه مقال اكتر من رائع

  • khalid abou yahya
    الخميس 18 يونيو 2015 - 01:31

    تحية لك أخي الكريم محمد سعيد الوافي وبارك الله لك في حياتك وأصلح أولادك.نعم أخي لا يعرف مرارة حياة الغربة إلا المغترب أما المسؤولين والإعلام في الوطن الحبيب فيعتبرون المغتربين أداة لجلب العملة الصعبة أما دون ذلك فغير مرحب بهم رغم أنهم أصحاب الأرض المغربية.
    ردا على تعليق ٢:
    إن كان إسمك صحيحا فأنت وأمثالك وعملاؤكم في المغرب تلعبون بنار حتما ستطفئ شمعتك-شمعون- ولن تجد بلدا في العالم يمنحك ما تنعم به الآن وكرم الضيافة والتعايش التي أعطيت لآبائك وأجدادك من طرف 95% من المغاربة رغم اختلاف العقيدة.فلا تغرنك نفسك بجاه أو مال أو كبوات جيل أو آخر فلتسأل أحد الحاخامات أو حزانك ليجيبك أن احترامك للمغربي المسلم وعدم المساس به هو بمتابة عيشك في أمن وأمان على هذه الأرض الطيبة.
    أما إن كان مستعارا أو لست بمغربي فإني أرحب بك في المغرب كي ترى وتستنتج كرم ، سماحة،قيم وأخلاق المغاربة الأحرار حتى تكفر عن ذنب التطاول بلا حياء عليهم.

  • Fatima de Genève
    الخميس 18 يونيو 2015 - 03:04

    كلما كتبته أيها الكاتب الصادق نشعر به ونحس ونحن في الغربة

    كم هو صعب ان يأتي وقت الإفطار وبعض المسلمين في الشغل
    او مثل حالتي ان اكتفي بشرب بعض العصير وسلطة خفيفة للفطور لان اتعاجز ان احضر أطباق مغربية وفي الأخير اكون لوحدي على مائدة الإفطار

    سلام على مغربنا نعم مغربنا نحن كذلك مع انه رما بنا خارج حدوده

    احبك يا وطني

  • توفيق اسعدي
    الخميس 18 يونيو 2015 - 10:02

    اخي الكريم محمد سعيد الوافي الف مبروك رمضان وكل عام وانت بالف خير ودمت صوتا ناصرا للحق فلسانك يتكلم وينطق بجرح جيل باكمله وكلماتك هي بمتابة تضميض لجراح هدا الجيل ومهما كتبت فلن اوفيك حقك ………..وختام كلمتي الله حفضك كما حفض كتابه العزيز ويجعل كل كلمة نطقت بها حسنة يوم لا ينفع مال او بنون الا من اتى الله بقلب سليم.

  • Hicham UK
    الخميس 18 يونيو 2015 - 13:25

    ملاحظة بسيطة، المقال أشبه بكاريكاتير يشخص تناقض المغربي مع نفسه. ملي تيكون في المغرب، والله ما نبقا فهاد البلاد ويلا خرجت منها و الله لاعاودت رجعت ليها. غير هو تيحط رجلو على برا فالخارج و تيدوز العام الأول و الثاني و تايبدا يسب في الغربة و يشكي و يبكي على الشهيوات د المغرب و الدرب و ولاد الدرب و القهيوة فين كان تيتلاقا مع صحابو…

  • المتقاعد
    الخميس 18 يونيو 2015 - 19:18

    اذا كان الكاتب يحس بالغربة والاغتراب ويحن الى رمضان وطنه فهناك عادات اندثرت وهناك عادات ترسخت…واني لارى بام عيني ان لم غضضت بصرك عنها.. فمغاربة الخارج تهياوا وجمعوا العدة لصيام رمضان كله او جله بالمغرب ولا تنس انه حل في الثلاث السنوات الاخيرة في عز الصيف تزاملا مع العطلة.
    *..وهذا ردي على فقرة تحسرت فيها عن بعض مالم تراه او تلمسه في الغربة..:
    بين ضهرانك يا وطني لا نرى الهلال ولانسمع بحلوله الا بواسطة الانترنيت او التلفاز ولا نسمع صوت "النفار" ولا فرحة الاطفال ولا زغاريد الجارات التي لم تعد اساؤهن مغربية محضة فهذه "ريهان" وتلك "سوزان"والاخرى..
    لقد تغيرت العقلية ياصديقي المغترب واصبح الزمان غير ذاك الزمان. فلكل جيل عاداته وتقاليده ولا تبتئس ولا تحزن فالجلباب والبلغة والقفطان والحريرة والشباكية والكسكس حافظوا على بقائهم كما ازداد عدد الشباب المرتادين للمساجد والموضبين على صلوات التراويح فيها ولاعتكاف بها ليلة القدر ..فاهلا بك ومرحبا بك في وطنك.

  • Malek
    الخميس 18 يونيو 2015 - 19:28

    و الله اليوم دخلت الى اليتوب اريد ان ارى شئ عن المغرب وانا نتصاطح مع فيلم الزين الي فيك ماعرفتش اشكون الي عاود upload.
    اما بالنسبه الى رمضان والله راحنا المغاربه هنا في المانيا مبرعين مع ولادنا الخير موجود المساجد مفتوحه هنا مثلا في فرانكفورت والله لاتحس بالغربه .
    اما الحريره والزلابيه والمقروط والبغرير كله مرض الجسم .
    ورمضان مبارك

  • azzzza
    الجمعة 19 يونيو 2015 - 10:45

    محمد سعيد الوافي، وصفك وافي، وليس براقي، ومثير حد الحنين والاشتياق لبلدي الحبيب، أكيد فلرمضان نكهة غير كل النكهات، بعيدا عن عشيرتنا وأعزائنا، غربة باردة تزيد برودة الأجواء، وصفات جافة من لمسات الأمهات، أيامه تعاني البياض والفراغ من كل مظاهر الفرحة الشعبية المغربية هناك بالمهجر، لكن رمضان بمغربنا ولا أروع، ألفنا طقوسنا، تقاليدنا، شهيوات أمهاتنا، رائحة وصفات الجدات والتي تغطي فضاء الأمكنة، ضوضاء شوارعنا، حتى فوضانا اللامنتاهية اللذيذة نفتقدها، بعيدا عن ميشيل وماري، نعيش بسلام روحي، شهر تتساوى فيه العباد، نستمتع بأحاديث دينية تغذي الوجدان، حتى قنواتنا المفضوحة تلتزم وتحتشم باقتصارها على إنتاجات محلية، وتقدم بعضا من الدروس والعبر، هو ذا رمضان ببلدي يا سيدي رائع سنعيش الشهر بعيدين عن أقوام ترى في جوعنا عقوبة ونراه عبادة وشتان بين الرؤيتين.
    وكل رمضـــــان وأنتم إلى اللــــه أقــــرب……….

  • mandella sahraoui
    السبت 20 يونيو 2015 - 01:48

    très excellents hypothèse et très jolie texte bon effort de la réalité émanant d un grand professeur des journalistes. encore mil fois. merci. merci de votre encouragement et abnégation et dévouement ainsi assiduité a ton peuple et patrie. félicitation le noble héro le vrais dévoué citoyen si mohamed said el ouafi tout le monde l aime de son exactitude et droiture allah lmoaine

صوت وصورة
إغلاق المساجد في رمضان
الخميس 15 أبريل 2021 - 00:39 3

إغلاق المساجد في رمضان

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والعنف
الأربعاء 14 أبريل 2021 - 22:00 9

بدون تعليك: المغاربة والعنف

صوت وصورة
سال الطبيب: الترمضينة
الأربعاء 14 أبريل 2021 - 19:00 7

سال الطبيب: الترمضينة

صوت وصورة
أساطير أكل الشارع: الأمين الحاج مصطفى
الأربعاء 14 أبريل 2021 - 18:00 14

أساطير أكل الشارع: الأمين الحاج مصطفى

صوت وصورة
منزلة التقوى
الأربعاء 14 أبريل 2021 - 17:00 8

منزلة التقوى

صوت وصورة
رمضان على هسبريس
الثلاثاء 13 أبريل 2021 - 23:35 6

رمضان على هسبريس