ابن السراج والحسناء شريفة .. قصة حب وشهامة موريسكية

ابن السراج والحسناء شريفة .. قصة حب وشهامة موريسكية
السبت 18 فبراير 2017 - 04:03

ما تُحكىَ، وتُروىَ في مناسبة ما يُسمّى بـ”عيد الحبّ” الذي يصادف الرّابع عشر من شهر فبراير من كلّ عام، والذي أضحى الغربُ يحتفي به احتفالاً كبيراً على أوسع نطاق، وسواء كنّا متّفقين مع هؤلاء المُحتفين بهذه المناسبة أم لا.. دعنا نستحضر، ونسترجع، ونستمتع بهذه القصّة الرومانسيّة، الموريسكية، الأندلسية الحالمة في هذه المناسبة التي لا ترتكب أيَّ إثمٍ سوى التغنّي بالحبّ، والحديث، والتذكير، والاحتفال بالحبّ وفضائله، في أجلىَ، وأنقىَ، وأصفىَ وأوسع معانيه الحميدة، بغضّ النظر عن أصل هذا التقليد وفصله وجذوره..!

من أشهر، وأطرف، وأظرف القصص الرومانسيّة عن الحبّ، والعشق، والنّسيب، والتشبيب، والغزَل، والتّيم، والهُيام، والصّبابة، والجوىَ التي تلاقفتها الأجيال في شبه الجزيرة الإيبيرية على وجه العموم، وفي الأندلس على وجه الخصوص تلك التي نجدها مبثوثة بين دفّتي كتاب أندلسي كان مُدرجاً ضمن مقرّرات بعض المناهج الدراسّية للتربية والتعليم ليس في إسبانيا وحسب، بل وفي بعض بلدان أمريكا اللاتينية الناطقة بلغة سيرفانتيس كذلك، النسخة التي في حوزتي من هذا الكتاب اقتنيتها في العاصمة الكولومبية بوغوطا، وهو يحكي قصّة “ابن سرّاج والحسناء شريفة”، ويصوّر، أو ينقل لنا صفحاتٍ مُشرقةً عن الوجود العربي- الأمازيغي في الأندلس لمؤلفه أنطونيو دي فيغاس. ما فتئ الإسبان وغير الإسبان يتهافتون على هذا الكتاب إلى يومنا هذا، وما زالت دُور النّشر سواء في إسبانيا أو في مختلف بلدان أمريكا اللاّتينية تعيد طبعَه، وإصدارَه، ونشرَه في حللٍ قشيبةٍ، وهندامٍ بديع، ورونقٍ رفيع، تعلوه صُور خيالية، تعبيرية، رومانسيّة جميلة..

تشير معظمُ المراجع العربية والإسبانية على حدٍّ سواء إلى أنّ واضع مخطوط هذا الكتاب الرّومانسي الطريف لا يُعرف تاريخ مولده، ولا تاريخ مماته، حتى وإن كانت بعض المصادر ترجّح أنّه ربّما يكون قد توفّي عام 1577، إذ في عام 1565 كان قد نشر أنطونيو دي فيغاس في مدينة ريّال كامبو كتاباً فريداً في بابه جمع فيه قصائدَ وحكاياتٍ تشكّل قصصاً طريفة عن الحب والعشق والهوى. وقد نال مؤلِّف هذا الكتاب شهرةً واسعةً في الأندلس، وفي مختلف حواضر ومداشر شبه الجزيرة الإيبيرية في القرن السّادس عشر.

قصص وحكايات وأساطير

يؤكّد المؤرّخون أنّ قبيلة بني سرّاج هي إحدى القبائل التي تنحدر من المغرب التي كان لها شأن كبير وبارز في مملكة غرناطة في القرن الخامس عشر. ويُقال إنّها تُنسَب إلى يوسف بن سرّاج رأس القبيلة في عهد محمد السّابع، وقد أورد هذه الكلمة الباحث الدكتور عدلي طاهر نور في معجمه القيّم “كلمات عربية في اللغة الإسبانية”، وما زالت هناك عوائل تحمل هذا الاسم في العديد من المدن المغربية في المقام الأوّل، ولعلّه موجود كذلك ولا شكّ، في الشقيقتين الجزائر وتونس، وفي سائر البلدان العربية الأخرى إلى يومنا هذا .

ويشير الدكتور عدلي طاهر نور إلى أنّ هذه الحقبة اشتهرت في تاريخ الأندلس بالصّراع الدامي الدّائر بين الملوك وبين الأسر القويّة من ناحية، وبين تلك الأسر فيما بينها، خصوصاً بين أسرتيْ بني سرّاج وبني الثغري من ناحية أخرى، وكان النزاع الأخير من أسباب التعجيل بسقوط غرناطة.

ومن جهته، يذهب الباحث الكبير والمؤرّخ الجهبذ محمد عبد الله عنان، صاحب الموسوعة الضّخمة (دولة الإسلام في الأندلس)، إلى “أنّ أصلهم يرجع حسبما يشير المقرّي إلى (مذحج وطيّ)، وهي من البطون العربية التي وفد بنوها إلى الأندلس منذ الفتح الإسلامي، وكان منزلهم في مدينتي قرطبة، ومُرسية؛ بيد أنّهم لم يظهروا في مسرح الحوادث في تاريخ إسبانيا إلاّ في مرحلته الأخيرة، أعني في تاريخ قرطبة”.

وقد حيكت حول تلك الأسرة العديد من القصص والأساطير الكثيرة وهي جميعها من وحي رومانسي، موريسكي، أندلسي تناولها أكثر من كاتب، ولا تزال هذه الأساطير إلى يومنا هذا تملأ أرجاءَ قاعة بني سرّاج في قصر الحمراء، فتقول إنّ أبا عبد الله أباد أسرةَ بني سرّاج في تلك القاعة، وقيل إنّ السلطان أبا الحسن هو الذي عمد إلى تدبير هلاكهم واندحارهم واستئصال شأفتهم.

مشاعر سامية وأحاسيس مُرهفة

وبعيداً عن المكائد والصّراعات، نعود إلى كتاب أنطونيو دي فييغاس الذي استوحاه من نصّ بعنوان “حكايات الأمير الماجد دون فرناندو الذي استرجع أنطيكيرا” (أنتقيرة)، حيث يحكي لنا كيف تزوّج ابن سرّاج من خليلته الفاتنة شريفة في الخفاء، في ظروف عصيبة صعبة ساد فيها التطاحن والتقاتل، وعشعشت فيها الضغائنُ والأحقاد بين مختلف العوائل والأسر الحاكمة من الجانبين العربي والأمازيغي وبين الإسبان. ومع ذلك انتصر الحبُّ الذي كان مغلفاً بالعفّة، وموسوماً بالصّدق والوفاء وسط هذه الأجواء الحالكة والمحن.

وتظهر هذه القصّة في العديد من الحكايات والكتب الرومانسيّة في ذلك العصر. وعليه، فإنّ قيمة عمل أنطونيو دي فييغاس تكمن في إحياء هذه القصّة ونشرها على أوسع نطاق. وقد قدّمها في قالبٍ قصصي سهل، وبسيط بحيث أصبح له بسببها صِيْتٌ بعيد في مختلف أرجاء إسبانيا وخارجها. وتسجّل القصّة المشاعر السّامية والنبيلة والأحاسيس المُرهفة العفيفة لبعض النبلاء الإسبان في ذلك العصر، وفي العصور التي جاءت فيما بعد؛ فحتّى الكاتب الإسباني العالمي ميغيل دي سرفانتيس، صاحب رواية “دُونْ كِيخُوتِه دِي لاَ مَانْشَا” (الكلمة الأخيرة من اللغة العربية “المَنْشَأ”)، لم يفته أن يشير إلى قصّة ابن سرّاج والحسناء شريفة في روايته الشهيرة ذائعة الصّيت. كما تعرّض لـ”صخرة العشّاق” التي تُقرن بابن السّراج وخليلته الحسناء شريفة الكاتب الأمريكي المعروف واشنطن إرفينغ (1783-1859) صاحب “قصص الحمراء” و”أخبار سقوط غرناطة” والذي كان قد أقام ردحاً من الزّمن في قصر الحمراء. وهذه “الصّخرة” ذكرها الوزير ابن مغاور الشاطبي في رسالة “ذكر المراحل” إلى الأمير الموحّدي يوسف بن عبد المومن عندما مرّ بموقع (أنطكيرا أو أنتقيرة) حيث قال: “واجتزنا على صخرة العشّاق، وقطعنا دونها كلَّ حدب وشاقّ..”؛ وذلك حسب الرّواية التي أوردها الباحث الكبير الصّديق العزيز المتخصّص في تاريخ الأندلس الدكتور محمّد بنشريفة في كتابه “ابن مغاور الشاطبي، حياته وآثاره”..

عادات حميدة وتقاليد نبيلة

وتحكي لنا هذه القصّة الطريفة أنّ ابن السرّاج كان قد وقع في أسر الفارس الإسباني رودريغو دي نارفايْس، عمدة مدينة أنطيكيرا التي تبعد عن مدينة غرناطة بحوالي مائة كيلومتر جنوباً. وعندما رأى نارفايس الفارسَ الأندلسي غارقاً في حزنٍ عميق، وهو في سجنه سأله عن سبب كربه، وعندما عرف الحاكمُ الإسباني قصّتَه، وكيف أنّه وقع في الأسر قريباً من المكان الذي كانت تنتظره فيه خليلته شريفة لعقد قرانهما، واستكمال مراسيم زواجهما، قرّر الفارس الإسباني النبيل على الفور إطلاق سراحه بشرط واحد أن يعطيه “كلمته” بأن يعود إلى السّجن متى التقى بها وتزوّجها..!

انطلق ابن سرّاج على صهوة جواده في البحث عن شريفة، وتزوّجها سرّاً، وعندما عرفت شريفة قصّةَ، وسوءَ حظ زوجها العاثر قرّرت ألاَّ تفارقه، وألاّ تتركه وحيداً في محنته، وأن تصحبه إلى السّجن، الذي لم يتوان قيد أنملة في العودة إليه على الفور احتراماً، ووفاءً للعهد الذي قطعه على نفسه مع الفارس الإسباني حاكم أنطيكيرا “نارفايس” الذي فكّر فيما بعد، عندما عاد إليه مصحوباً بزوجته شريفة، كيف يجازي “الفارسَ المسلم العاشق” على وفائه، واحترامه لكلمته، ويكافئ – بالتالي- زوجته شريفة على إخلاصها، ووفائها، لزوجها فأطلق سراحهما.

ونجد في هذه القصّة الرومانسيّة غيرَ قليلٍ من تعابير الشّهامة والولاء والوفاء والحبّ والنبل في عهدٍ كانت الكلمة فيه تُحترَم، وكان العهد فيه لا يُنكث حتى مع الخصوم والأعداء.

ويجد القارئ متعةً كبرى، وهو يقرأ لهذا الكاتب الكلاسيكي الطيّب والأصيل ليس فيما يتعلق بمضمون القصّة العميق في حدّ ذاته وحسب، بل على اعتبار الأجواء المحيطة بهذه الحكاية الطريفة التي تذكّرنا بماضي أجدادنا الزّاهر، ومجدهم الغابر في الأندلس. كما تضعنا هذه القصّة المثيرة كذلك إزاء العادات الفاضلة، والتقاليد الحميدة، والشمائل الأصيلة للمجتمع الأندلسي العربي والأمازيغي، بل إنّها تطلعنا كذلك في الوقت ذاته على جوانب من التأثير الذي أحدثه هذا المجتمع المتناغم حتى في صفوف مجتمع الجانب الآخر.

*كاتب، وباحث، ومُترجم، وقاصّ من المغرب، عضو الأكاديمية – الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم – بوغوطا- كولومبيا.

‫تعليقات الزوار

9
  • بنت السراج
    السبت 18 فبراير 2017 - 06:07

    اسلوب جميييل،اعادني الى حكايات الزمن الجميل!!!ابن السراج وجميلة تزوجا لكن هل انجبا؟اين يسكن ابناءهما،هل في المغرب ام في اسبانيا؟محال ان اكون انا حفيدتهم،فانا لم احب يوما ولن اضحي بالسجن في سبيل الحب!!!وحتى ذاك الحبيب المفترض لن يعود إلى السجن بعد ان يجدني!!!هاهاها

  • حمادي
    السبت 18 فبراير 2017 - 09:59

    بصدد قراءة رواية "ثلاثية غرناطة" لرضوى عاشور وفيها ملامح من التشابه مع ماورد في المقالة الرائعة ويبدو ان الكاتبة اعتمدت كثيرا على رواية الكاتب الاسپاني.
    استمتعت بكتابتكما فشكراً

  • the revenant
    السبت 18 فبراير 2017 - 10:45

    Merci pour cet article, moi aussi j'ai pris la décision de rentrer de Sydney à Paris pour retrouver mon amoureuse dans les jours qui arrivent, je suis prêt à affronter tous les obstacles pour l'amour

  • ونعمة الحب ونعمة الوفاء
    السبت 18 فبراير 2017 - 11:15

    الله يعطيكم الصحة أمتعتوننا بحقيقة الحب والوفاء في هده القصة الجميلة التي لم أكن أريد نهايتها في مقالكم.
    الحمدو لله أنهم كانو مغاربة أكملو شجاعتنا في فطننا عبقريتنا وصلابتنا وشجاعتنا في القتال والسلم والحب .
    أتمنى من مسؤلينا أن لايهملو تاريخنا الغني والعريق بإطلاع شعوب العالم عن تاريخ إمبراطوريتنا بحضاراتها وبعلمائها وماقدمته للعالم من تفتح تقدم وإزدهار،ألاى نستقوا العالم الأول؟..مجرد سؤال.

  • ملاحظ
    السبت 18 فبراير 2017 - 11:48

    زهرة وسط اكوام من الشوك.جزاك الله على هذا المقال الذي يخرجنا مما تعودنا عليه في كثير ممن ينشر على هذا الحائط من شحناء وبغضاء وتفرقة بين سكان البلد الواحد.كل يعمل على شاكلته.وينفق مما هو في جعبته.

  • simple opinion
    السبت 18 فبراير 2017 - 17:33

    باستثناء حب الله وحب الوالدين فلا ارئ معنا للحب لكل تلك الاشياءالاخرئ الا في الكتب وفي الافلام والمسلسلات وهلم جرا لان الحب علئ ارض الواقع وحتئ ان قبل به الاخرون فلا يمكنه ان يولد ويترعرع ويكبرحتئ يصل الئ المبتغئ دون مستلزمات العصرالا وهي الامكانيات المادية في كل شئء والتئ بدونها لايمكن لهدا الحب ان يعمر كثيرا………………………………………………………………!

  • ابن السبيل°
    السبت 18 فبراير 2017 - 17:48

    1 – بنت السراج

    اجمل قصص الحب اطلاقا بين الرجل والمرأة هي ما تواتر عن نبينا عليه الصلاة والسلام مع نسائه.
    فاطهر واشرف واسمى واكبر حب رجل للنساء كان حبه لهن رضوان الله عليهن.
    الوفاء والبهاء والسناء والنقاء والعفاف والكفاف ورضوان الله.
    لم يحب رجل امراة كما احب رسولنا امنا خديجة.
    ولم يؤثر رجل امراة كما احب عائشة وامهاتنا الاطهار.
    ولم يحب انسان ابنته كما احب نبينا فاطمة البتول وبناته اللواتي دفنهن بيديه وهو يبكي.
    كانت الزهراء اشبه الناس به مشية وخلقا وخلقا.

    اما العشق المزور الزائف..والهيام الذي لا يتجاوز الغرائز.. وحكايات العشاق من فارس القديمة والهند والف ليلة وليلة..فهي لزرع الميوعة والدياثة والخنا في نفوس شباب المسلمين.
    لا حب ابقى من الحب الطاهر العفيف الذي على كتاب الله وسنة نبيه..مستورا بين الزوجين المسلمين.
    ولا اشرف من عفاف المراة المسلمة الطاهرة التي يجاهد شياطين الانس والجن من اجل ان تنحرف.
    حب ابن زيدون وولادة كان اشهر واكبر من هذين..
    وانقلب مقتا وعداوة الى ان قضى الاثنان.
    العيد الاحمر يوافق ذكرى مذابح المسلمين في محاكم التفتيش..
    ونحن كالقطيع ننساق خلفهم.

    مع محبتي

  • نورالدين
    السبت 18 فبراير 2017 - 20:53

    اتمنى ان يتحفنا احد الاخوان بنشر قصص الكتاب على دفعات مثل:المعذبون في الارض. في بيتنا رجل .العبرات.تحياتي.

  • من مراكش
    السبت 18 فبراير 2017 - 22:13

    الوجود العربي بالاندلس بنسبة 80% ، وماتبقى كان للامازيغ والفرس واعراق اخرى ، مع احترامي لباقي الثقافات ، الثقافة العربية او ما بنوه العرب خصوصا بالاندلس لا يمكن مشاركته اي جنس اخر، فالاندلس تحمل ملامح بغداد ودمشق في معمارها وهندستها وكدا من خلال الحروف العربية في فسيفساء جدرانها،لم يوجد شي باللغة الفارسية متلا او رمز من رموز الامازيغية ، فلدا لايجب قول العربي -الامازيغي ،يكفي الوجود العربي لانه هو السائد انداك ، او يجب دكر الاعراق الاخرى التي كان لها تاثير

صوت وصورة
ساكنة تطلب التزود بالكهرباء
الإثنين 18 يناير 2021 - 16:50

ساكنة تطلب التزود بالكهرباء

صوت وصورة
الاستثمار في إنتاج الحوامض
الإثنين 18 يناير 2021 - 15:50 2

الاستثمار في إنتاج الحوامض

صوت وصورة
فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع
الإثنين 18 يناير 2021 - 13:49

فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع

صوت وصورة
سفير أمريكا قبل مغادرة المغرب
الإثنين 18 يناير 2021 - 12:55 9

سفير أمريكا قبل مغادرة المغرب

صوت وصورة
الفرعون الأمازيغي شيشنق
الأحد 17 يناير 2021 - 22:38 29

الفرعون الأمازيغي شيشنق

صوت وصورة
وداعا "أبو الإعدام"
الأحد 17 يناير 2021 - 21:20 33

وداعا "أبو الإعدام"