اعترافات عبد العزيز

اعترافات عبد العزيز
الثلاثاء 18 فبراير 2014 - 20:28

يقول عني من رآني و عاشرني لمدة كافية أني شاب لطيف أنيق ، خفيف الظل، صاحب نكتة و كارزمة ، و إن كان مزاحي ثقيلا في بعض الأحيان. لكن لا يهم، فلا عيب أن يكون مزاجك رائقا، و أن تحاول قدر ما تستطيع أن تسعد من حولك.

أما عن أوصافي الجسمانية، فإليكم يا سادة السمات التالية :

” الطول متر و ثمانون، كستنائي الشعر أجعده، أسود العينين فاحمهما، قوي البنيان، صاحب عضلات غير مفتولة، و صوت جهوري، و كرش ضخمة “
أهم عنصر في هذه اللائحة الوصفية يا أحبابي هو الكرش الضخمة.

هل يهمكم أيضا أن تعرفوا أن اسمي عبد العزيز الشيخاني الطلياني ، إن بحثتم عني في الفيسبوك مثلا فلن تجدوا لي أثرا، سواء كان البحث بكتابة اسمي بالعربية أو الفرنسية.

أنا لا أحب كثيرا مواقع التواصل الاجتماعي، رغم وعيي العميق بالدور الذي لعبته في تقريب المسافات، تسهيل التواصل و جعله غارقا في الحميمية و المرح، ولا أستطيع أن أنكر أيضا الدور الفعال الذي لعبته في الحراك السياسي و مواكبة وتأطير انتفاضات “الخريف العربي”…اممممم…عفوا، الربيع العربي…

آه يا ربي ! مشكلتي مع البدانة ترجع إلى الثلاث السنوات الأخيرة. ذات يوم قرأت في الشرق الأوسط ما يلي

“تعتبر البدانة من أكثر المشاكل شيوعاً في الممارسة الطبية. ورغم سهولة تشخيصها وتحديد أسبابها، فإنها من أصعب الأمراض علاجاً، وأقلها شفاء أو تحسناً على المدى البعيد. ويعود ذلك إلى أن ظاهرة البدانة معقدة، وتتدخل فيها عوامل كثيرة: وراثية، نفسية وعاطفية، اجتماعية (صداقات، علاقات ، أعراف وتقاليد)، اقتصادية (وفرة الطعام، وسائل المواصلات)، وعوامل بيئية ومناخية….”

ركزوا معي جيدا…

قبل أن أصبح بدينا ، كنت رشيقا و رياضيا بامتياز. و هذا يعود إلى الزمن الذي كنت أسكن فيه ببلجيكا. كنت في الوزن المثالي : 77 كلغ، و الآن وزني يزيد على… أحس بالحرج… هل اعترف؟ وزني الحالي يفوق 95 كلغ. أعرف أن هذا الوزن طبيعي بالنسبة لفتى طويل مثلي في بلد الأكل و الولائم و “الشهيوات” بجدارة.

عندما أقول أن المغرب بلد الأكل اللامحدود أحيانا، فأنا صادق إلى حد كبير فيما أقول. نحن نعيش في بلد يحتفل بالأكل، و يعشقه، و يتفنن في طبخه، و يصرف من أجله الكثير من الأموال وخاصة في الأعراس و المناسبات. و ما أكثرها أيها الأحباب، و دامت لكم الأفراح و المسرات.

في بلادنا الأكل لذيذ جدا…توابل، و عطور، و ألوان، و نكهات أكثر من رائعة. و هناك، في الضفة الأخرى من المتوسط، طعام بلا طعم، اللهم إلا طعم الكاوتشو…

و الأكل أو كثرته… الأكل ارتبط دائما، في جميع المجتمعات البشرية، منذ فجر التاريخ، وعلى مر العصور، بمعاني الكرم و الضيافة والبهجة. ونحن كمغاربة بارعون في هذا المجال. شعب كريم أكول و مضياف، يعيش أغلب ابنائه حياتهم يوما بيوم، دون التفكير كثيرا في المستقبل و دون تخطيط دقيق له. بل أنه في أحايين كثيرة، ينعدم التخطيط.

و عايشين.

و بخيييير…

ربي كبير والدنيا هانية، و اللي زربوا ماتوا و في العجلة الندامة، و في التأني السلامة، و مهما بذلت من جهد فانك ستموت يوما، و مصيرك إلى اللحد. فلم السرعة و التوتر و إتلاف الأعصاب على الفارغ ؟؟

و على ذكر التأني فان الإكثار منه يعني ميلا أوتوماتيكيا إلى الراحة، وكثرة الراحة تصيبك بالكسل، فتغدو إنسانا معجازا، قليل الحركة، و ربما بدينا تثقل على الكرة الأرضية، و هذا ما حدث لي، يا سادة، في السنوات الثلاث الأخيرة.

الأطباء ينصحون كلهم بالتخلص من الوزن الزائد عن طريق الرياضة و المشي و التقليل من الأكل الدسم، و التحلي بعادات فن العيش و نشدان الحياة الصحية المطيلة للعمر (والأعمار بيد الله) و تجنب التهام الحلويات المغرية…. و كل هذا لا أقوم به، فلماذا ؟؟

…لأني بكل بساطة استسلمت للتساهل المفرط مع نفسي، و اقتفيت غريزة النهم. و كانت العواقب وخيمة. إحساس مزمن بالكسل، زيادة مهولة في الوزن، رغبة خالدة في النوم و مشاهدة المسلسلات التركية في المساء على إيقاع خشخشة رقائق التشيبس.

خش… خش… خش… كم هي لذيذة…

صحيح أني أعمل كثيرا و لا أجد الوقت الكافي لممارسة الرياضة. أنا رجل أعمال ثري و ناجح ماديا و اجتماعيا بشهادة كل من يعرفني. أتنقل بشكل مستمر، و على مدار الأسبوع، على متن سيارتي الرباعية الدفع، بين مراكش و الدار البيضاء والرباط و طنجة. عمل كثير و صفقات و لقاءات لا تنتهي مع كبار رجال الأعمال الأجانب.

المصيبة أني في الأشهر الأخيرة بالذات أصبحت بدينا بشكل لا يطاق، بشكل مقرف… وغدوت أحس بالإفلاس الصحي و النفسي الحقيقي. لم أعد أجد ثيابا بمقاسي و أصبحت أفكر (أقولها و التعاسة تخترقني من الرأس الى القدم)… في تفصيل ملابسي لدى الخياط و توديع الملابس الجاهزة…
أتذكر شابا في نهاية العشرين كنت قد شاهدته في برنامج وثائقي مغربي يشاركني المشكل نفسه. كان منتفخ البدن عظيم الأوداج و الرأس يرتدي في المناسبات القليلة التي يغادر فيها بيته، ملابس سوداء قاتمة، و نظارات شمسية و قبعة مضحكة الشكل.

و الغريب في الأمر أني بعد التعرف عليه في الوثائقي كنت ألتقي به مصادفة وهو يتجول ليلا على كورنيش طنجة، و كنت أرمقه بنظرة طويلة، وتتلاقى عينانا لبرهة وجيزة، فتتولد عن ذلك شرارة من التعاطف و التضامن المثير للرثاء.

في الهوا سوا يا حبيبي…

كانت بدانة هذا الشاب مرآة لمعاناتي الداخلية، و كانت تثير في الشفقة لحالنا نحن الاثنين، فكنت أراه قريبا مني جسديا و روحيا.

و فيما بعد قرأت في الجرائد بمحض الصدفة ( وكان الخبر مرفوقا بصورته في صفحة الحوادث) أنه تعرض ذات ليل شتوي عاصف للسرقة والقتل في شاطئ طنجة و عثر عليه ملقى على الرمال، و عيناه مفتوحتان عن آخرهما، و أطرافه متيبسة من الصقيع، فيما الدماء تضمخ وجهه و صدره.

أثر في الخبر، و لوهلة قصيرة تمنيت لو أنني قد عرفت اسم هذا الشاب القتيل. ثم ندمت فورا على هذه الأمنية المجنونة السوداء وغصت في مستنقع من الحزن.

و شعرت أن هذا الفتى ودع العالم و في دخيلته تاريخ لم يحكه لبشر، و أنه ربما في الثانية التي تلاقت فيها عيوننا ذات يوم، أراد أن يبوح لي بأسرار كانت طي الكتمان.

دعكم من هذا الفتى الآن، لقد غادر الدنيا و لعله يتلذذ في هذه اللحظة باحتساء كوكتيل فواكه لا يقاوم في جنان الفردوس، و عن يمينه و شماله حور عين حسان يعزفن له، و يغنين و يرقصن في مشهد كله سحر و خلود، و لعله تخلص من الوزن الزائد فغدا أرشق من الرشاقة.

و أنا ماذا ينتظرني في دنياي ؟

ما الذي يضاعف من همومي كل يوم ؟

بدانة إضافية، و كآبة، و حزن، و خمول، و قريبا -إن شاء الله- تدهور في العلاقات و العمل و الإنتاج…

سامحوني إن فرقعت مرارتكم بشكواي، أرجوكم سامحوني…

الساعة تشير الآن إلى الثالثة صباحا، و أنا نعسان، أنا أموت تعبا، أريد أن أناااااااااااااااااام…

تصبحون على خير…

* أديب و أستاذ جامعي
[email protected]

‫تعليقات الزوار

3
  • marocain
    الثلاثاء 18 فبراير 2014 - 21:34

    ce ne sont pas les matieres grasses qui menent a l obesité mais c´est le sucre qui se trouve dans presque tous les produits. alors 3 choses a tenir et sans meme exercer du sport pour perdre qq kg.
    1. reduire considerablement la consommation du sucre et produits sucrés
    2. reduire considerablement la consommation du sel
    3. reduire la quantité des portions pendant les repas

  • marrueccos
    الثلاثاء 18 فبراير 2014 - 22:03

    يظهر لي أن حل مشكلة البدانة قبل أن تتحول مرضا سهل جدا ! يكفي فقط تتبع خطوات من يوجدون على رأس هرم الحكم داخل الدول الديمقراطية ( ليس ديمقراطية كروش ) ! " أوباما " لم يعانى يوما من البدانة ولا " ميركل " ولا " هولاند " والقائمة تطول ! حتى وزراء هذه الدول نحيفون لكثرة مشاغلهم . سيرتهم على الفايس بوك دل " عبد العزيز " عليها وسيعرف سر نحافة نخب السياسة داخل العالم الحر !!!! أقنع " عبد العزيز " أن مقالة الشرق الأوسط عن البدانة ميؤوس منها ! كمقالاتها عن اللون الأسود بكونه لعنة إلهية !!! نفس كلام " القدافي " قبل إنتفاضة ما بين خريفين ! مبتدأها معلوم ومنتهاها مجهول !!!!!!!

    هذه ليست نصيحة مني ل " عبد العزيز " فالنصيحة إن إنقلبت على من أخذ بها فليكن متأكدا أني لن أقتسم الخسارة ! كأن يتهم بالإرهاب مثلا ؛ مثلا !!!!

  • hakim
    الثلاثاء 18 فبراير 2014 - 23:16

    مقال جيد و ممتع.
    شكرا وكان الله في عون عبدالعزيز

صوت وصورة
صرخة ساكنة "دوار البراهمة"
الجمعة 22 يناير 2021 - 23:11 3

صرخة ساكنة "دوار البراهمة"

صوت وصورة
عربات "كوتشي"  أنيقة بأكادير
الجمعة 22 يناير 2021 - 20:29 18

عربات "كوتشي" أنيقة بأكادير

صوت وصورة
دار الأمومة بإملشيل
الجمعة 22 يناير 2021 - 18:11 4

دار الأمومة بإملشيل

صوت وصورة
غياب النقل المدرسي
الجمعة 22 يناير 2021 - 14:11 1

غياب النقل المدرسي

صوت وصورة
متحف الحيوانات بالرباط
الجمعة 22 يناير 2021 - 13:20 3

متحف الحيوانات بالرباط

صوت وصورة
صبر وكفاح المرأة القروية
الخميس 21 يناير 2021 - 20:50 3

صبر وكفاح المرأة القروية