اكتظاظ الفصول الدراسية... التحدي المؤرق

اكتظاظ الفصول الدراسية... التحدي المؤرق
الأربعاء 30 أكتوبر 2013 - 17:36

تعتبر المدرسة مؤسسة تربوية واجتماعية تضطلع بعدة أدوار ومهام تصب كلها في إطار تنشئة الفرد عن طريق تعهده بالتربية والتكوين وإكسابه القيم والمعارف والمهارات بما يساعده على المساهمة في تنمية مجتمعه في مختلف المجالات .

ولا شك أن نجاح المؤسسة التعليمية في بلوغ أهدافها رهين بتوفير مناخ تعليمي مشجع على الإنتاج و التحصيل ومساعد على تحقيق الأهداف والغايات التربوية والتعليمية المرجوة. ولعل حسن إدارة الفصل الدراسي يعتبر من أهم العوامل المساعدة على خلق ذلك المناخ المنشود . لكن من خلال رصد واقع الفصول الدراسية بالمؤسسة التعليمية العمومية المغربية بمختلف أسلاكها والوقوف عند الأجواء والظروف التي تتم فيها العمليات التعليمية التعلمية يتبين جليا أن المدرس المغربي بالرغم مما أوتي به من مهارات وكفاءة وفاعلية فإنه يجد نفسه أحيانا في ظل التحديات التي أصبحت تواجهه عاجزا على خلق بيئة تعلمية سليمة وملائمة تخول له القيام بأنشطة تعليمية متنوعة بما يحقق الأهداف المرسومة .ولعل من أكبر التحديات التي أصبحت تواجه المدرس وتحول دون خلقه لتلك البيئة المنشودة الاكتظاظ الذي تشهده الفصول الدراسية .

ومما لا شك فيه أن نسبة كبيرة من الفصول الدراسية في المؤسسات التعليمية العمومية بمختلف أسلاكها أصبحت اليوم تستقبل أعدادا كبيرة من التلاميذ قد تتجاوز طاقتها الاستيعابية ،إذ أن معدل ما يستضيف المدرس خلال الفترة الصباحية أو المسائية على المستوى الثانوي الإعدادي مثلا قد يقارب مائتي تلميذ خلال أربع حصص دراسية . ولا مراء في أن المدرس في ظل هذه الأجواء الخانقة يصبح عاجزا عن أداء رسالته التربوية وإدارة المواقف التعليمية بالشكل الذي يسعفه على تحقيق الأهداف المرسومة وفق معايير الجودة و أسس النجاعة التعليمية المتغنى بها . ولنا أن نتساءل في هذا الإطار فنقول كيف يمكن للمدرس في ظل تكدس الفصل الدراسي بالتلاميذ أن يراعي الفروق الفردية بين المتعلمين ويتعرف على استعداداتهم و قدراتهم و حاجياتهم النفسية والاجتماعية و يتيح الفرصة لجميعهم أو لأغلبيتهم للتفاعل و المشاركة في بناء الدرس مع الحرص على خلق فرص التنافس البناء بينهم و مصاحبتهم وتتبع سيرورة تعلمهم و توفير الزمن الكافي لتقويم ومعالجة ما يساور شريحة منهم من مظاهر الضعف أو النقص أوالتعثر ؟

إن الاستفادة من عملية التعلم في ظل هذه الأجواء تصبح حكرا فقط على مجموعة معينة من التلاميذ الذين تتوفر لهم دافعية التعلم داخل جماعة القسم ، وهذه المجموعة تصبح في الحقيقة وحدها المستهدفة من العملية التعليمية وهي التي يجد المدرس نفسه مضطرا للتعامل معها والاعتماد عليها في بناء الأنشطة التعليمية في الوقت الذي تحرم فيه بقية المجموعات من هذه الحظوة فتصير بعد ذلك إما ضحية للتلقي السلبي أو تعمد في ظل إحساسها بالإهمال أو شعورها بالإقصاء من المشاركة والتفاعل إلى الانصراف إلى أعمال أو أنشطة أخرى قد تخل بنظام الفصل الدراسي. ولنا أن نتساءل كذلك من جانب آخر فنقول كيف يمكن للمدرس تنويع أنشطته التعليمية وطرائقه التواصلية وأساليبه التقويمية ومقارباته البيداغوجية وسط بيئة تعليمية تفيض بجمهور من المتعلمين الذين تتفاوت قدراتهم واهتماماتهم واتجاهاتهم ، وهي بالطبع بيئة غير مناسبة لأن حقوق شريحة من المتعلمين تضيع نتيجة ضخامة عدد التلاميذ مقارنة بالحصة الزمنية المخصصة لتدرسيهم ، فضلا عن ذلك فإن شروط الصحة والسلامة قد تنعدم في ظل هذه الأجواء إذ يقل أحيانا الأكسجين داخل بعض الفصول الضيقة المكدسة بالمتعلمين ويسود مناخ التشويش والضوضاء و تنتعش روائح العرق والأحذية وتتعالى أصوات سعال المتعلمين ، ولا ريب أن لهذه الأجواء تبعات صحية سلبية على المدرسين والمتعلمين معا . وعلى صعيد تدبير الزمن التعلمي يمكن الجزم بأنه لا يمكن للمدرس أن يدبر زمن الحصة الدراسية بشكل عقلاني وتربوي و يتعهد إعدادات وواجبات التلاميذ القبلية خلال كل حصة بالمراقبة والتتبع والتقويم والتقييم ويضبط أسماء المتغيبين علما أن الحصة الدراسية لا تتجاوز مدتها خمسا وخمسين دقيقة. إن تحقيق كل ذلك يصبح في واقع الأمر تحديا يعجز المدرس عن تجاوزه بقدر ما يعجز كذلك عن اعتماد الأنشطة التقويمية الهادفة وإجراء الفروض الكتابية المحروسة بشكل يستثمر من خلاله مقتضيات التوجيهات التربوية ويراعي وظائف المراقبة المستمرة في بعديها التكويني والجزائي في ظل فصل دراسي مكدس يتكون من قرابة خمسين تلميذا حيث تنعدم الظروف والشروط الملائمة لتفعيل تقويم تربوي بناء ، إذ ترتفع نسبة حالات الغش في صفوف التلاميذ الذين يصبح المدرس غير قادر على تعهدهم بمفرده بالحراسة فتغيب بذلك مبادئ المصداقية والموضوعية والنزاهة والتنافس الشريف وتكافؤ الفرص وهو الأمر الذي بالطبع يحول بينه وبين استثمار نتائج التلاميذ المحصل عليها بالشكل التربوي المأمول.

إن التدريس في ظل الاكتظاظ أصبح في الواقع عملية شاقة تؤرق مضجع المدرسين وتستنزف طاقاتهم وترهق أعصابهم وتثير استياءهم وتبرمهم وتزيد من أعبائهم ومسؤولياتهم . وبما أن من المسلم به أنه كلما ازداد عدد التلاميذ داخل الفصل إلا وتقلصت مساحة الاستيعاب والاستفادة والتحصيل وتعمق حجم معاناة المدرسين ، فإننا نجزم أنه لا يمكن أن يستقيم حال المنظومة التعليمية في المؤسسة العمومية المغربية ونكسب رهان الإصلاح المنشود دون تبني صناع القرار لحلول جذرية لحل معضلة الاكتظاظ ، ونعتقد أن ذلك لن يتحقق إلا عبر الرفع من منسوب توظيف الأطر التعليمية و توسيع الطاقة الاستيعابية للمؤسسات التعليمية العمومية المتوفرة مع تسريع وتيرة تشييد مؤسسات تعليمية أخرى تواكب ديناميكية التوسع العمراني والنمو الديموغرافي الذي تشهده القرى و المدن المغربية .

* فاعل تربوي وجمعوي

‫تعليقات الزوار

14
  • عماد
    الأربعاء 30 أكتوبر 2013 - 20:45

    صحيح التدريس في الاكتظاظ كارثة لا بالنسبة للاستاذ ولا بالنسبة للتلاميذ

  • معلم
    الأربعاء 30 أكتوبر 2013 - 21:11

    تخفيف الأقسام من التلاميذ هو المدخل الأساسي لإصلاح المنظومة التربوية ،
    لا يسستطيع الأستاذ التدريس في قسم يكاد ينعدم فيه الأكسجين ، إنه انتحار

  • استاذة غاضبة من la situation
    الأربعاء 30 أكتوبر 2013 - 21:24

    التعليق فعلا تناول وتطرق للعديد من السلبيات المحيطة بالتعليم والتي تتفاقم يوما بعد يوم-ولكن الكاتب لم يذكر من هو المستفيد من هذا الاكتظاظ-لقد تم ازالة التفويج من السلك الثانوي ووصل عدد التلاميد في القسم الى اكثر من 50 استاذ الفيزياء مثلا اصبح يقوم مقام استاذين وبذلك وفرللدولةLE SALAIRE D'un autre professeur et voila le but de tout ce manege-باختصار الدولة لا يهمها النهوض بقطاع التعليم(ولاد الشعب يضيعوا)والاساتذة يتضرروا-NB:ويريدون الرفع من سن التقاعد ايوا vraimentهاذا الحماق_ولا حول ولاقوة الا بالله_

  • رضوان
    الأربعاء 30 أكتوبر 2013 - 21:27

    التدريس يسسير نحو الهاوية ،هناك تخطيط لضرب المدرسة العمومية لصالح المدرسة الخاصة لأجل ذلك يتم تكديس التلاميذ في الأقسام

  • مدير
    الأربعاء 30 أكتوبر 2013 - 22:01

    الأقسام أصبحت مثل المعتقلات ، لا توجد دراسة وإنما هناك تكديس لأبناء الشعب والأستاذ يتم تكليفه بمراقبتهم حتى يدق الجرس

  • ليلى
    الأربعاء 30 أكتوبر 2013 - 22:35

    التعليم فاشل فاشل فاشل ، التفكير يصب فقط في إثقال كاهل الأساتذة ولا يصب في مصلحة التلاميذ ومصلحة المجتمع ،
    من الجنون تدريس 4 حصص كل حصة فيها 60 تلميذ هذا حمق عبث جنون

  • صبري
    الخميس 31 أكتوبر 2013 - 10:03

    لن ينصلح حال التعليم دون القضاء على ظاهرة الاكتظاظ ، كفى من التفكير في تدمير الأساتذة وتكليفهم بما لا طاقةلهم به ، فكروا في إنقاذ التلاميذ لأجل مصلحة البلاد ، أغلبية الأساتذة أصبحوا مصابين بالأمراض المزمنة بسبب كبر المسؤولية الملقاة على عاتقهم ،

  • مغربي
    الخميس 31 أكتوبر 2013 - 10:44

    طوال مدة دراستي التي امتدت 15 سنة، لم اكن استطيع المشاركة في الدرس اذا تجاوز عدد التلاميذ 25، ولم اتخلص من هذه العقدة ابدا، وقد سبب ذلك لي ضياعا كبيرا.

  • إسماعيل
    الخميس 31 أكتوبر 2013 - 11:55

    المدرسة العمومية تنهار شيئا فشيئا ، وأعدادالتلاميذ في تزايد لكن الأساتذة قليلون لا يستطيعون تعليم كل هذه الأعداد المتزايدة ،
    الضحية هو الأستاذ والتلميذ والوطن

  • رشيد بن الحاج
    الخميس 31 أكتوبر 2013 - 13:34

    لتعليم فاشل فاشل فاشل.تخفيف الأقسام من التلاميذ هو المدخل الأساسي لإصلاح المنظومة التربوية .

  • رشيد بن الحاج
    الجمعة 1 نونبر 2013 - 17:01

    وضع التعليم كارثي و ما من عمل للاصلاح,

  • Hachouch Abdelmajid
    السبت 2 نونبر 2013 - 13:08

    bnj imaginez une classe de CE3 de 45 eleves;ils vont apprendre le français pour la premiere fois! on est exactement a l'ecole ghzala a à chtouka ait_baha;qui va lire qui va parler à qui corriger à qui donner la parole! nous nous exerçons dans ces conditions! et nous sommes fiers de notre actions; mais il faut trouver dessolutions à court terme pour nous aider pour le bien e nos enfants!!!!!!!!!

  • Hachouch Abdelmajid
    الأحد 3 نونبر 2013 - 12:24

    je vous recommande de faire un saut à l école ghzala à chtouka ait_baha afin de toucher le probléme de prés; 45 éléves par classe;on séme des obstacles et on demandes des miracles! aux professeurs!malgrés ça ils font leur possible pour s"adapter avec le probléme et faire de leur mieux pour atteindre le but éducatif !

  • Amine
    الإثنين 4 نونبر 2013 - 16:36

    بالفعل، الاكتظاظ يربك الحصص الدراسية !
    فكيف يمكن للأستاذ ضبط ومراقبة ورفع قدرات كل تلميذ في حصة بها 47 تلميذ؟
    زد على ذلك 6 أقسام!!! أي 282 تلميذ!!!

صوت وصورة
أسر تناشد الملك محمد السادس
الأربعاء 20 يناير 2021 - 10:59 1

أسر تناشد الملك محمد السادس

صوت وصورة
"قرية دافئة" لإيواء المشردين
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 22:30 5

"قرية دافئة" لإيواء المشردين

صوت وصورة
فن بأعواد الآيس كريم
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 21:40 1

فن بأعواد الآيس كريم

صوت وصورة
مشاكل دوار  آيت منصور
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 18:33 1

مشاكل دوار آيت منصور

صوت وصورة
ركود منتجات الصناعة التقليدية
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 16:33 5

ركود منتجات الصناعة التقليدية

صوت وصورة
تحديات الطفل عبد السلام
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 12:30 12

تحديات الطفل عبد السلام