الأشرار وصناعة الصدمة الأخلاقية

الأشرار وصناعة الصدمة الأخلاقية
الثلاثاء 8 يناير 2019 - 22:30

ليعذرني الكاتب الأمريكي ستان كوهين لأني سأستعير من عنوان كتابه الملهم (الأشرار والصدمة الأخلاقية) متاهة هذا الدرس الأخلاقي الغارق في تشريح ما يسمى في الفسيولوجيا المرضية اضطراب الهوية التفارقي.

ولا أعني في ذلك طبعا الغوص في تنميط المرض إياه من جانب تخصصه النفساني الطبي، ولا من جانب المعالجة التشخيصية الاكلينيكية. فأنا لست عالما سيكولوجيا أو رائيا ثاقبا في علم الأوبئة او استشاريا في علاجات التنويم المغناطيسي.

إنما أقرأ بعض الظواهر الاجتماعية في جانب يخص سوسيولوجيا الإعلام (علم اجتماع الإعلام) الذي تتحدد أدواره انطلاقا من العلاقة الديداكتيكية التي تربط المجتمع بوسائل الإعلام.

صحيح أن موضوعة دراسة الاتصال كأحد الظواهر الاجتماعية لاتزال رقعتها المعرفية جديدة على السوسيولوجيا الإعلامية، ومدعاة للتندر والاستكشاف في حالات السلوك والمواقف والعمليات الاجتماعية القريبة من مجتمع الصراعات وتذبذب القيم.

لكنها متحفزة دوما للتموقع في صلب رهانات الثورات الاتصالاتية والمعلوماتية ضمن ركام الصناعات التقانية والإعلام الآلي الذي بصم مرحلة جديدة في علاقة جدلية بالمجتمع عامة والافراد والعلاقات الاجتماعية خاصة.

تلك العلاقة المفتوحة المشوبة بعديد انبجاسات وأسئلة قلقة؛ تفرض حدودا ومفاهيم جديدة حول المعرفة وقيمها وتشكل وعي آخر ضمن سياقات ثقافية متحولة.

وهو ما يدلل الطريق باتجاه قراءة وتحليل سياقات تجسير الدراسات الاجتماعية الإعلامية للظواهر المؤثرة في العلامات والأنساق الجديدة الصادمة. ما يعزز فرضية الصدمة الأخلاقية التي يتواضع خبراء الاعلام والميديا على وصفها ب (رد الفعل الاجتماعي) تنبيها الى ما وراء فعل الصدمة او الممانعة النفسية. وهو تشخيص مستبصر تعوزه الرؤية والتخطيط قبل الفعل والتفاعل.

وسأكون واعيا بالأسباب التي تجعل من هذا المعنى نوعا من التبرير المنطقي والتمثل العقلاني لدرجات امتصاص مشكلات المجتمع ودرجات تدويرها لمعضلات الأخلاق وقيم العيش المشترك بين أفراده. و” ما على الدارس للأخلاقيات إلا أن يولي اهتماما خاصا إلى الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام -وهذا من صميم مهمتي كباحث وإعلامي – في تحديد المشاكل الاجتماعية وتشكيلها. فقد عملت وسائل الإعلام منذ وقت طويل كأدوات لإثارة السخط الأخلاقي الذي يصب في مصلحتها الخاصة، حتى اذا لم يشعروا بالخجل لكونهم متورطين في حملات تشويه عنيفة، حيث إن نشرهم حقائق معينة ربما يكفي لإحداث قلق أو غضب أو سخط أو ذعر. عندما تتوافق هذه المشاعر مع الإدراك بوجوب حماية قيم معينة، يتم تقديم مرحلة إعداد شروط مسبقة للقاعدة الجديدة أو تحديد مشكلة اجتماعية”1 –

إن إفراز المعرفة الأخلاقية على ضوء معايير ثابتة للسلوك الإنساني، هي إحالة إلى الديونتولوجيا او علم الواجبات كما هو مستوحى من الجذر اليوناني.

يقف هذا النوع من العلوم على تقييم السلوك الإنساني وإضفاء الرغبة في عكس المعايير السلوكية ذاتها على ما تحمله الأخلاق كوحدة نسقية في بناء الواجب والمعرفة وسبب التهذيب والمبدأ القيمي وسؤال الثقافة.

ومن ثمة فالاعتبار الرمزي للأخلاق والمسؤولية الواجبة تواجهها لا تستوعبها المتقابلات النسبية الأخرى، من أوصاف الأفضلية في جلبة الخير والنهي عن الظلم ومعاملة الناس واحترام الرأي وتوقير المسن .. الخ، حيث التخلق أسمى درجات الأخلاق وأعلاها منزلة. فبها تنزل القيمة الاعتبارية للأخلاق منزلة الواقع وتبلغ من الاستقامة ما يجعل الخلق التزاما ومسؤولية وممارسة.

وكلما تأثرت الملكة النفسية (الأخلاق بمفهوم أبي الوليد ابن رشد) بعفوية صدور الأفعال دون فكر أو تأمل، كلما صار لها وثوقا راسخا في اليقين العقلاني، واستدبرت متحلقات ما يكمن في تركيبها الفطري والاكتسابي.

ولأنها تتغير بتغير بشريتها وتتخلق بتوافر عناصر استردادها وتحوطها، فإن المدينة الفاضلة التي تنسج من ضلعها وتخرج من عظامها هي أخلاق متحولة قمينة بالتدافع والتكور والاحتدام.

فما عداها تصير وقد قوض جانب من قيامها وتشكلها، وصار لزاما أن تتراجع عقيدة وحدتها وتوحدها!

ولتلك الفضائل التي تشكل عناصر قوة الأخلاق ومنفذها العامر إلى الوجود المحتوم والجسد المرسوم، حيث يستقي الفلاسفة عبر سيرورات الزمن والنظريات السابحة في ذرى التحليل والتعليل، معارش السعادة النظرية، التي هي المعرفة العلمية الفلسفية، القائمة على الأربع فضائل شهيرة: الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة. حيث لم تصمد في وجه الأرياح المتعاركة تحت جفل الضحالة التي أصابت العالم القيمي، والغموض الآبق الذي طفق ينتحل صفات العدل والمساواة والصدق والأمانة والإخلاص والنقاء، ويتجندل بموبقات الجريمة والادعاءات الكاذبة وصناعة البروباجندا اللقيطة وتحويل الأنظار نحو الصغائر من الأمور والترهات الجدباء.

إنها بخلاصة شديدة علامات صناعة الصدمات الأخلاقية المتحولة التي أنهت عصورا باذخة من الحماس اليوطوبي، ومن القناعة بكفاءة الفلسفة كمعرفة تأملية لا يقينية، والتي تجعل الكائن البشري المتعقل والحكيم في مركز تفكيرها، مشاغبة هدفية التخليص المقدس من الحيوانية والغرائزية.

ومن تلكم العلامات الآفلة بزوغ أنماط وقطائع متناغمة ومصارف للوثوقية والدوغمائية ومثالب للشكية والاستضعاف، والتخفي في لبوس ليس في الحقيقة سوى أقنعة وسرابيل غدر ودناءة!

وليس من الغريب أن يتسارع السوسيولوجيون خلال عمليات تحليل الخطاب الإعلامي والسياسي إلى اكتشاف ما تذخره نوازع الصدمات الأخلاقية المتعاقبة وشروداتها الكظيمة في دروب وأسقف الأحداث والوقائع الدموية التي شهدتها البشرية طيلة قرنين سالفين. إذ لم يجدوا مثيلا لتلكم المذابح والمجازر والإبادات الجماعية وكل صنوف الظلم والاستبداد، ما يجعل من الصدمات الأخلاقية علامة بارزة في باراديجم الوجود القيمي والإنساني، من حيث كونه أسقط كل نظريات قيم التسامح والسلام والعيش المشترك وتحقيق الأمن والعدالة والإنصاف والمساواة.

– 1 ـ الصحافة : قضايا نقدية ـ ستيوارت آلان ، ترجمة بسمة ياسين ـ مجموعة النيل العربية، القاهرة ط1 / 2009 ص : 300

‫تعليقات الزوار

7
  • رشيد زين العابدين
    الثلاثاء 8 يناير 2019 - 23:42

    لقد توالت علينا كل الصدمات يشتى مسمياتها وأضحى من يملك عقلا منا حيرانا لا يلوي على طريق ولا يعرف أي شط سيقصد وبات تبني البلاهة وواد الفهم حلا مؤقتا حتى لا نصاب بالصدمة الوجودية.

  • Peace
    الأربعاء 9 يناير 2019 - 08:11

    انا شخصيا لم يعد يصدمني اي شيء, لان كل شيء ممكن في هذه الدنيا الغدارة. كما يقول الله الله تعالى: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47) ابراهيم

    او

    "فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ ۖ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ" (28) يوسف

    وصف المكائد بانها عظيمة و تزول منها الجبال, يعني ان الله وحده تعالى القادر عليهم, لان حتى الجبال ليس بامكانها الصمود لها و لذلك نفوض امرنا لله, انه عزيز دو انتقام و نتوكل عليه علام الغيوب و حسبنا الله لا الاه الا هو عيه توكلنا و هو رب العرش العظيم.

  • سعيد سگراتي
    الأربعاء 9 يناير 2019 - 13:52

    ادا كانت الموت استمرارية للحياة،فلا غروة ادن اكثر فعالية ونجعاتية مما تتميز به،صناعة الصدمات الاخلاقية رغم عدم أخلاقياتها احيانا.فلابد من اتلاف بعض المحاصيل الزراعية مثلا ادا كان سيسبب انهيارا اقتصاديا ما في منتوج ما وقد يتفق الكل على ان هده العملية مرفوضة بالإجماع لكنها حل مرحلي لخلق توازن ما.
    ونقس على ذلك في كل المجالات،فعلى سبيل المثال هناك هيات إعلامية بتبنيها لخط سياسي معين،او فكري نراها تبحت عن تحقيق هدفها رغما عن المتلقي الذي يرفض رفضا قاطعا طريقة تناولها للمواضع،ان على مستوى الجودة او خلق نعرات إعلامية الغرض منها خدمة لأشخاص او خطوط ايديولوجية دون الاخد بعين الاعتبار لما يرجوه المتلقي الذي من اجله وله خلقت هدا المنبر الإعلامي او داك.

صوت وصورة
سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان
الأحد 18 أبريل 2021 - 19:00

سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان

صوت وصورة
شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:36 7

شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع

صوت وصورة
علاقة اليقين بالرزق
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:00 9

علاقة اليقين بالرزق

صوت وصورة
ارتفاع ثمن الطماطم
الأحد 18 أبريل 2021 - 16:19 10

ارتفاع ثمن الطماطم

صوت وصورة
منابع الإيمان: رمضان
الأحد 18 أبريل 2021 - 14:00 8

منابع الإيمان: رمضان

صوت وصورة
هيستوريا: لي موراي
الأحد 18 أبريل 2021 - 00:00 4

هيستوريا: لي موراي