الأصيل والدّخيل .. أو الثّابت والمُتحوّل

الأصيل والدّخيل .. أو الثّابت والمُتحوّل
أرشيف
الأربعاء 30 دجنبر 2020 - 15:18

الحديث عن الثابت والمتحوّل، أو الأصيل والدخيل، أو الوافد والتليد، في ثقافتنا العربية، موضوع سال من أجله مداد غزير، فهناك من يتشبّث بالأصول لا يرضى عنها أو لها بديلا تحت ذريعة حفظ الهويّة والجذور، وهناك من يعانق كلّ جديد وافد كسمة على الانفتاح، والتطوّر، والتحديث، والعصرنة، بمعانيها الواسعة، وهناك من يحاول الجمع أو التقريب بين هاذين التيارين اللذين يبدوان للوهلة الأولى وكأنّهما يقومان على طرفي نقيض. وينطبق هذا على مختلف مجالات الفكر، والثقافة، والآداب، والعلوم، والشعر، والشريعة، واللغة ومعظم المجالات، والمفاهيم، والسلوكيات التي أضحت تتحكّم في حياتنا العصرية؛ فالثابت معناه الرّسخ أو الرّاسخ، ومعناه الديمومة، والاستمرارية، والملازمة، والبقاء. وجاء في كتاب الله العزيز: “كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السّماء”. وأمّا المتحوّل، أو المتغير، أو المتحرّك، أو المتنقّل فمعناه التحوّل، والتبدّل، والتغيير، أو التغيّر: وفي القرآن الكريم: “إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم”.

تطوّر كلمة “أدب”

فلنتوقّف قليلاً في هذا المجال عند كلمة “الأدب” بالذّات على سبيل المثال وليس الحصر كنموذج للتطوّر والتحوّل اللذين تشهدهما اللغة نفسها، والكلمات والألفاظ التي تتألّف منها، فقد صار معنى كلمة “الأدب” يكتسب في كلّ عصر مفاهيمَ جديدة لم يكن يعنيها من قبل، وهي من المصطلحات التي دارت حولها مناقشات عدّة. هذا ما أكّده لنا جهابذة الدارسين والمدرّسين للأدب العربي، والنقد الأدبي، بشكل مباشر في حلقات الدّرس بكلية الآداب بجامعة عين شمس بالقاهرة، أمثال الدكتور مصطفى عكاشة، والدكتور عبد القادر القطّ، وعزّ الدين إسماعيل وسواهم؛ فهذه الكلمة عرفت ثلاث مراحل أو أطوار لغوية، ففي الجاهلية استعملت في كلامهم شعرًا ونثرًا بمعنى الدعوة إلى الطعام. ويستدلّ المؤرخون القدماء على ذلك بقول طرفة بن العبد : “نحن في المشتاةِ نَدْعُو الجَفَلَى / لا تــرى الآدِب فينا يَنْتَقِر”، (إنك لا ترى الدّاعي فينا إلى الطعام يخصّ شخصاً دون آخر)، ومنها اشتقوا كلمة “أدٌب – يأدٌب” بمعنى أعدّ طعامًا، كما اشتقت منها كلمة “المأدبة” وهي الوليمة.

وقد تحوّل هذا المعنى إلى قياس، فالضّيف أو الآدب إلى المأدبة غالباً ما يتّسم بأدب وخلق. واستعمل الرسول الكريم هذه الكلمة في ما بعد فقال: “أدّبني ربّي فأحسن تأديبي”؛ ثم استعملت في العصر الأموي بالمعنى الخلقي والتهذيبي، إلا ّأنه أضيف لها معنى تعليمي آخر، فـ”المؤدّبون” كانوا يعلّمون أبناء الخلفاء مختلف العلوم والآداب. ثمّ أصبحت هذه الكلمة تعني “العِلم” الذي كان يطلق إبّانئذ غالباً على العلوم الدينية والفقهية. وقيل: “كلّ إناء يضيق بما فيه، إلاّ إناء العلم فإنه يزداد اتّساعاً…!”.

الأخذ من كلّ علمٍ بطرف

وكان التعليم الأدبي في العصر العبّاسي قائماً على الرّواية، والنّسب، والشّعر، واللغة، ونحوها، فأطلقت الكلمة على كلّ هذه العلوم. قال صاحب “المقدّمة” ابن خلدون: “الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كلّ علم بطرف”. ثمّ صارت الآداب تطلق على فنون المنادمة وأصولها، إذ كانوا يعتبرون معرفة النغم، والأغاني، والسّماع من أرقى وأرقّ فنون الآداب، ثم انفرد لفظ الأدباء بالشّعراء والكتّاب.

ثم أصبح الأدب يرادف لفظ الثقافة، فالعلوم، والمعارف، والإنسانيات، والاجتماعيات، واللّسنيات، والفنون الجميلة، كالموسيقى، والرّسم، والتصوير، والشّعر. ومختلف مجالات الإبداع تدخل في باب الأدب بمعناه العام والواسع اليوم.

الثابت والمتحوّل يفضيان إلى ما عرف بالأصالة والمعاصرة، أو بالقديم والحديث، أو بالمطلق والنسبي، أو بالموروث والحداثة. ويؤكد غير قليل من الباحثين أنّ الجدلية القائمة بين ثقافة المجتمع وقيمه لا يمكن أن تنفصم، وكلّ ثقافة لا تنطلق من قيم المجتمع السّائدة فيه هي ثقافة منبوذة، وعليه فإنّ أي مجتمع أيّاً كان عربياً أم غير عربي لا يمكنه أن يتأقلم مع ثقافات أجنبية دخيلة أو وافدة عليه تتنافى أو تتجافى مع القيم الأصيلة لهذه المجتمعات أو هذه الثقافات.

وليس معنى التشبّث بالثقافة الأصلية إهمال ثقافة الآخر، وعدم الاطلاع عليها والإفادة منها، بل إنها تعني العودة إلى الأصول، والاغتراف من الينابيع الأولى، أيّ الرجوع إلى (الأصل أو الأثل) بمعناهما الواسع. مع ضمان المرونة والانفتاح.

التقليد والتجديد

وما فتئنا نشهد معارك كلامية ساخنة، ولا أقول طاحنة، إلى يومنا هذا بين مسمّيات، ومصطلحات لغوية متعدّدة، ولكنها تصبّ في آخر المطاف في معنىً واحد، وهي طالما وردت وكرّرت وانثالت على ألسن مختلف الدّارسين في مختلف ربوع وأصقاع العالم العربي مترامي الأطراف، مثل مصطلحات من باب: “التقليد والتجديد، والأصيل والدخيل، والمحافظة والتحديث، والجمود والتحرّر، والرجعية، والتقدمية، والأنا والآخر، والقيد والانعتاق، والإنسية والاستلاب، والوافد والتالد، والمحليّ والعالمي، والقديم والجديد، والتراث والحداثة”.

ويؤكّد “ريتشارد وأوغدن” في كتابهما ذائع الصّيت ”في معنى المعنى” أنّ الثقافة مثل اللغة “مخلوق حيّ يدبّ على قدمين”، وهي ليست جامدة أو هامدة بل إنها في تبدّل وتطوّر دائميْن، وهي في نموّ مطّرد، وتغيّر متواصل. وإلقاء نظرة على تاريخنا وثقافتنا ولغتنا في مختلف العصور يؤكّد لنا صدق هذا القول. فالانفتاح الذي طبع ثقافتنا هو الذي كفل لها الغنى والثراء، والاستمرارية والتطوّر اللذين تتميّز بهما اليوم، متشبّثة بماضيها التليد، وقائمة على حاضرها العتيد، ومنفتحة على غدها الواعد.

الأمازيغيّة ولغة الضّاد

كنت قد نبّهت في مقالات سابقة إلى أنّ الدّفاع عن جذورنا، وعن أصالتنا، وهويّتنا لا ينبغي أن يثنينا، أو يقصينا، أو يبعدنا عن العناية، والاهتمام، والنّهوض، والدّفاع كذلك بشكل متواز عن عناصر هامّة ورئيسية أخرى في المكوّنات الأساسية للهويّات، والإثنيات، والأعراق الوطنية الأخرى في العالم العربي، ففي حالة البلدان المغاربية على سبيل المثال فإنّ اللغات الأمازيغية التي تعتبر من المكوّنات الأصليّة كذلك فيها قد تعايشت جنبا إلى جنب مع لغة الضّاد في تآخٍ، وتكامل، وتناغم وتلاحم منذ وصول أو دخول الإسلام إلى هذه الرّبوع والأصقاع، في مجتمعات اتّسمت باستمرار بالعدّد، والتنوّع، والمرونة والانفتاح، ليس على لغاتها ولهجاتها الأصلية المتوارثة وحسب، بل وحتى على اللغات الأجنبية الأخرى، كالفرنسية، والإسبانية، والإنجليزية، والإيطالية وسواها. وحسبي أن أشير في هذا الصّدد إلى التعايش الذي كان قائماً بين هذه اللغات برمّتها، والذي لم يمنع أبداً أن يكون هناك علماء أجلاّء وفقهاء جهابذة في هذه اللغة أو تلك من مختلف جهات ومناطق هذه البلدان. وكان “المواطن من أصل عربيّ” في هذا السياق يفتخر ويتباهى بنخوة وشجاعة وأرومة إخوانه من البربر الأمازيغ، والعكس صحيح. قال قائلهم في هذا الصدد: وأصبح البرّ من تكراره علماً / على الخير والنّبل والمكرمات.

البِرّ (بكسر الباء) الذي يعني الخير والإحسان إذا كرّر أصبح (بِرّبِرّ) أي البربر !.

أثادّرْثْ إِينُو مَانيِ العلوم التي ذَكَمْ؟

وهذا شاعر آخر من “الرّيف” ينشد متحسّراً ومتألّماً على مدينته التي درست، واندثرت، وتلاشت، وبادت بعد التعايش الزّاهر والازدهار المتألّق اللذين عرفتهما من قبل (قد تكون مدينة المزمّة أو النكور أو بادس !)، مستعملاً ثلاث لغات في بيت واحد من الشّعر وهي: العربيّة، والرّيفيّة، والسّودانية، فقال:

أثادّرث إينُو ماني العلوم التي ذَكم / قد اندرست حقّا وصارت إلى يركا.

وقيل إنّ “يركا” باللغة السّودانية تعني الله، وبذلك يكون معنى البيت: أيا داري أين العلوم التي كانت فيك… قد اندرست حقّا وصارت إلى الله.
الأصالة تقتضي الاعتزاز بالانتماء، والتشبّث بالأصول والتعلّق بالجذور، والتراث، إلاّ أنّ ذلك لا ينبغي أن يثنينا أو يمنعنا ويحول بيننا أبداً كذلك دون فهم وهضم واستساغة وتقبّل عصرنا بكلّ ما يقذفه لنا من مستجدّات، ومتغيّرات، ومخترعات؛ أيّ المواءمة بين إرث ثقافي رفيع وبين حاضر عصريّ بديع.

وقديماً قيل:

دعني والفخارَ بعزِّ قوم / ذهب الزّمنُ القديمُ بهم جميدَا …

وشرّ العالمين ذوو خمولٍ / إذا فاخرتهم ذكرُوا الجدودَا…

وخيرُ النّاس ذو حسَبٍ قديمٍ / أقام لنفسه حَسَباً جديدَا.

‫تعليقات الزوار

2
  • متابعات . .
    الأربعاء 30 دجنبر 2020 - 15:35

    بارد و سخون يا هوى .. بارد و سخون ..

  • تحية صادقة...
    الأربعاء 30 دجنبر 2020 - 15:57

    … أستاذي المحترم.
    هناك ثابت وحيد و اصيل تتجدد وساءله يجمع بين البشر ويتهافتون على مستجداته وهو -“البحث العلمي ” -ومنتجاته ومصنوعاته.
    الكوارث الطبيعية و الجواءح لا تفرق بين البشر ولا دين ولا عرق ولا قبيلة ولا شعب ولا وطن لها.
    لها الارض وما عليها شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.
    جاءحة كورونا اجتاحت العالم ولم تستثنى أحدا والكل ينتظر نتائج البحث العلمي لإنقاذ البشرية ومن حيث أتى اللقاح فمرحبا به .
    ظنت الشعوب المستعمرة ان الاستعمار هو المسؤول عن تخلفها ولما خرج صارت في حاجة الى التكنولوجيا والأسلحة التي يمتلك أسرار البحث العلمي فيها.
    وبعد ان وحدها استبداد الاستعمار مزقتها حروب التنافس فيما بينها بعد الاستقلال .

صوت وصورة
هيسطوريا: قصة النِينِي
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 22:30

هيسطوريا: قصة النِينِي

صوت وصورة
مبادرة مستقل لدعم الشباب
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 21:19

مبادرة مستقل لدعم الشباب

صوت وصورة
إشاعة تخفيف الإغلاق الليلي
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 20:41 14

إشاعة تخفيف الإغلاق الليلي

صوت وصورة
التأمين الإجباري عن المرض
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 15:15 3

التأمين الإجباري عن المرض

صوت وصورة
رمضانهم في الإمارات
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 15:00 3

رمضانهم في الإمارات

صوت وصورة
ساكنون تحت الخيام بالرباط
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 12:59 13

ساكنون تحت الخيام بالرباط