الأطر العليا المعطلة ومقالب الدرس السوسيولوجي

الأطر العليا المعطلة ومقالب الدرس السوسيولوجي
الثلاثاء 12 يناير 2010 - 05:15

نجحت الدول و القوى العظمى في لي أذرع الكثير من المجتمعات و الأنظمة السياسية في العالم الثالث، وفرضت بذلك نفسها قدوة للعالم في الديمقراطية، حقوق الإنسان، العدالة والبحث العلمي… غير أن تلك النجاحات لم تتجاوز الحدود القطرية لصانعيها، فيما بقيت الأطراف، بتعبير المركزية الأوربية عاكسة لخطاب ذوغمائي، يمثل دليل الارتباط الوجداني “بمتربول” استطاع أن يحافظ على مسافة تجاوزه للعوالم الأخرى.



في جوالتخلف والعزلة الدولية، استطاعت اليابان أن تبني نموذجا تحرريا عملاقا، ساهمت فيه معطيات متعددة، ليس أقلها سوى أن مشروع النهضة كان مصدقا به من قبل اليابانيين، لأنه يتجاوز ويتعالى على نموذج العدو، وهكذا وصل الطالب الياباني “طاكيو أوساهيرا” إلى قناعة مركزية مفادها، أن دوره كفرد منتج بإمكانه أن يساهم في تحقيق نهضة بلد يشكل وإلى اليوم قدوة ومرجعية تاريخية لأمم و مجتمعات من سوء حظها أنها اختارت أو اختير لها الاندراج في دوامة تحول معاق، افتك الناس بقوة من خط الاستقلال، ملقيا بهم في أبعد نقطة عند تخوم التبعية.




كانت السوسيولوجيا كاتجاه معرفي أحد واجهات البحث العلمي الأشد حساسية بين نخب الفكر والسياسة، وكان البحث العلمي بدوره محور نهضة وتقدم الأمم، ومن تم يبدو جليا منطق ضعف مستوى البحث العلمي أمام اكراهات الرقابة والتبعية، فيما الواجهة السوسيولوجية لا تجد ذاتها إلا بالنفاذ إلى عمق الظواهر و الرموز الأكثر إرباكا و تعقيدا في النسق السوسيواقتصادي السائد، حيث كرامة الإنسان ومواطنته الكاملة لا تتحدد إلا في ذات النسق، لاسيما بالنسبة للأطر العليا المعطلة كواجهة للفعل الثقافي وفئة اجتماعية رمت بها تقديرات السياسيين و الاقتصاديين في مستنقع معضلة اجتماعية لا تحيد عن معضلات بنيوية معقدة تخترق المشهد المجتمعي للعالم الثالث، عالم في بؤرة قضاياه المحورية يقع التشابك الحرج بين رهان الاستقلال و هواجس التبعية.



يقدم التحليل السوسيولوجي نفسه مقاربة منطقية لمعضلة العطالة أكثر من اقتراب الديمقراطية لذات المقاربة، وهكذا يبدو أن السلوك الاحتجاجي السلمي للأطر العليا المعطلة، حتى بضوابطه التنظيمية و إكرهات تدبيره الخاضعة لأسئلة الزمن الراهن، لا يجد مسوغاته إلا بقدر تجدره الاجتماعي، بمعنى أن الواجهة السوسيولوجية للمعضلة تكون أكثر دلالة كلما كان الابتعاد عن قشدة المجتمع ونخبه المدجنة وكان الإيغال في عمق فئاته الاجتماعية الأكثر معاناة وقهرا، مع أنها الأكثر انضباطا، حتى ولو لم يتجاوز افقها بعد مصارعة الحاجي و الضروري من المعاش بالتعبير الخلدوني.



يشكل التهميش، اليأس و الإحباط ، الإحساس بالضياع بل و حتى فقدان بوصلة القراءة والتحليل الاستراتيجي لتضاريس الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي الراهن، حقولا دلالية لمعطيات تخفي حالة الارتباك التي تطبع السلوك الاحتجاجي السلمي، كما تخفي سوء الفهم الكبير للعلاقة المفصلية التي تخترق مستويين معرفيين بحمولات متعددة، يرتبط المستوى الأول بالإشاعة، كمؤشر لقياس درجة الاستعداد النفسي و التفاعل مع بالونات هوائية بدت ملامحها في الأفق، فيما المستوى الثاني يتعلق أساسا بتركيبة بنيوية تمثلها العاطفة، يقاربها علم النفس السلوكي، ويعتبرها رواده من أكثر المعايير غلبة في توجيه سلوك المجتمعات الثالثية.



في اللحظات الأخيرة من السنة الميلادية التي ودع العالم قبل أيام، كثر الحديث الرسمي عن انخفاض معدلات البطالة، وسجل الجميع أيضا التضامن اللامشروط لهيئة دعم الأطر العليا في محنة الاهانة، فيما استحضر أطر مجموعة الشعلة الدلالات المركزية للإضراب الإنذاري عن الطعام بمعاناته الفيزيولوجية والنفسية، التي كان تحديها ترسيخا لقناعات، تشكل قطب الرحى في قوة الجبهة الداخلية لمجموعة استرخصت كل شيء دفاعا عن الكرامة، الحلقة المفقودة في معادلة لا تخرج عن الحق المشروع في الإدماج الفوري والشامل والمباشر في أسلاك الوظيفة العمومية، لمجموعة ضمن نسق يضم مجموعات أخرى مثقلة بأعباء معضلة متشابكة الخيوط في عالم متغير يكرس التجزئة وعلى الأقل يحترم الوحدة.



* عضو مجموعة الشعلة للأطر العليا المعطلة

‫تعليقات الزوار

1
  • المغربي النديم
    الثلاثاء 12 يناير 2010 - 05:17

    صراحة، ومن منطلق الغيرة أولا، والتمسك بالتحليل العلمي، أعبر عن إعجابي الشديد بالمقال وبما حمله من معطيات وأيضا بطريقة التحليل المترابطة أفكاره والمتناغمة منهجية صياغته…أكيد أخي محمد علوي أن المقاربة السوسيولوجية للظواهر الاجتماعية لها من الأهمية ما يسمح باختراق العوالم الحقيقية لإنتاج ذات الظواهر بكل خلفياتها السياسية والاقتصادية والثقافية، لكني أحسست أنك عملت على إخفاء بعض جوانب هذه المقاربة، سواء عن وعي أو بدونه، والمرتبطة أساسا بصراع الطبقات (بتعبير المنهج الاشتراكي) كمحدد أساسي للفوارق الطبقية التي ينتج عنها بالضرورة مثل هذه الظواهر ومن بينها عطالة الأطر العليا المعطلة وحاملي الشهادات، في إطار السيرورة التاريخية للصراع من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية…فلنقل بكل صراحة أن التبعية وسيطرة الأقلية على الثروات وبالتالي على السلطة ومصادر القرار، هي التي تنتج أشكالا لا يمكن التعبير عنها إلا بكونها نتاج الاستغلال الرأسمالي للإنسان وللطبيعة…ويبقى دور التحليل السوسيولوجي التعبير عن كل هذه التناقضات والسباحة ضد التيار للوصول إلى الأسباب السياسية الحقيقية المسؤولة عن تعنيف المعطلين مرتين: إخضاعهم لسياسة تعليمية تنميطية وتدجينية لسنوات الريعان، وإخضاعم أيضا لمنطق القمع المادي المباشر بعد التخرج من هذه المهزلة التعليمية…
    على العموم أعلن عن تضامني المطلق واللامشروط مع المعطلين من حاملي الشهادات والشهادات العليا، ونندد بالقمع اليومي الذي يتعرض له أطر المجموعات المناضلة يوميا بشوارع الرباط، والمقابل ندعو كل المجموعات إلى مزيد من الصمود، والبحث عن طريقة للتكتل والتوحيد أمام تكتل قوى القمع ضدهم، بعيدا عن الأولوية الواهمة قريبا من قراءة نوعية لنضالات الأطر العليا وإمكانيات جمع الشتات…عاشت نضالات المعطلين ودمتم للنضال أوفياء

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 6

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34

قافلة كوسومار

صوت وصورة
مع نوال المتوكل
الجمعة 15 يناير 2021 - 18:19 6

مع نوال المتوكل

صوت وصورة
رسالة الاتحاد الدستوري
الجمعة 15 يناير 2021 - 17:55 1

رسالة الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
العروسي والفن وكرة القدم
الجمعة 15 يناير 2021 - 15:30

العروسي والفن وكرة القدم

صوت وصورة
أوحال وحفر بعين حرودة
الجمعة 15 يناير 2021 - 13:30 3

أوحال وحفر بعين حرودة