الأكاديمي أفاية يمتطي صهوة "النهضة المُعلَّقة" في إصدار جديد

الأكاديمي أفاية يمتطي صهوة "النهضة المُعلَّقة" في إصدار جديد
الأربعاء 6 يناير 2021 - 05:00

أصدر الأكاديمي المغربي محمد نور الدين أفاية كتابا جديدا اختار له عنوان “النهضة المُعلَّقة” عن المركز الثقافي للكتاب (432 ص). وقد انطلق المؤلف من اعتبار أن العديد من التحولات في الفكر والتاريخ تُبين أن مفاهيم المعرفة والحداثة والنهضة في حاجة مستمرة إلى مراجعة وإلى إعادة تحديد، حسب السياقات والتجارب؛ كما هي في حاجة إلى الاجتهاد لإزاحة بعض الأبعاد الرومانسية و”السحرية” التي كثيرا ما تحضر، بأشكال مختلفة، عند التوق إلى مشروع نهضوي، أو إلى مجتمع يتطلع إلى الصعود.

ويرى أفاية أنه إذا كانت النهضة هي الوعي بالتأخر والدعوة إلى تخطيه، فإن الإصلاح هو بالوعي بالاختلالات التي تعتري مجتمعا من المجتمعات، وبالفساد الذي يستشري فيه، والعمل على تجاوزه، خصوصا أن النهضة أو الإصلاح يستلزم توافر مشروع ونزعة إرادية تعمل على خلخلة أوضاع تاريخية قصد إحداث التغييرات المطلوبة.

ويلح صاحب الكتاب، في أكثر من فصل، على أن فعل التفكير في النهضة أقرب إلى الانخراط العملي منه إلى الاعتبار المعرفي المحض، مهما كانت الأهمية التأسيسية لهذا الاعتبار. وهذا هو الهمّ الناظم لفصول كتاب “النهضة المعلقة”، الذي يلاحظ صاحبه أن الفكر العربي لم يكف عن المطالبة، طيلة القرن العشرين، بنقد النماذج التكرارية التي تعيد إنتاج الماضي، والدعوة إلى بيئة حاضنة للإبداع؛ غير أن واقع الأمر يثبت أن مجتمعاتنا تعاني من خصاص كبير على هذا الصعيد، لأن أطر استقبال الحداثة يغلب عليها التقليد، المتمثل في الذهنيات، وفي التشكيلة الاجتماعية، وفي التسلطية، وفي العلاقة بالمرأة، وبفوضى المدينة، وفي النقص الظاهر في الثقافة العصرية، وفي مختلف مظاهر مقاومة تلقّي الجديد.

وتوقف محمد نور الدين أفاية عند ما أسماه بمفاجآت التاريخ التي لا تسعف، بالضرورة، إرادة النهضوي أو الإصلاحي في مشروعه بسبب تضافر قوى اقتصادية واجتماعية وسياسية فاعلة تعرقل مسار الإصلاح، أو بسبب ضغوطات القوى الخارجية؛ ملاحظا أن الوعي النهضوي تشكَّل، منذ البدء ولا يزال، على قاعدة وعي شقي بالفارق بين مختلف تجليات التأخر وواقع النهضة التي يقدمها لهم الآخر، كيفما كان هذا الآخر، بطرق لا تتوقف عن التجدد.

وتُبين فصول كتاب “النهضة المُعلَّقة” التي عالجت موضوعات من قبيل التأخر والإصلاح والدولة، وصور الآخر، والتواصل والتعددية والمجال العام، والتواصل الثقافي وأبعاده السياسية، والوعي المدني وقضايا المدينة، وتحولات الإبدال المعرفي ومسألة النهضة، معتبرا أننا نعيش واقعًا تاريخيًا وسياسيًا لا نملك تَرَف قبوله أو رفضه، فضلا عن أنه يبرز، بوضوح، أنه لا رجاء على من يركن إلى الدعوة إلى بناء الحاضر والمستقبل اعتمادا على الماضي، أو من يراهن على التقليد. كما أنه بقدر ما يتعين استنكار التضخم الكبير للدولة على حساب المجتمع يجب الاحتراس، في الآن نفسه، من مخاطر “لغة السوق” أو منح الأفضلية للخاص على العام، أو الدخول في عملية “إصلاح” سياسي سطحي تحت عنوان “الديمقراطية”، أو التعويل على المجتمع المدني فقط، أو الاكتفاء بإدماج مبادئ حقوق الإنسان. فالأمر يبدو، حسب ما يعرضه الكتاب، أكثر تعقيدا من مجرد إطلاق شعارات، حتى ولو كانت تنويرية أو ذات منزع تحديثي.

من هنا، ارتأى محمد نور الدين أفاية من الضروري مساءلة موضوع النهضة، وإدخال ما يلزم من النسبية على الفهم “المثالي” الذي يمنحها لها بعض المفكرين والمثقفين؛ لأن الاختراقات والتحولات الجذرية التي وقعت على أنماط الحياة والمؤسسات والممارسات وعلى مرجعيات التفكير في الوجود الاجتماعي والسياسي والثقافي المغربي والعربي، لم تعد -هذه التحولات- تسمح بقبول خطابات التشاؤم المطلق.

لذلك، يتعين الإقرار، حسب الكتاب، بأن ما شهدته مجتمعاتنا من تغيرات طيلة القرن العشرين وعقدي القرن الجاري، مهما كانت مصادرها وعواملها الداخلية منها والخارجية، سمحت بنوع من أنواع التقدم في مجالات بعينها. ولذلك، لا بد من التخفيف من نزعة التشاؤم.

من جهة أخرى، لم يعد من الممكن حسب الأكاديمي أفاية قبول خطابات التبرير الساذجة التي تحتفل بـ”إنجازات” تاريخية للخروج من التأخر والتخلف، باعتبار أن ما نعرفه فيما تبقى من العالم العربي من تَغوُّل للاستبداد وإهانة الكائن في حالات، ومن خراب في وضعيات أخرى، أو من انصياع لسياسات تدمير مقدرات العالم العربي بالعودة به إلى ما قبل الدولة، بفعل تدخلات قوى إقليمية ودولية شرسة، وتواطؤ أنظمة محلية في حالات ثالثة.

في ضوء هذه المعطيات كافة، يرى الكتاب أنه لم يعد ممكنا إعادة صياغة نفس مفردات خطاب النهضة، ذات النزعة الرومانسية والمُتخيلة منها بالخصوص، بقدر ما يتعين تفكيك عناصرها على ضوء الوقائع ومتغيرات أنماط التفكير، والانخراط جديا وبشكل إرادي، بالرغم من كل العوامل السلبية الموجودة فعلا، في جعل المستقبل مرغوبًا فيه.

المركز الثقافي للكتاب النهضة المُعلَّقة كتاب محمد نور الدين أفاية

‫تعليقات الزوار

7
  • فريدبطانة
    الأربعاء 6 يناير 2021 - 07:33

    الاكاديمي محمد نور الدين افاية دكتور وكاتب ومثقف ابن الحي قديما اتمنى له التوفيق و مزيدا من التالق والعطاء في الابداع الادبي و المعرفة و الفكر مع طول العمر لصديقنا .

  • lahcen
    الأربعاء 6 يناير 2021 - 07:46

    هدا هو صلب الموضوع هو ايجاد حلول وطرق جديد غير المعروفة والمستهلكة التي تعتمد في جوهره على الخيال العشوائي بناء المججتمع يعني بناء شعب وعندما يتوحد الشعب يصبح مكبل الارادة والفكر ولكن تنوعه واشكاله هو الحل ولايمكن تنويعه الا عن طريق الحريات الافكار الفردية فمثلا جسدي اعضاؤه لاتتشابه ولكن هدا الاختلاف هو لاعطاني الحرية في الحركة وسهولة العيش وهدا ما يتطلب منا لان مججتمع بحريات فردية يعطينا مجتما حقيقيا قادر على رفع التحدي اما مجتمع بدون حريات فردية فهو الانعزال والفشل

  • abdo
    الأربعاء 6 يناير 2021 - 09:56

    مزيدا من التألق و التنوير لمعرفة مكمن الخلل. العالم العربي يتخبط في فوضى أخلاقية وكسل ذريع مستسلما لتقدم الغرب و العيش على منجزات الماضي.

  • متتبع
    الأربعاء 6 يناير 2021 - 11:33

    لا يحمل الكتاب أي جديد. وهو ما تنبئ عنه عناوين الفصول. فكثير من ذلك ناقشه المرحوم م ع الحابري في مشروعه. بل انخرط في مسيره السياسي بمحاولات تنزيل مدخلات النهضة في الواقع العربي. ونصوصه الموازية لمشروعه الأم تشهد بذلك. سواء مذكراته السياسية في “مواقف” أو التي تجمع مقالاته المنشورة هنا أو هناك.

  • agzennay
    الأربعاء 6 يناير 2021 - 11:36

    كل ما يعالج مواضيع من قبيل “الفكر العربي” “العالم العربي” الأمة العربية” فوق الاتراب المغربي، فهو مرفوض لدينا ونعتبره نحن الأمازيغ عميل لأجندات أجنبية التهم التي حوكم بها الصناديد الأحرار الأمازيغ في كل من رحوسيما ذ زاكوزو ذ إيمي ن تانوت و…

  • moh
    الأربعاء 6 يناير 2021 - 13:18

    احترم هدا المفكر الكبير الدي يا ما اتحف قراءه بتحف بليغة مثل كتابه السلطة والفكر -نحو ثقافة الاعتراف في المغرب-انه يحاول ان يجد قراءة حقيقية للواقع الدي يعيش الاجترار والتلويك ويستعصى عن الحل اننا ننخرط دون ان ندري في هدا الاجترار وربما الدكتور افاية قد عبر في الكتاب المدكور عن سبب هدا اللف والدوران فتحية له وان كان يعتبر كقطرة في ماء في هده التيارات الجارفة

  • وطني
    الأربعاء 6 يناير 2021 - 13:43

    الاستاذ افاية وكتابه* النهظة المعطلة*يرمز الى سبات عميق تراكمت عليع العصور ةاصبح عبئا على من يطالب بحق او يقاوم على حق اويثور من احل حق … في نظري الاستاذمغربي قح وهو يدرك تمام الادارك في عطالة النهظة وانتكاس الاعلام.

صوت وصورة
توأمة وزان ومدينة إسرائيلية
الأربعاء 20 يناير 2021 - 21:50 7

توأمة وزان ومدينة إسرائيلية

صوت وصورة
منع لقاء بغرفة التجارة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 20:39 1

منع لقاء بغرفة التجارة

صوت وصورة
مستجدات قضية  "مون بيبي"
الأربعاء 20 يناير 2021 - 19:40 8

مستجدات قضية "مون بيبي"

صوت وصورة
قرار نقابة أرباب الحمامات
الأربعاء 20 يناير 2021 - 17:40 13

قرار نقابة أرباب الحمامات

صوت وصورة
معاناة نساء دوار قصيبة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 16:40 4

معاناة نساء دوار قصيبة

صوت وصورة
مطالب بفتح محطة ولاد زيان
الأربعاء 20 يناير 2021 - 15:33 9

مطالب بفتح محطة ولاد زيان