الأنوثة تثأر من القبيلة في فيلم 'براق' لمحمد مفتكر

الأنوثة تثأر من القبيلة في فيلم 'براق' لمحمد مفتكر
الثلاثاء 15 مارس 2011 - 21:46

أنس الباز وماجدولين الإدريسي في لقطة من “البراق”

شاهدت فيلم “براق” أول مرة ذات مساء صيف حار في مهرجان خريبكة للسينما الأفريقية 2010. أولى الملاحظات التي سجلتها هي أن المخرج استخدم الصوت للتشويق، بل لبث الرعب في قلب مشاهد أسرتْه المفاجآت… صوت يساهم في التوتر… يتأهب المتفرج لينجو من المفاجأة… يخدره تدفق الصور ثم يصعقه صوت آخر… وقد انعكس الصمت في الفيلم على القاعة… ثاني الملاحظات هي أن المخرج فقد السيطرة على الحبكة في الربع ساعة الأخيرة من الفيلم.

في صبيحة اليوم الموالي جرت مناقشة مطولة للفيلم ضمن الندوات المخصصة للأفلام المعروضة ضمن المسابقة الرسمية. في تلك القاعة التي جعلت مخرجا تونسيا يشتكي من تواجد نسبة عالية من النقاد في كل متر مربع… ذلك لم يمنع أنه خلال النقاش استمع مفتكر إلى مواقف الإعجاب وتابع تأويلات خصبة لفيلمه.

في تدخله لشرح كيف أبدع الفيلم كتابة وإخراجا قال مفتكر:

“عندما أشتغل على فكرة، اعتبر أن الفكرة هشة قبل أن تصبح قصة، لأنها هشة، نحن مهددون بفقدها… وأحيانا نحاول تطوير الفكرة فنقتلها… يجب أن نطور الفكرة في نسق… الفكرة مثل سمكة في الماء، يجب إنماؤها دون إخراجها من الماء… كذلك لا يمكن أن نطور فكرة من خارجها… يجب أن نطور الواقع من داخله… كيف؟

بالبقاء ضمن وجهة نظر الشخصية، الشخصية بالنسبة لي هي كاميرا… كاميرا تعوض شخصية يؤديها الممثل… يجب أن تكون الكاميرا هي وجهة نظر الشخصية الرئيسية… ما ترفض الشخصية الرئيسية أن تراه، يجب أن ترفض الكاميرا أيضا التقاطه… وهذا ما يوتر المتفرج… لأنه يعرف أن هناك مجال لا تلقطه الكاميرا… hors champ…”

هكذا تحدث مفتكر عن فيلمه الطويل الأول بعد أن أنجز أربعة أفلام قصيرة هي “ظل الموت”، نشيد الجنازة” رقصة الجنين و”آخر الشهر”، عناوين تنذر بنهايات تراجيدية… أفلام تحتل فيها النساء مكانة بارزة…

في ختام المهرجان حصل براق على الجائزة الكبرى للمهرجان، وحصلت مجدولين الإدريسي على جائزة ثاني أحسن دور نسائي، مجدولين التي ظهرت في الفيلم كفراشة خفيفة في أدائها وقوة في حضورها… وكان الفيلم قد حصل على خمس جوائز في المهرجان الوطني للفيلم في يناير 2010، من ضمنها جائزة أحسن أداء نسائي لمجدولين والسعدية لديب.

لم تكن تلك المشاهدة الأولى كافية للكتابة عن الفيلم، بعد ثمانية أشهر، شاهدته ثانية في فبراير 2011، لم تكن قاعة السينما ممتلئة مع الأسف. وذلك لسببين يعرقلان النجاح الجماهيري للفيلم، الأول هو الغموض السيكولوجي للقصة، والثاني هو غياب ما يسميه أندري بازان “إدخال حالة العالم في الكادر”، وأقصد هنا حالة المغرب اليوم. حتى أن المتفرج يتساءل بعد المشاهدة: أين ومتى تجري الأحداث في الفيلم؟

رغم ذلك، وبينما أكتب تساءلت كيف أحلل الفيلم دون أن تؤدي الكتابة عنه إلى تدمير متعة المتفرج المحتمل. هذه هي الإستراتيجية التي تقود هذا المقال. أريده أن يدفع قارئه ليذهب ليتفرج ويستمتع.

أول ما تقصيته في المشاهدة الثانية هي تعديلات المونتاج، وبالفعل فقد كان واضحا انه تم نقل الربع ساعة الأخير من الفيلم إلى بدايته، كما أضيفت لقطات توضيحية للعلاقة بين الشخصيتين النسائيتين الرئيسيتين. وهذا ما أدى إلى بروز أكبر لدور الطبيبة النفسانية زينب. التعديلات تدخلت أيضا لتأخير لقطات الطفولة التي كانت شعرية ولها أثر قوي. لقطات استخدمت فيها الكتابة على اللوح والبيض والجدار بمبالغة، مع أن الرمز يقتضي الإيجاز. حقيقة كانت هذه التعديلات بعد العروض العامة للفيلم قرارات صعبة، وهي تعديلات بمثابة سيرا على الحافة بين خطرين، خطر الجهل التام للمتفرج بالعلاقة بين المريضة والمعالجة مما يشوش المشاهدة، وخطر معرفة المتفرج منذ البداية بتلك العلاقة مما يقتل التشويق.

بعد هذه الملاحظات أعود للقصة: يستخدم الفيلم أساطير قديمة لشرح حماقات معاصرة، يحكي أسطورة ذات أصل قبلي… يحاول الشيخ أن يصنع مصيرا مغايرا لابنته ليحافظ على مجده في القبيلة، أطروحته واضحة وبسيطة في تربية ابنته ““لا نولد رجالا لكن نصبح رجالا”. وكيف نتعامل مع النهدين اللذين تعتبرهما قيم القبيلة عارا؟ كيف نتخلص من تلك التفاحتين؟

القبيلة تملك الجواب… لتمنح الأنثى جسد ذكر… بعد ذلك جلب سيد الفروسية للمراهقة حصانا فصارت تحلم أن تكون فرسا… لا يوجد جسد أكثر إيروتيكية من ردف أنثى الحصان… فيه الجمال والقوة ودقة الخصر وهو ما تحلم به نساء اليوم ويعملن على إبرازه بسراويل “طاي باص”. يتحقق حلم المراهقة، يعتلي الحصان أنثاه بكل القوة اللازمة للتعبير عن مجد الذكورة… كانت تلك اللقطة هي مصدر شعلة الغيرة التي كشفت حقيقة البنت ريحانة.

الرئيس البوركينابي يسلم الجائزة للمخرج

بنى شيخ القبيلة مجده على كذبة… هذا ما تعلمه القبيلة للنساء: الكذب والخوف والنفاق والخرافات… لكن النساء يفضحن أكاذيب القبائل… يفرضن عليها الحداثة… الحداثة أنوثة… “آنستي: افتحي عينيك”، هذه هو طلب الفيلم الذي تقرر فيه النساء مصير الحصان، رمز رجولة القبيلة.

يقدم ذلك في حوارات مقتضبة وسرد بخيل. الحوار شديد التركيز إلا في الربع ساعة الأخير من الفيلم. فيلم يسرد باقتصاد شديد، وفيه تقطر الكادرات المعلومات على عين المتفرج، تقدم كل معلومة في اللحظة المناسبة لتساهم بذلك في تطور الأحداث، يتطور البناء الدرامي بتفاصيل صغيرة مركبة بعناية، يلعب المخرج بالغموض البناء، غموض يتكشف على مراحل بل يتولد عنه غموض آخر…

في تفسيره لاقتصاد السرد في الفيلم قال مفتكر في الندوة “أنا أحكي… لا أريد أن أشرح…أنا احترم المتفرج… أنا اعتبر المتفرج ذكيا… لذا لا أشرح له كثيرا… لأن الشرح الكثير إهانة… لذا قد أكمل المونتاج وقد أحذف لقطات أشعر فيها أني اشرح…”

يأتي ذلك الشرح عبر فلاش باك بلا هزات، بل هو يدفع الأحداث إلى الأمام. لذا تبقى خطية السرد محسوسة بفضل وضع علامات بصرية تحمي المتفرج من الخلط بين الماضي والحاضر، ففي الماضي الطفولة واللونين البني والأصفر، في اللباس والطبيعة. أما في الحاضر فالشباب واللون الرمادي. وهذه ألوان تخدم الطابع التراجيدي للفيلم. تراجيديا النساء في المجتمع البطريريكي…

بفضل هذا العمق السوسيولوجي، وفر السيناريو شخصيات لها قشرة ولب، وقد انعكس هذا إيجابا على أداء الممثلين، لأنه كلما كان الشخصية مكتوبة جيدا إلا وتوفر للممثل مادة يُنميها ويُوسعها بمعاناته الذاتية وهو يعيش الدور. وهو ما قام به إدريس الروخ، مجدولين الإدريسي، سعدية لديب وانس الباز وعبد اللطيف شوقي.

أدى إدريس الروخ شخصية شيخ القبيلة باحترافية، مما يثبت مرة أخرى ان الروخ ممثل كبير، ينجح في التراجيديا أكثر من الكوميديا، ينجح حين يؤدي دورا كتب بإتقان، وليس حين يدفعه مخرجون يرتجلون لملء الفراغ لديهم، يدفعونه لتقديم سكيتشات لا تناسبه… مجدولين الإدريسي استخدمت ملامحها وجسدها بمهارة، وقد جسدت بحالة الرعب التي تقمصتها وجع الأنوثة في مجتمع تحكمه قيم القبيلة… أنس الباز أثبت أن أداءه في كازا نيغرا لم يكن بيضة الديك… لقد كان كاستينغ نور الدين لخماري مثمرا، أتوقع مستقبلا زاهرا لأنس الباز وعمر لطفي.

سعدية لديب، ممثلة من طراز رفيع، وقد بينت الكادرات الكبيرة (Close-up) كم تحبها الكاميرا… كان الأداء مقنعا، وقد تحدث الممثل عبد اللطيف شوقي عن إدارة المخرج للممثلين قائلا أن مفتكر يثق في ممثليه… يثق في نفسه ويعرف أين يتجه… مفتكر قدم له خريطة قادته للدخول للفيلم والأداء… وبهذا يسلم له الممثل نفسه… وقد علق مفتكر عن منهجه في إدارة الممثلين قائلا “اقتل الممثل لتولد الشخصية… أقود ممثلي بالقرب… أريد أن أكون دقيقا”.

من الضروري أن يقتل الممثل شخصيته الحقيقية ليعيش الدور، بدل أن يؤدي نفس الدور الذي يعيشه في الحياة، فلا نرى فرقا بين سلوكه حين نلتقيه في مقهى وبين أدائه على الشاشة.

لم يقتصر قرار مفتكر ان يكون دقيقا على إدارة الممثلين، بل شمل التقطيع والكادرات أيضا.

ساعد التقطيع – التحليلي لا الوصفي – على إعطاء أبعاد أكبر للفضاء الضيق الذي جرى فيه التصوير، فضاء يعصر في متاهة روحا بشرية تتحايل على الأحلام المستحيلة علها تحققها… تقطيع شمل كادرات كبيرة متتابعة، حركات كاميرا محسوبة، يتكرر البان من اليمين إلى اليسار والعكس تبعا للحدث… تغتني الكادرات بدقة الإضاءة وفنيتها، والتعابير التي تولدها الإضاءة على الوجوه مدهشة… ينبع ضوء اللقطات من داخلها، من النافذة، وهذه إضاءة توفر خيطا نفسيا وضوئيا يربط بين المشاهد… من فرط الاقتصاد في إضاءة الوجوه يكاد الفيلم يكون بالابيض والأسود، حيث ظلمة تخترقها أشعة رقيقة لتضيء ما يريد المخرج أن يخبرنا به، وقد وفر الإيطالوناج وحدة بصرية للفيلم من أوله إلى آخره، جعله قطعة واحدة… وهذا ما مكن من الحفاظ على الجو التراجيدي طيلة الفيلم، وقد عمقت الموسيقى هذا الإحساس. للإشارة فوالد المخرج موسيقي، وقد صرح مفتكر أنه “يرفض الموسيقى التي تملي مشاعر محددة على المتفرج… يريد موسيقى تعبيرية، لا موسيقى تقول للمتفرج إضحك، خفْ أو انتظر… بل موسيقى تترك المتفرج يكتشف بنفسه متشوقا”. وقد أشرت لتأثير الصوت في البداية.

أثناء ختم هذا المقال حصل الفيلم على الجائزة الكبرى في مهرجان واغادوغو. بمثل مثل هذه الأفلام يتقوى الأمل في الإنتاج الوطني. ننتظر المزيد، فبالكم يتحقق الكيف.

[email protected]

‫تعليقات الزوار

6
  • Non au plagiat
    الثلاثاء 15 مارس 2011 - 21:54

    Le scénario de ce film, Pégase, a été volé d’un court-métrage écrit et réalisé par des adolescents à la maison de l’image à Paris. Le scénario de ce court-métrage a fait l’objet d’une publication dans un numéro spécial de la revue Avant-scène. Des adolescents l’ont écrit, pendant un stage de cinéma, en s’inspirant de l’univers d’Almodovar. Ce Monsieur Mouftakir nous fait honte. Honte aux plagiaires et au Centre cinématographique Marocain qui a financé cette escroquerie.

  • عراقي العابد
    الثلاثاء 15 مارس 2011 - 21:50

    مفتكر مبدع جقيقي و أنت محب حقيقي للسينما. أقرأ لك دائما للمتعة أولا و اقتساما لحب الفن السابع

  • ahmed33
    الثلاثاء 15 مارس 2011 - 21:52

    au niveau techniq c etai un film bien reussi; pour scenario je pense qu il est expectionnel dans l’histoire du cinema marocain malgré qq petites lacunes..et pour les acteurs je salue tres fort Majdolin, la grande Saadia Ladib qu j ai pas reconnue; et surtout les trois enfants.

  • hamada
    الثلاثاء 15 مارس 2011 - 21:48

    C POUR MR NOM AU PLAGIAT JE VOULAIS JUSTE TE DIRE QUE LA VOUS ETES SUR LE BORD DE DIRE NIMPORTE QUOI ,TU DIT PLEIN DE CHOSE SANS ETRE BASEE SUR QUELQUE CHOSE CE FILM EST TRES RESPECTEE DANS LA VUE DES VRRAIE CINEASTE ET PASSE UN PETIT SALUT DE MA PART A VOTRE CENTRE CINEMATOGRAPHIQUE

  • cinephile
    الثلاثاء 15 مارس 2011 - 21:58

    Un autre film qui nous demasque le talent de plagiarisme dont souffre les cineastes marocains. Le film vole du Bergman, du Polanski chinatown) et du BenJelloun ( (la nuit sacree

  • سليم الهردة
    الثلاثاء 15 مارس 2011 - 21:56

    لقد حدثني احد المتتبعين عن الطروف التي سلمت فيها الجائزة ببوركينا فاسو..ومن كان وسيطا..لا داعي للدخول في التفاصيل ..وقد طلم فيلم الجامع للداوود ولاد السيد

صوت وصورة
مطالب بفتح محطة ولاد زيان
الأربعاء 20 يناير 2021 - 15:33

مطالب بفتح محطة ولاد زيان

صوت وصورة
منع احتجاج موظفي التعليم
الأربعاء 20 يناير 2021 - 13:32

منع احتجاج موظفي التعليم

صوت وصورة
أسر تناشد الملك محمد السادس
الأربعاء 20 يناير 2021 - 10:59 4

أسر تناشد الملك محمد السادس

صوت وصورة
"قرية دافئة" لإيواء المشردين
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 22:30 5

"قرية دافئة" لإيواء المشردين

صوت وصورة
فن بأعواد الآيس كريم
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 21:40 1

فن بأعواد الآيس كريم

صوت وصورة
مشاكل دوار  آيت منصور
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 18:33 1

مشاكل دوار آيت منصور