الإصلاح الديني وبلدان الربيع

الإصلاح الديني وبلدان الربيع
السبت 15 فبراير 2014 - 12:54

شكل تقديم طلبات من ثلاثة بلدان إلى المغرب، هي تونس وليبيا وغينيا، من أجل تكوين أئمتها، مفاجأة حابلة بالدلالات السياسية والدينية. فإثنان من هذه البلدان حققا ثورتهما الربيعية قبل ثلاث سنوات، على التفاوت بينهما، وواحدة منهما ـ هي تونس ـ تعتبر اليوم البلد العربي الوحيد الناجي من الاقتتال بين أبناء الوطن الواحد من أجل الانتصار على جبهتين: جبهة الاستيلاء على السلطة، وجبهة تأويل الثورة. ولو صح عدم التسرع في إطلاق العبارات بدون مسؤولية لقلنا إن تونس اليوم هي البلد الوحيد الذي يسير في طريق الثورة بالفعل، وإن الأيام المقبلة هي التي ستؤكد ذلك، باعتبار أن الثورة ليست هي إسقاط نظام حاكم، بل اجتراح تجربة في الحكم لم تكن موجودة معه.

أما غينيا كوناكري، فهي بلد إفريقي يتكون من مسلمين ومسيحيين، حيث يشكل المسيحيون فيه نسبة تقارب العشرة بالمائة، وكونه يقدم طلبا إلى المغرب من أجل تكوين أئمته يعتبر شهادة تزكية للنموذج المغربي في مجال تدبير الشأن الديني، وربما يعول الغينيون على الجانب المتعلق بالتسامح الديني مع الطائفة المسيحية هناك، بالرغم من أن البلد لم يشهد اقتتالا بين المسلمين والمسيحيين كما حصل في بعض البلدان الإفريقية الأخرى المتنوعة النسيج الديني.

لكن المفاجأة الثانية تتمثل في أن بلدا مثل تونس يطلب تكوين أئمته من طرف المغرب. هذه نقطة مهمة تستحق أن تقرأ جيدا. فالمعروف أن تونس توجد بها واحدة من أكبر ـ أو أقوى ـ الحركات الإسلامية، ممثلة في حركة النهضة، وقد كانت هذه الحركة نموذجا لبعض الحركات الإسلامية في المنطقة بالخصوص، حتى بالنسبة لبعض الإسلاميين المغاربة، بالنظر إلى حيز الاعتدال في خطابها السياسي ولاجتهاداتها السياسية التي كان بعضها غير مسبوق في السنوات الأخيرة، خاصة بعد انتقال رئيسها راشد الغنوشي إلى لندن فرارا من النظام السابق. وتؤكد المبادرة التونسية تجاه المغرب أن الحركة الإسلامية التي تمتلك “مشروعا” للحكم لا تتوفر بالضرورة على مشروع لتدبير المجال الديني داخل البلد، وأنها حتى لو كانت تتوفر على مثل هذا المشروع ـ نظريا ـ فإن ذلك يمكن أن يكون محل اختلاف بين الفرقاء السياسيين والدينيين في الداخل، لأن تدبير المجال الديني المرتبط بقضايا الدعوة والخطابة في المساجد يتطلب قدرا كبيرا من الحياد. وأعتقد أن هذا واحد من الدروس الكبار التي تقدمها مرحلة ما بعد الربيع العربي، وهو خطورة ذلك التمفصل بين الخطاب الديني في السلطة والخطاب الديني في المجتمع.

ويبدو أن حركة النهضة التونسية ـ التي مهرت كثيرا في الاستفادة من دروس الآخرين ـ قد أفادت من التجربة المصرية خلال مرحلة حكم محمد مرسي والإخوان المسلمين. ذلك أن مصر كانت قد عاشت بعض المشكلات نتيجة ذلك التمفصل المشار إليه، بعدما أثارت هيمنة المحسوبين على الإخوان في المنابر والمؤسسات الدينية حفيظة فئة الخطباء، والعلماء مما أدى إلى ظهور تكتلات متضادة داخل المجتمع، ونشأة الصراع بين من يملك السلطة ومن يملك المنبر، وهو ليس صراعا بسيطا، ولكنه واحد من المعضلات الكبرى التي واجهها الإسلام المعاصر وسيواجهها في السنوات المقبلة بشكل أكثر حدة.

بالنسبة لهذه البلدان يمثل المغرب نموذجا ناجحا في تدبير مجاله الديني، وبينما توجه انتقادات بالداخل لهذه السياسة غير المكتملة فإنها على صعيد المنطقة باتت اليوم تجربة جديرة بالتقليد والمتابعة. بيد أن إحدى أهم مقومات هذا النجاح لدى هذه البلدان هو أن المغرب يتميز بوجود مؤسسة تعتبر بمثابة مرجعية مستقرة تضمن عدم تداخل النماذج الدينية وعدم صراعها، وهي إمارة المؤمنين. وبعد تجربة مالي، التي شرع المغرب في تكوين أئمة منها، يمكن للمغرب أن يربح كثيرا، وأن يتحول إلى نموذج للاعتدال الديني. فمنذ تفجيرات شتنبر2001 تراجع النموذج السعودي، حتى داخل السعودية نفسها، وبعد الربيع العربي تراجع النموذج المصري، لأن المجال الديني في مصر تحول إلى مجال سياسي، وحصل التداخل بين المجالين بشكل كبير، بسبب طبيعة المرحلة، ورغم المحاولات التي بذلها الأزهر بعد ثورة 25 يناير 2011 لكي يعود إلى الواجهة مجددا بعد عقود طويلة من الجمود، لم يفلح في أن يتحول إلى نموذج للتدين المعتدل، بسبب الاختراقات الكثيرة من مختلف التيارات الدينية المتصارعة، لذلك هناك الآن غياب للنموذج في المجال الديني في المنطقة العربية.

‫تعليقات الزوار

7
  • mourad
    السبت 15 فبراير 2014 - 14:31

    لا فائدة من استعارة النموذج المغربي في تدبير الشأن الديني لانه ليس نموذجا مرتبطا بالعلماء بل بطبيعة النظام، فبما أن الدول الاحرى لن تقبل إمارة المؤمنين أو المخزن فلن تنجح عندها سياسة المغرب

  • ايت صالح
    السبت 15 فبراير 2014 - 15:56

    المغاربة
    بشهادة الكثير من الاجانب ومن ثقافات مختلفة
    يميلون إلى الاعتدال واللاعنف
    سواء داخل بلدهم أو خارجه
    وطبعا ذالك لا يلغي أن فيهم قتلة وظلمة و..و..
    ما لا يطاق في المغاربة أشياء طارئة مثل :
    نعرة التكفير لدى بعض المتدينين
    نعرة التعصب لدى غلاة الامازيغ
    نعرة العصرنة الممزوجة باحتقار الاخرين
    وبشكل عام وجامع هذه النعرة التي ترى نفسها هي الوطن كل الوطن
    وما دونها سراب وأوهام وضلال
    فلا عظمة دين أحسسناها
    ولا روعة ثقافة أمازيغية شعرنا بها
    ولا عصرنة أدركنا عمق قيمتها
    التحدي الكبير هو أن ندرك هذه العناصر في حدودها بلا تشنج ولا تعصب ولا استكبار

  • محسن
    السبت 15 فبراير 2014 - 17:13

    بما أن المغرب بلد مستقر شعبا وحكومة ،وبشهادة الكثير داخل البلاد وخارجها فهذا يضمن الاستمرارية والمضي قدما بما يريح الشعب المغربي في المستقبل لاسيما وان أحسنت الحكومة التصرف مع الربيع العربي. باستغلال الفرصة خصوصا في الجال السياحي.وارجو أن تثير هذه النقطة المسؤولين على المجال السياحي

  • مصطفى الديني
    السبت 15 فبراير 2014 - 18:24

    من الأشياء التي يحتار المرء في فهمها أن أغلب الدارسين
    المغاربة يحملون الدين الرسمي أكثر من قيمته الحقيقية ،
    فمثلا يربطون الإستقرار بمفهوم أمير المؤمنين الذي لا يترك
    أحدا يزاحمه في مسألة الإمارة ، لكن الملاحظ ان هذا لا يتأتى
    إلا بوسائل القمع والإستخبار والردع .
    عند التدقيق الدين (الرسمي ـ النخبوي ـ الشعبي ) لا يقدر على
    خلق الإستقرار لإن حركة التاريخ يتحكم فيها التنافس بين
    الهيئات والطبقات المنتجة .

  • jaye.com
    الأحد 16 فبراير 2014 - 12:59

    المطلب هو اعادة النظر في الخطاب الديني .
    ليس هناك اخلاق دينية في المغرب والدليل نسبة الامية واوضاع الشعب المترجح بين البطالة ومفاسد الاخلاق فالدين اخلاق وعلم وعمل وعبادة وسمو ولا يتمشى هذا مع مايشاهد في المغرب من التناقض وهذا دليل على ان الخطاب الديني في المغرب لا يفي بما هو مطلوب منه من الجهد والاجتهاد في سبيل تخليق الحياة العامة ونحسين صورة الوطن والمواطن .

    والكلام عن الاعتدال الديني في المغرب خدعة الغرض منها التستر عن الواقع الذي يراد به طمس هويته الاسلامية ويفضح ذلك العجز الذي اصاب المناهج التي اعتمدتها الدولة كتجاريب حاولت الخروج منها بنمودج يضمن لها التوازن بين المركزية واللامركزية بذلك يكون التكوين الذي سيسوقه المغرب لهذه الدول هو خطاب عبارة عن اطار مجوف لا صورة تلائم حجمه غير النفاق والاستغلال الديني لسياسة الاستبداد التي انتجت حتى اليوم مجموعة من نمادج القاعدة و داعش .

  • ادم
    الأحد 16 فبراير 2014 - 17:53

    اولا المغرب ليس فى المخطط لدخول مايسمى بالربيع العربى ولان الربيع هدفه هو تفكيك وتدمير واستعمار البلاد التى دخل فيها الربيع ولان المغرب ليس فيه خوف على اسرائيل ووجود اليهود بالمغرب يجعل المغرب ارض تابعه لارض اليهود فلايوجد منه خوف على اليهود ثانيا الاسلام فى المغرب هش ويتيح عندكم كل شئ فعندكم عيب فقط ولايوجد حرام فمثلا يوجد فى الجريده شاب مسلم عمل فيلم عن تجربته المثليه وهذا يمثل تقريبا اغلب شباب المغرب فتونس تحتاج الى مايشبه هذا الشباب وثالثا لان المجوس سيطروا على تونس واصبح غالبيه اهل تونس شيعه وحكومه المغرب تابعه للشيعه وفصيل منهم وهذا سيظهر للعلن قريبا وقد نفذوا اولى خطواته بالاتحاد مع ايران وهى راعى تشييع عالمنا المسلم فمن قبل تعاهد معهم مرسى الكلب وجماعه الاخوان المتمسلمون وبن كيران تابع للاخوان وحركه الشيعه المجوسيه فاستبشروا من هذا اهل المغرب فالمجوس قد تمكنوا منكم وفى العام القادم سيعلنوا الشيعه اذانهم الشهير وسيعلنوا احتفالاتهم كما فعلوا فى الجزائر فلو حصرتم كم عدد الشيعه فى المغرب ستتاكدوا من سيطره ايران على اهل المغرب وسيحاسب الله فقهاء الاسلام السنى فى المغرب على هذا

  • Ahmed52
    الأحد 16 فبراير 2014 - 20:31

    – لا يوجد دين من الاديان ، خصوصا السماوية التي نعرفها جيدا، يقبل بالدين الاخر. كلها مصدر الصراعات والحروب من الحروب الصليبية الى محاكم التفتيش الى الفتوحات باسم الاسلام الى طرد المسلمين واليهود من بلاد الاندلس.
    – هناك شعب الله المختار لا يعترف بالمسيحية ولا بالاسلام وكدلك المسيحية لا تعترف بالاسلام ويتناحرفيها البروطيسطان ولالارطودوكس فيما بينهم.
    اما الاسلام فيعتبر كتب اليهودية والمسيحية مزورة، وسنته وشيعته يتقاتلان صباح مساء.
    – مشكلة الاديان اصلها التخلف والجهل والانتماء العصبي لعقيدة تلغي الاخرى لمصلحة في نفس يعقوب.
    لم تعر الكنيسة اهتماما لكرامة الانسان ولحريته وحقوقه الطبيعية في الحياة الكريمة الا بعد تحرك الفلاسفة واهل العلم في اوروبا. اما وان تقول بان الخطاب
    الديني المغربي، نموذج في المجال الديني في المنطقة العربية، فهدا فيه كثير من المحابات والمغالطات.
    اما تكوين اءمة في المغرب لاصلاح داة البين بين المسلمين انفسهم وغيرهم من الديانات الاخرى في بلدان افريقيا والعالم الاسلامي فهدا درب من الخيال.
    واخيرا هدا المقال تصدق الاجابة عنه في المثل الماثور: "وهل يصلح العطار ما افسده الضهر"؟.

صوت وصورة
إيواء أشخاص دون مأوى
الأحد 17 يناير 2021 - 10:30 4

إيواء أشخاص دون مأوى

صوت وصورة
الطفولة تتنزه رغم الوباء
السبت 16 يناير 2021 - 22:59 4

الطفولة تتنزه رغم الوباء

صوت وصورة
حملة للتبرع بالدم في طنجة
السبت 16 يناير 2021 - 22:09 1

حملة للتبرع بالدم في طنجة

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 8

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 11

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 9

مؤتمر دولي لدعم الصحراء