الإفلاس السياسي

الإفلاس السياسي
السبت 18 ماي 2013 - 14:59

إن أول ما ينبغي أن تسعى إليه الأحزاب السياسية عموما والحزب الحاكم خصوصا هو أن تنشر الأمل بين عموم المواطنين، وتشير إلى ما يمكن أن تحققه، وتواجه المشاكل التي تعترض ذلك بحسم وحزم. لكن الإنجاز الوحيد للحكومة الحالية في المغرب هو أن تكتشف ما كان باديا للعيان ويراه أبسط المواطنين، وتصرح بأن هناك من يعرقل الإصلاح، أو يسعى بنشاطٍ إلى إفشاله من دون ذكر أسماء الأشخاص أو المؤسسات التي تقف وراء ذلك. فأرض الحكم ينبغي تمهيدها واستصلاحها قبل مباشرة الحكم.

فالإصلاح لا يفشله معارضو الإصلاح بقدر ما يقوضه السياسي المتردد والعاجز والمتأرجح بين البدء في الإصلاح واستكماله أو الانسحاب عند أول مواجهة. فالسياسي الذي ترتعش يده حين تتحسس ملفات الفساد التي ينبغي أن يبث فيها يجب أن يبتعد عن السياسة. لكن حين تعز الأفكار، تكثر الأعذار.

والمواظبة على التفكير السياسي السلبي وربط التعثر بالآخرين هي الدفاعات الرئيسية التي تلجأ إليها الحكومة الحالية لتتحلل (تتطهر) من المسؤولية في تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتلصق ذلك بقوى خفية لا تراها إلا هي. وهذه القوى غير المرئية التي تعمل في الظلام على كبح الانتقال الديموقراطي ليست سوى ذريعة تبرر بها الحكومة رسوبها في امتحان الحكم.

فهذا الأخير يختلف كثيرا عن تمارين المعارضة. ففي المعارضة يسهل اكتشاف عيوب الحكم أو اختلاقها وانتقاد السياسات الاقتصادية والاجتماعية، لكن المرور من النقد إلى إبداع الحلول هو ما يميز السياسي الحقيقي عن من يمتطي فرس السياسة من دون أن يكون قادرا على سوسه. لذلك ترى رئيس الحكومة في لحظات يأسه وتوتره يعلن بأن حزبه لا يستطيع تحقيق ما وعد به ناخبيه لأن هناك أشباحا رابضة في دواليب الحكم تشوش على مسيرة الانتقال الديموقراطي وعمليات الإصلاح.

لكن الحكومة تدرك أن الأفكار التي تقترحها للخروج من الركود الاقتصادي غير مناسبة وغير فعالة، وتقاوم الإقرار بفشلها، وتربط ذلك لا شعوريا بصراعات سابقة. فحزب العدالة والتنمية (في نسخته الحركية) واجه في السابق المنع السياسي، ثم انتقل إلى المشاركة المحدودة والمشروطة قبل أن يُسمح له بالانخراط الكامل في الممارسة السياسية التي انتهت بفوزه في الانتخابات ثم الحكم.

وتحولت ذكريات الماضي إلى هواجس لاشعورية تقفز إلى وعيه متى اصطدم بواقع تدبير الحكم. ولما كان يواجه في الماضي أشخاصا ومؤسسات الدولة لكي يحصل على الشرعية، صار الآن يسترجع هذه الصراعات، لاشعوريا، ويحولها نحو أشباح في غياب أشخاص أو مؤسسات حقيقية يلقي عليها عثراته وقلة حيلته في تدبير الشأن العام. لذلك ينبغي أن تحل الحكومة الحالية المقاومات (استيهامات بأن هناك من يريد إفشال تجربتها) التي تتخفى وراءها، وتعترف بأن الوصول إلى الحكم شيء والنجاح فيه شيء آخر مختلف تماما. فإقناع الناخبين بالتصويت لك في المرة الأولى لا يعني أنك ستنجح في استمالتهم في الانتخابات المقبلة مكتفيا بأن تردد على أريكة الحكم أن الأشباح تطاردك أينما عملت يداك على الإصلاح والترميم وإطلاق أوراش التنمية.

فالمواطنون يحكمون على النتائج وليس على مبررات الفشل. لقد أخفقت الحكومة حين انبرت لمقارعة الأشباح، وتركت المواطنين يواجهون مصيرهم. وبينما كان من الأجدى أن تتحفز لمحاربة الفقر وتفكك النظام التربوي وشح الخدمات الاجتماعية، تتهافت الحكومة الحالية على ذكر المثبطات والعراقيل التي تعترضها. ولعل التأويل الصحيح لهذا السلوك المرضي في ممارسة الحكم هو فقدان التحكم في الواقع وصعوبة التعامل معه والانفصال عنه، لذلك انكفأت الحكومة على ذاتها وبدلا من أن تبحث عن علاج للمشاكل المتنوعة التي يواجهها الوطن والمواطنون فقد استسلمت وتركت الأوضاع تتفاقم والأزمة تستشري وبدأت العويل والبكاء حتى قبل ان تكمل سنتها الأولى في الحكم، إذ أدركت أنها خسرت رهان التنمية بعد أن أضاعت رهان اجتثات الفساد الذي وعدت به الناخبين.

فالنوايا الحسنة في الإصلاح لا تكفي، بل يجب أن تواكبها الأفكار المناسبة التي تجعل هذه النوايا حقيقة وليس أوهاما تباع للمواطنين. إن السياسي الفاشل ليس هو فقط السياسي الفاسد الذي يسعى وراء مصالحه، بل أيضا السياسي العقيم وإن كان نزيها وعفيفا. فالحكومات في جميع الدول لا تأتي لتستريح على الكراسي الوثيرة وتغط في نوم عميق إلى أن تتراءى لها الأشباح، بل تأتي لتحاول التغيير نحو الأفضل وتترك بصمة إدارتها للقطاعات المختلفة. فالحكم سواء في الدول الديموقراطية أو المنتقلة إلى الديموقراطية ليس نزهة بل تحديا تسعى الحكومات إلى ربحه.

لذلك ينبغي أن يشيح رئيس الحكومة بناظريه عن الأشباح التي تتهيأ له، وينظر إلى أشباح الواقع التي تتجسد في انهيار الاقتصاد والبطالة وتراجع الاستثمار وتدني مؤشرات التنمية. فهذه هي الأشباح الحقيقية التي ينبغي أن يتعامل معها. وربما كان عجزه أمامها هو الذي يدفعه إلى أن يفر منها مستعيضا عنها بأشباح من صنع خياله. وربما يكون الشبح الحقيقي هو هذه الحكومة التي ستنقضي ولايتها من دون أن تترك أثرا، ولن يتذكرها أحد لأنها أتت واختفت كالأشباح التي نراها مرة واحدة.

‫تعليقات الزوار

5
  • زكرياء
    السبت 18 ماي 2013 - 15:28

    احيي صاحب المقال على مجهوده الفكري غير انني اجد نفسي مضطرا للاختلاف معه لانه ينطلق من اعتبار ان المغرب انتقل مباشرة الى مصاف الدول الديمقراطية وان ثقافة سيادة القانون والمؤسسات غير قابلة للنقاش وان هناك فصل بين السلط بل هناك كذلك سلطة رابعة توفر المعلومة …
    نحن في مرحلة بناء هذا العالم الذي نحلم به جميعا وفي انتظار تحقق الحلم لا بد من الاشارة الى من يشوشون على الحلم وهذا ما يفعله حزب المصباح بحيث يسلط الضوء على مراكز مقاومة الاصلاح كما سماها السي عبد اليوسفي الذي نحييه بهذه المناسبة على نزاهته وبعد نظره …

  • الشريف
    السبت 18 ماي 2013 - 20:20

    فالنوايا الحسنة في الإصلاح لا تكفي، بل يجب أن تواكبها الأفكار المناسبة التي تجعل هذه النوايا حقيقة وليس أوهاما تباع للمواطنين. إن السياسي الفاشل ليس هو فقط السياسي الفاسد الذي يسعى وراء مصالحه، بل أيضا السياسي العقيم وإن كان نزيها وعفيفا. إنتهى كلام الكاتب .

    حنا بعدا تكفينا غير تلك النية الحسنة … يستشف بل و يشم من تحليلك تحامل واضح ضد نزاهة و عفة رئيس الحكومة و وزرائه … هدا ما يزعجكم أيها …. سيكشف إن لم تستحيوا ليس فقط عن العفاريت و التماسيح بل عمن يقف ورائهم كدلك … للأسف لأن أغلبهم و أكثرهم و أخطرهم من داخل " الحلف" نفسه أصحاب المصالح المتراكمة مند الإستقلال المنقوص …
    المخرج الفعال و الجدري أي " آخر الدواء الكي " كما يعرف الجميع هو الدهاب لآنتخابات برلمانية سابقة لآوانها …

    أيها الزعيم النزيه و الزهيد : ما تزيد مع شباط و لو خطوة واحدة , وإلا بغاوه المغاربة ، فدلك شأنهم …سالينا.

  • hassan
    الأحد 19 ماي 2013 - 23:37

    مقال جد رائع تحليل منطقي وواقعي وصائب..جزاك الله خير..لقد عبرت يا أخي على كثير ما في صدورنا..

  • abdou
    الأحد 19 ماي 2013 - 23:51

    وما جعالنا لبشر من قبلك الخلد أفئن مت فهم الخالدون؟ كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير وإلينا ترجعون…فالإيمان باليوم الآخر ولاطاعة لمخلوق,فالرجل السياسي الشجاع الذي ورائه ,قوم من كل فئات المجتمع ساندوه وسيبقون مخلصين له و يكونون الحصن الحصين لكل من هب ودب للاقتراب منه او مسه في كرامته :عليه أن يواجه المفسدون دون خوف وإلحاق الضرر بهم كما ألحقوه بهذا الوطن وبأبناء شعبه في كل الميادين:الصحة .التعليم ,السكن, العمل………………..حتى يتذوقوا مرارة العيش , لأننا صرنا في هذا الوطن الحبيب عبيدا وجواري لهم ولأبنائهم وبناتهم وأحفادهم من أجل البقاء حيا,الأصح ميتا واقفا خادما مطيعا كاتما للأذى الذي يلاحقك حتى في قبرك….الامل الوحيد الذي لذينا هو انتظار الرجل المناسب لهذا المنصب لكن أخشى من الوالي الذي أمر بإعدام قاتل أخي أن يأمر بإعدامي لأني طويل……….

  • guitaoui
    الأحد 19 ماي 2013 - 23:55

    je felecite l auteur de cet article qui a pu nous presenter une analyse reelle de la sitution politique qu on peut qualifier de l absurdite politique qui reste loin de toute professionalidme et resulte du manque de k experuence du gouvernement islamiste et aussi de l incompetence de certains ministres.

صوت وصورة
اعتصام عاملات مطرودات
الخميس 21 يناير 2021 - 19:40

اعتصام عاملات مطرودات

صوت وصورة
مشاكل التعليم والصحة في إكاسن
الخميس 21 يناير 2021 - 18:36

مشاكل التعليم والصحة في إكاسن

صوت وصورة
منع وقفة مهنيي الحمامات
الخميس 21 يناير 2021 - 16:39

منع وقفة مهنيي الحمامات

صوت وصورة
احتجاج ضحايا باب دارنا
الخميس 21 يناير 2021 - 15:32

احتجاج ضحايا باب دارنا

صوت وصورة
توأمة وزان ومدينة إسرائيلية
الأربعاء 20 يناير 2021 - 21:50

توأمة وزان ومدينة إسرائيلية

صوت وصورة
منع لقاء بغرفة التجارة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 20:39

منع لقاء بغرفة التجارة