الاتحاد الأوروبي بين الوحدة والتفكك

الاتحاد الأوروبي بين الوحدة والتفكك
صورة: هسبريس
الأربعاء 3 مارس 2021 - 02:00

مر العالم والإنسانية معه بحروب وصراعات ونزاعات نتجت عنها انقسامات بين الدول. وكما لوحظ خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، تعرضت الدول الأوروبية لخسائر بشرية واقتصادية كبيرة. ولهذا، رأت أوروبا في التقسيم ضعفا وفشلا، واعتبرت أن الوحدة هي سر القوة والنجاح والسبيل إلى مواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية بعد الحرب.

ولأن السياسات والتحالفات الاقتصادية والاستراتيجية تتغير مع قانون التحول، خاصة بعد الحروب والصراعات، فإن الدول الأوروبية وجدت نفسها مجبرة على التوحد لكي تقلص من الصراعات الإقليمية وتخلق قارة قوية اقتصاديا وسياسيا وعسكريا من أجل مواجهة التحديات الجديدة. فعلى مستوى السياق العالمي، كانت الدول بمختلف القارات تبحث عن تكتلات إقليمية وجهوية تتجاوز بها المشاكل والصراعات الإقليمية والدولية.

نتيجة للتحول التاريخي الذي دفع الدول إلى اتخاذ استراتيجيات جديدة لمواجهة تحديات التعاون الدولي، تأسس الاتحاد الأوروبي بمقتضى معاهدة ماستريخت سنة 1992، واعتبرت هذه المعاهدة الانطلاقة الفعلية لهذه المُؤسسة الإقليمية. وأسهمت مجموعة من العوامل في هذا التأسيس، من بينها:

– الانتماء الى القارة نفسها أو وحدة العامل الجغرافي ودوره في تقريب الرؤى والأيديولوجيات.

– التاريخ السياسي والاقتصادي نفسه. كل الدول عاشت الحروب العالمية والإقليمية التي أدت إلى خسائر بشرية ومادية هائلة.

– تتقاسم الدول الأوروبية هوية وثقافة متشابهتين بعض الشيء.

أدت كل هذه العوامل وأخرى إلى تأسيس الاتحاد الأوروبي، ولكن السؤال المطروح اليوم، خاصة مع وباء كورونا الذي زعزع بعض ثوابت هذا الاتحاد، يتمثل في التالي: كيف يمكن تقييم الاتحاد الأوروبي بعد الأزمات الاقتصادية والمشاكل السياسية وكوفيد-19؟

يُعتبر الاتحاد الأوروبي من المؤسسات الإقليمية الناجحة عالميا، ويُشكل قوة اقتراحية وفعالة على المستوى العالمي. يعتبر كارنس ومنجست الاتحاد الأوروبي مؤسسة إقليمية أكثر فعالية مقارنة بمؤسسات إقليمية أخرى (2010). فالاتحاد الأوروبي يتأسس على مفهوم الاندماج (كارنس ومنجست، 2010)، إضافة إلى كونه لعب دورا في تقوية الدول المنتمية إليه. غير أنه كباقي المؤسسات الإقليمية الأخرى يتأثر بالتحولات الإقليمية والعالمية. وتُعد مجموعة من الأزمات، مثل أزمة اليونان وقضية اللاجئين وخروج المملكة المتحدة من الاتحاد وكوفيد-19، من أكبر الأزمات التي واجهت وما تزال الاتحاد.

فاليونان مقارنة مع دول أوروبية أخرى عانت من مشاكل اقتصادية جعلتها تخلق أزمات متعددة للاتحاد الأوروبي. رغم أن الدول الأوروبية ساعدت اليونان لكي تصبح من الدول الصناعية في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها لم تتمكن من ذلك. وقام الاتحاد الأوروبي في هذا الصدد بمنح اليونان مساعدة مالية لكي تتجاوز أزمتها. ولعلها أزمة وضعت الاتحاد في وضعية حرجة وصعبة عالميا، وجعلته أمام تحديات جديدة تدعوه إلى وضع استراتيجيات جديدة لجعل مؤسساته وقوانينه تتأقلم مع المستجدات في الأزمات، وإن كان قد وضع مساعداته لضمان استمرارية وحدته والحفاظ على هذه المؤسسة، ذلك لأن من معايير الاتحاد الأوروبي النهوض بمختلف الدول الأعضاء فيه. مع ذلك، كان على الاتحاد أن يتعامل مع أزمات الدول الأوروبية بطرق مختلفة. فاليونان كان وضعها صعبا من الأول، وهذا العجز كان يجب أن يعالج منذ البداية.

لقد عانى الاتحاد الأوروبي من مشاكل وأزمات هيكلية مع مرور الزمن. وظهرت هذه المشاكل مع أزمة اللاجئين وبريكست. فبعد “الربيع العربي” الذي عرف خروج شعوب بعض الدول العربية إلى الشارع للمطالبة بكرامة العيش وتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ارتفع إيقاع ظاهرة اللجوء إلى الدول الأوروبية بسبب توتر الوضع السياسي وعدم استقراره في دول الربيع العربي. فأصبح الاتحاد الأوروبي مجبرا على تحمل مسؤولية اللاجئين والعمل على إدماجهم بدول الاتحاد. ويظهر أن الاتحاد الأوروبي استطاع-إلى حد ما-أن يدبر هذا الملف سياسيا واجتماعيا. غير أن المشكل الحقيقي ظهر في كيفية إدماج اللاجئين في الدول الأوروبية. وهو الأمر الذي لم يتمكن الاتحاد-إلى حد ما-من تحقيقه، ذلك لأن التعامل مع قضية إدماج اللاجئين ظلت مقيدة في حلول محددة، دون أن يكون هناك إدماج حقيقي.

أثرت هذه الأحداث وأخرى في فعالية الاتحاد الأوروبي على المستوى الإقليمي والدولي، إضافة إلى خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي. فالبريكست غيَر وسيغير ملامح الاتحاد، والمملكة المتحدة كانت من الأعضاء الفعالة والقوية به، وكانت تعاني في الوقت نفسه من مشاكل مع أوروبا. وقد عبر عن ذلك “شاهرون ماليك” في مقاله بالعبارة التالية: “نحن مرتبطون ولكن لسنا مندمجين” (ص. 94، 2018). وخروج المملكة المتحدة قد يشجع دولا أوروبية على الخروج من الاتحاد الأوروبي. كما أنه سيضعف من التعاون الدولي في الاتحاد وسيهدد المعنى الحقيقي للمؤسسة الإقليمية والاندماج الإقليمي. وهذا من شأنه أن يخلق تحالفات جديدة قد تهدد تكتل الاتحاد الأوروبي.

تأثر الاتحاد الأوروبي بهذه المراحل التاريخية، وأعتقد أن استمراره بوصفه بنية استراتيجية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا تعمل على وحدة أوروبا، سيضطر معه إلى إعادة النظر في هياكله ومنظومته القانونية ورؤيته السياسية من أجل التأقلم مع المستجدات السياسية والاقتصادية وتطور تحديات العولمة، خاصة مع ظهور وباء كورونا الذي فضح واقع الاتحاد بعدما ترك بعض أعضائه مثل إيطاليا تواجه الوباء وحدها، ودفع الأوروبيين إلى فقدان الثقة في هذا التكتل.

إذا كانت الحروب والنزاعات الإقليمية تغير خريطة العالم، وتبني تحالفات وتكتلات سياسية واقتصادية وعسكرية من أجل مواجهة تحديات ما بعد الحروب والنزاعات، فإن وباء كورونا شكل وما يزال-بطريقة ما-حربا على صحة أغلب سكان العالم، ومنهم سكان الاتحاد الأوروبي، وفرض تحدياته على الاقتصاد والمجتمعات، وفضح هشاشة السياسة الصحية وقيم التضامن، فلا شك أن العالم مُقبلٌ على تحالفات وتكتلات جديدة تبني مصالحها على التحولات العالمية التي تدعو إلى مفهوم جديد للتعاون الدولي.

باحثة في العلاقات الدولية

الاتحاد الأوروبي تحالفات وباء كورونا

‫تعليقات الزوار

2
  • Hegel ):
    الأربعاء 3 مارس 2021 - 11:46

    “الانتماء الى القارة نفسها…” “تتقاسم هوية وثقافة متشابهتين بعض الشيء” ربما ننسى أن هذه أفكار روجها الاتحاد الأوروبي نفسه لأن أوروبا كما نُعَرِّفُهَا اليوم هي فكرة حديثة فتحديد أين تبدأ أوروبا و أين تنتهي جغرافيا كان متغيرا دائماً ماعلينا سوى النظر إلى حدود أوروبا الجغرافية كما رُسِمَت في القرن 19م و بدايات القرن 20م و سيظهر حينها جليا كم هي حديثة فكرة أوروبا اليوم. عدا عن الجغرافيا يصعب تحديد ماهي أوروبا؟ هل هي أوروبا الغربية؟ ماذا عن أوروبا الشمالية و الشرقية؟ هل اليونان دولة أوروبية مثلا ؟ أي شخص متعمق قليلاً سيجد فرقا شاسعا بين الإيطاليين و الألمان و الفرنسيين و الإنجليز….هم لا يتقاسمون هوية مشتركة لأنهم هم من يصنعون هوية مشتركة لهم الآن حتى توحي بأنهم “جسد واحد” . الحداثة و السياسة هي ماجمعهم لا الهوية “المشتركة” لا الدين….

  • هواجس
    الجمعة 5 مارس 2021 - 23:14

    عقل هو الجامع المانع لاروبا ، الوعاء الوحيد القادر على اذابة الاختلاف بين لثقافات وجعله سببا لضررورة وحدتها ، التنوع اللغوي والعرقي والثقافي بين شعوب اروبا لم يمنع من قيام وحدة سياسية واقتصادية بين دولها ، وجود تفاوتات في التنمية بين دول اعضاءه لا يلغي وجود تلك الوحدة ، لا احد يستطيع ان يقول ان اليوناني قبل اعلان الاتحاد كان افضل حالا من بعد اعلانه والانضمام اليه ، لقد تحسنت اوضاع العيش في دول جنوب اروبا بشكل كبير ….المدنية هي المشترك بين شعوب هذه الدول ، لا تستطيع ان تميز بين مدن دول الاتحاد في معزل عن معالمها التاريخية والفريدة ، نمط عيش متشابه ، نسخ طبق الاصل

صوت وصورة
منابع الإيمان: تعريف القرآن
الخميس 15 أبريل 2021 - 14:01 1

منابع الإيمان: تعريف القرآن

صوت وصورة
حياتي فالزنقة من آزمور
الخميس 15 أبريل 2021 - 13:01 8

حياتي فالزنقة من آزمور

صوت وصورة
إغلاق المساجد في رمضان
الخميس 15 أبريل 2021 - 00:39 17

إغلاق المساجد في رمضان

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والعنف
الأربعاء 14 أبريل 2021 - 22:00 14

بدون تعليك: المغاربة والعنف

صوت وصورة
سال الطبيب: الترمضينة
الأربعاء 14 أبريل 2021 - 19:00 8

سال الطبيب: الترمضينة

صوت وصورة
أساطير أكل الشارع: الأمين الحاج مصطفى
الأربعاء 14 أبريل 2021 - 18:00 15

أساطير أكل الشارع: الأمين الحاج مصطفى