الاستقطاب والتقاطب

الاستقطاب والتقاطب
الثلاثاء 22 أكتوبر 2013 - 14:00

قطعت الحكومة الحالية مسافة طويلة منذ تعيينها قبل عامين، لكي تصل في النهاية إلى التصالح مع الواقعية السياسية. فالحكومة الأخيرة المعينة أظهرت أن الفاعلين السياسيين باتوا يغلبون مبدأ التقارب على مبدأ التصارع المفتوح الذي لا يقود سوى إلى العقم السياسي، وأن الأصل في التشكيلات الحكومية بالمغرب أنها ترتكز على الاستقطاب، لا على التقاطب. لنوضح.

يقوم النظام السياسي في المغرب على عنصر”الخدمة”، فالحكومات هي خديم عند القصر كما هي خديم للمواطنين. وهذا يعني ـ علاقة بالفكر السياسي الأوروبي ـ أن الأحزاب التي تقود الحكومات بالمغرب هي أحزاب مفرغة من الإيديولوجيا أو المضمون السياسي المستقل. جميع الأحزاب لديها هوية إيديولوجية وهي في المعارضة، ولكن ما أن تصل إلى الحكم حتى تتخلى عن تلك الهوية الخاصة بها، لأنها تشتغل داخل إطار هوية أوسع هي هوية الدولة، فالدولة هي الكائن الأكبر الذي يبتلع الكائنات الصغرى ويذيبها بداخله.

وفي ظل عنصر الخدمة هذا، فإن وظيفة الحكومة هي أن تنفذ سياسات الدولة لا سياسات الحزب الذي يقود التجربة الحكومية. الشيء الوحيد الذي يسمح للحزب بأن يمتلكه وهو في وسط التجربة التنفيذية هو “الأسلوب” الخاص به في تنزيل برنامج الدولة، وليس البرنامج في حد ذاته. وباعتبار أن الأحزاب السياسية تصبح بدون هوية إيديولوجية وهي في السلطة، فإن جميع الأحزاب تصبح سواء فيما بينها، أما مهمة رئيس الحكومة فهي أن يسهر على التنسيق فيما بين مكونات حكومته بحيث يعمل على توحيد”الأسلوب” داخل فريقه الحكومي. ومن هنا فإن الآلية المعمول بها في تشكيل الحكومات هي الاستقطاب، لإكمال الأغلبية أو إدخال عنصر الفعالية في العمل الحكومي أو الانفتاح على الكفاءات التي قد تغني العمل الحكومي، وليس التقاطب، بمعنى تشكيل حكومة على أساس التقارب الإيديولوجي أو السياسي بين مكوناتها. فالاستقطاب خاصية العمل الحكومي، بينما التقاطب خاصية العمل الحزبي.

ويبدو من تشكيلة الحكومة الثانية ـ والبعض يراها حكومة جديدة ـ أن رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران بذل جهدا كبيرا لكي يصل إلى فهم آليات العمل الحكومي في المغرب، وأن يفهم الفرق بين منطق العمل الحزبي ومنطق العمل الحكومي. إن ما يثير الاستغراب حقيقة هو أن يتم التحالف بين حزب العدالة والتنمية وحزب التجمع الوطني للأحرار، وهما اللذان تبادلا الكثير من الاتهامات خلال الشهور الماضية، إلى درجة ساد الاعتقاد معها أن المصالحة بين الحزبين باتت في حكم المستحيل. بيد أن مثل هذا الاعتقاد لا أساس له، على ضوء التجارب السياسية السابقة التي أثبتت أن “المستحيلات” مستحيلة في الحياة السياسية المغربية. فقد تحالفت أحزاب الكتلة الديمقراطية داخل حكومة التناوب مع أحزاب ما كان يسمى بالوفاق الوطني، على الرغم من أن منطق الحياة الحزبية ـ خلال بداية التسعينات وحتى تشكيل الحكومة ـ كان يظهر استحالة مثل ذلك التحالف، ولكن آلية الاستقطاب قامت بهذا الدور، مقابل آلية التقاطب التي تقوم بدورها فقط على مستوى الصراعات الحزبية.

لقد أصبح التحالف بين حزبي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار ممكنا بناء على آلية الاستقطاب، وليس بناء على آلية التقاطب. ولو أن هذه الآلية الأخيرة هي المعول عليها في العمل الحكومي ـ وهو ما ليس موجودا ـ لكان التحالف قد استمر بين حزبي العدالة والتنمية والاستقلال، بسبب القرابة الإيديولوجية بين الإثنين. فالتحالف بين هذين الحزبين قد يصح وفق آلية التقاطب، بينما التحالف بين العدالة والتنمية والتجمع يصح وفق آلية الاستقطاب. وقد تغلبت آلية التقاطب بين حزبي العدالة والتنمية والاستقلال خلال معركة الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، التي وضعت في عهد حكومة التناوب برئاسة عبد الرحمان اليوسفي، فعلى الرغم من أن حزب الاستقلال كان واحدا من مكونات الكتلة الديمقراطية إلى جانب الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية ـ الذي وضعت الخطة بإشراف الوزارة التي كان يسيرها آنذاك ـ كما كان واحدا من مكونات الفريق الحكومي، إلا أن القرابة الإيديولوجية بين الحزبين غلبت مبدأ التقاطب على مبدأ الاستقطاب.

‫تعليقات الزوار

5
  • elmos lah
    الثلاثاء 22 أكتوبر 2013 - 16:19

    المعارضة في بلاد الغرب الديمقراطية غير المعارضة في بلادنا , بل قد لا تمت لها بصلة ربما لاختلاف المفاهيم والطباع والأمزجة والعادات والتقاليد وطرق التفكير. فمعارضتنا معارضة بمعنى الكلمة , نعارض الأبيض لأنه ابيض ونعلم أنه ابيض ولكن مادام خصومنا يرونه ابيض فإننا بدافع الأنانية السياسية نصر على إن نرى الأبيض اسودا ونعارض لدرجة الاشتباك بالأيدي كل من يراه غير دلك .
    حتى عندما نؤثث الحكومة بحضورنا الهزيل والباهت مع حلفاء سياسيين في تآلف كتآلف الثعالب مع الذئاب لا يجمع بيننا فيه إلا الابتسامة الصفراء ومصافحات بالأحضان تفوح برائحة النفاق والمكر السياسي, فإننا لا نتمالك أنفسنا عن معارضة رفاقنا في الحكومة , نبدي لهم غير ما نخفي من دعوات صادقة بأن يفل نجمهم و يخيب مسعاهم ,ونشعر بسعادة غامرة وبإحساس بالرضي يفوق شماتة المعارضين حينما يتعثرون في انجاز مشروع أو يفشلون في تنفيذ خطة ونبدي أسفا كاذبا وحزنا خادعا لنقنعهم بتضامننا معهم .كما نصطنع الابتسامة العريضة و

  • said
    الثلاثاء 22 أكتوبر 2013 - 16:55

    تحليل ينم عن فهم دقيق للوضعية السياسية في المغرب، مشهد سياسي هجين عرف الكاتب المحلل كيف يشرحه، المخزن في المغرب يستقطب الجميع، أما القطبية السياسية فهي للمزاحمة الانتخابية بين الاحزاب التي تتكالب على السلطة. شكرا للكاتب المقتدر على هذا المقال التحليلي، بعيدا عن التصنع والتكلف.

  • elmos lah
    الثلاثاء 22 أكتوبر 2013 - 16:57

    التشجيع الكاذب عندما يحققوا شيئا غير ذي قيمة . وقد نضطر إلى مغادرة مقاعد الحكومة الوثيرة ذات الكرم الحاتمي إلى مقاعد البرلمان المهجورة إلا من برلماني يغالب النوم حتى يسقط برأسه على المنضدة ولا يستيقظ إلا على مطرقة رئيس الجلسة وهو يهوي بها ليدعو الحاضرين القلة إلى التزام الصمت في قاعة فارغة أو تكاد. وما إن نجتاز عتبة مقر الحكومة حتى نبدأ في التبخيس من عمل الحكومة وتسفيه رئيسها والكيل له من الشتائم و الأوصاف القبيحة ما لم يقله جرير في الحطيئة . ونعترض على برامج وخطط وضعناها أو شاركنا في وضعها ونتراجع عن التزامات وتعهدات بصمنا عليها بأصابعنا العشرة, داعين للحكومة الجديدة بالويل والثبور وعظائم الأمور. ووصمها بالفشل الدريع وأعضاءها الجدد لم يجلسوا بعد على مقاعد لا تزال دافئة بحرارة أجسامنا المترهلة

  • AnteYankees
    الثلاثاء 22 أكتوبر 2013 - 17:39

    منطق عجيب :
    بعدما تقبل المعارضة لعبة الصناديق ولها هويتها الإيديولوجية و بعدها لا يمكنها الوصول بهويتها إلى الحكم حتى تتخلى عنها، للسبب أنها تشتغل داخل إطار الدولة الذي يبتلع الهويات الجديدة. نتيجة هذا المنطق فالدولة كائن جامد لا يتحرك وفي عالم الحياة هو ميت. و لماذا حريق الرأس مع الانتخابات وإهدار المال العام في الانتخابات قبلها و بعدها ؟؟؟

  • عن الدستور نتحدت
    الأربعاء 23 أكتوبر 2013 - 08:46

    الدستور هو الدي يحدد نوعية وظيفة الحكومة وتوزيع السلط بين هده الاخيرة والحكومة من جهة وبين مؤسسات الدولة ومدى استقلالياتها عن القصر او الرئاسة ،والدستور تكتبه الاحزاب السياسية والهيئات الاجتماعية ،لناخد متلا قضية الإسباني دانيال ،فهدا المشكل إبان عن ضرورة اعادة النظر في منهجية العفو بل ومأسستها وأخد هدا الخلل بعين الاعتبار عند تنزيل الدستور ،لان القصر وجد نفسه وحيدا في تلك الأزمة ،واحد أسباب دلك الخطأ،هو غياب رقابة قوية لمؤسسات الدولة مواكبة لتلك الإجراءات دات الطابع الاجتماعي وريتة الأعراف الملكية المغربية ،وهي تظهر ان استفراد القصر بالصلاحيات ليست في صالحه ،ولكن تخلي القصر عن هده الصلاحيات رهين بقدرة الاحزاب على تحمل المسؤوليات،والدستور الحالي هو دستور الاحزاب ،فهي التي حددت نسبة السلط ونوعية الإصلاحات ،ان تكون الاحزاب تابعة او حليفة دلك اختيارها وحقها لانه إطار عملها،وليس علينا نحن كأفراد الا ان نقبله او نرفضه في الاستفتاء ،ولقد أبانت قضية الصحراء ايضا ان تنزيل الدستور يجب ان لايكون متحفظا وان تتقاسم المؤسسات والحكومة المسؤولية مع القصر في كل القضايا،

صوت وصورة
الطفولة تتنزه رغم الوباء
السبت 16 يناير 2021 - 22:59 3

الطفولة تتنزه رغم الوباء

صوت وصورة
حملة للتبرع بالدم في طنجة
السبت 16 يناير 2021 - 22:09 1

حملة للتبرع بالدم في طنجة

صوت وصورة
عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب
السبت 16 يناير 2021 - 17:11 6

عوامل انخفاض الحرارة بالمغرب

صوت وصورة
جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال
السبت 16 يناير 2021 - 15:55 9

جولة ببحيرة الكاسطور في مونتريال

صوت وصورة
مؤتمر دولي لدعم الصحراء
الجمعة 15 يناير 2021 - 22:35 8

مؤتمر دولي لدعم الصحراء

صوت وصورة
قافلة كوسومار
الجمعة 15 يناير 2021 - 21:34 1

قافلة كوسومار