الاشكاليات الدستورية المرتبطة بإنقاذ المكتب الوطني للماء والكهرباء

الاشكاليات الدستورية المرتبطة بإنقاذ المكتب الوطني للماء والكهرباء
الإثنين 30 يونيو 2014 - 22:00

تثير قضية إنقاذ الحكومة للمكتب الوطني للماء والكهرباء العديد من الاشكالات القانونية والسياسية والاقتصادية، سيما وأن هذه القضية قد جاءت في ظل ظرفين متميزين على الأقل؛ الأول يتعلق بكون العملية قد جاءت بعد ثلاث سنوات على التعديل الدستوري السادس، أما الثاني، فيتّصل بكون عملية تدارك إفلاس (م.و.م.ك) قد جات في ظل ظرفية اقتصادية مأزومة. وبهذا نكون أمام قضية متشعّبة المداخل، بحيث يمتزج ما هو دستوري قانوني بما هو اقتصادي إجتماعي، دون إغفال الحضور السياسي. وبصرف النظر عن الملاحظات العديدة التي أبداها المهتمون بالشأن الاقتصادي، حيث سجّلوا بعض المآخذات على إدارة المكتب (و.م.ك)، وحمّلوها مسؤولية الخلل الذي حصل في تدبير هذا المرفق العمومي، فإن هناك جانبا قانونيا ينبغي التوقّف عنده في السياق هذا.

لقد جاء في البلاغ الذي أُعلِن من خلاله عن تدخّل الحكومة من أجل تدارك المشاكل التي أصبحت تتخبّط فيها إدارة المكتب الوطني، أن “رئيس الحكومة ترأس يوم 26 ماي 2014 بالرباط حفل التوقيع على العقد البرنامج بين الدولة والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب للفترة الممتدة بين 2014 و2017. وقد وقّع على هذا العقد البرنامج كل من وزير الداخلية، ووزير الاقتصاد والمالية، ووزير الطاقة والمعادن والماء والبيئة، والوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤون العامة والحكامة والمدير العام لـ ((م.و.م.ك)”. إذ يتضمن هذا العقد – من ضمن ما يتضمن – أن يتم دعم المكتب الوطني بحوالي 45 مليار درهم بين 2014 و 2017، وستتحمّل الدولة والمكتب حوالي 70 ٪ من هذا المجهود. وسيتحمّل المشتركون النسبة الباقية من خلال مراجعة تدريجية ابتداء من فاتح غشت 2014 .

فالواضح هنا، أننا أمام عمل حكومي محض، يتجلّى في تدخل حكومة من أجل إنقاذ أحد المرافق العامة التي تُشرف عليها. لكن هل الأمر الظاهر يعكس حقيقة الأمر من الناحية الدستورية والسياسية؟ وهل رئيس الحكومة ملزمٌ بالتدخل من أجل إنقاذ مؤسسة لا يحق له تعيين رئيسها؟ وأين تكمن مسؤولية البرلمان؟ وماذا عن ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ وما مصير الذين أوصلوا المكتب الوطني للماء والكهرباء لحافة الإفلاس؟

فإذا ما عمّقنا البحث في القوالِب الدستورية والقانونية، سيتّضح أن هناك عيوبا من هذه الناحية يجب تداركها، وأن إجراءات محاسباتية ينبغي سلكها. فالمعروف أن الدستور المعدل سنة 2011 وخلافا للفصل 30 من الدستور السابق، لم يختصّ المؤسسة الملكية بالتعيين في جميع الوظائف المدنية، وإنما حدّد ذلك بنصوص الدستور أو أحال على النصوص التنظيمية، ولم يستثنِ من ذلك أيّة مؤسسة أو وظيفة؛ فبالرجوع إلى النص الدستوري نجده يقرّر في الفقرة الأخيرة من الفصل 49 أنه يتم “التعيين باقتراح من رئيس الحكومة، وبمبادرة من الوزير المعني، في الوظائف المدنية لوالي بنك المغرب، والسفراء والولاة والعمال، والمسؤولين عن الإدارات المكلفة بالأمن الداخلي، والمسؤولين عن المؤسسات والمقاولات العمومية الاستراتيجية، وتحدد بقانون تنظيمي لائحة هذه المؤسسات والمقاولات الاستراتيجية”. أي أن الدستور حدد بالاسم المؤسسات التي يُعيِّن فيها الملك باقتراح من رئيس الحكومة أو أحال تحديد المؤسسات الاستراتيجية على القانون التنظيمي الذي يشرّعه البرلمان، فضلا عن الوظائف العسكرية والدينية التي مَنح الدستور حق التعيين فيها للملك بشكل متفرّد ودون اقتراح من رئيس الحكومة كما هو منصوص عليه في الفصلين 41 و42 من الدستور.

مما يعني أن اللجنة التي عيّنها الملك برئاسة عبد اللطيف المنوني، ورغم أنها حاولت تجاوز سلبيات الدستور السابق وأوكلت بالنص الصريح بعض المهام للملك، إلا أنها لم تذهب في محاولتها هذه إلى الحدود المطلوبة، وإنما جعلت بعض المؤسسات التي وُسمت بـ”الاستراتيجية” بأن تكون تحت إشراف الملك بعد أن يحددها القانون التنظميمي بالاسم. وبالفعل فقد أشرفت الحكومة من خلال أمانتها العامة على القانون التنظيمي رقم 02.12 المتعلق بالتعيين في المناصب العليا الذي جعل 37 مؤسسة عمومية من اختصاص المؤسسة الملكية، حيث يعين الملك رؤساءها الذين يرتبطون بمسؤولية مباشرة أمامه. ومن ضمن هذه المؤسسات نجد المكتب الوطني للماء والكهرباء الذي ترأسه منذ سنوات علي الفاسي الفهري. هذا المكتب الذي أعلنت الحكومة مؤخرا أنا تدخلت من أجل إنقاده، وهنا يُمكن تسجيل الملاحظات التالية:

أولا: كان على الحكومة أن تخبر الشعب المغربي لماذا أفلس المكتب الوطني للماء والكهرباء الذي قيل عنه أنه مؤسسة استراتيجية، ثم بعد ذلك تتم محاسبة مكتبه المسيّر وإقالة رئيسة إذا تبثت مسؤوليته أو تقديمه للمحاكمة العادلة؛

ثانيا: لماذا لم يُمارس البرلمان مهمته المتمثلة في تقييم السياسات العمومية بناء على ما يضمنه له الدستور من حقوق في هذا المجال؟ ولماذا لم يطالب “نواب الأمة” بتفعيل مسطرة المحاسبة في حق رئيس (م.و.م.ك) ؟ هل فهم السادة البرلمانيون أن هذه المؤسسة تقع ضمن المؤسسات الاستراتجية التي تدخُل ضمن اختصاص الملك يُمنعهُم من مساءلة مكتبه المسير؟

ثالثا: وبالتّبع، ومن خلال النقطتين السالفتين، فإن قضية المكتب الوطني للماء والكهرباء تجعل مطلب ربط المساءلة بالمحاسبة أكثر إلحاحا. فالحكومة ينبغي أن تكون مسؤولة عن جميع المؤسسات التنفيذية، حتى تتمكّن من تحمُّل مسؤوليةَ أي تقصير في هذا المجال. لأن ضمان إشراف الحكومة على السلطة التنظيمية برمتها يعني أن الحكومة ينبغي أن تُقدّم الحساب عن أي فشل يصادف المؤسسات العمومية.

والحساب لا يعني فقط تصريح حكومي أو إعتذار عن خلل، وإنما أن تتحمل الحكومة تقييم المواطن لها من خلال صندوق الانتخابات بعد انقضاء ولايتها. أما وأن توجد أكثر من 37 مؤسسة خارج المسؤولية الحكومة سواء من حيث تعيين رؤساءها أو محاسبتهم وإقالتهم إن اقتدى الحال، ومع ذلك تُطالَب هذه الحكومة بأن تتحمل المسؤولية عن فشل مكتب مسير لم يكن لها أي دور في اختياره أو مراقبته، فهذا يعني أن الحكومة فقط مسؤولة عن الخسائر أما الإجابيات فهي تُنسب لغيرها. فمثلا لو أن المكتب الوطني حقق نتائج إجابية فإن ذلك سيُسب إلى مكتبه المسير والجهات التي عينته. أما وأن الحكومة قد تدخّلت لإنقاذه من خلال تحميل المواطن تَبِعات هذه العملية فإن ذلك يُعرِّضُها للمساءلة على سياسة عمومية فاشلة لم يكن لها يدٌ في التأسيس لها أو تنفيذها.

إن غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة الانتخابية، سيؤدي إلى مزيد من الهُلامية. مادام المواطن لا يعرف من سيحاسِب على تقصير المكتب الوطني للماء والكهرباء؛ فهل يحاسِب الحكومة رغم أنها غير مسؤولة عن هذه المؤسسة باعتبراها من ضمن المؤسسات الاستراتيجية التي يشرف عليها الملك؟ أم تُحَاسَبُ الحكومة لأنها هي من منحت الملك صلاحيات تعيين رئيس المكتب الوطني؟ في الواقع لن يستطيع المواطن أن يُسائِل أي جهة، لأن الدستور المغربي لا يُجيزُ ذلك، إذ وزّع المسؤوليات بشكل لا يمكّنُ تحديد المسؤوليات. فلو كانت الحكومة مسؤولة عن كامل السلطة التنفذية لربما حُقّ للمواطن محاسبة رئيسها في الانتخابات المُقبلة أو إسقاط الحكومة حتى قبل الانتخابات.

إن هذا ما يسمى في الأدبيات الدستورية بـ “الملكية البرلمانية” حيث الملك لا يحاسَب لأنه غير مسؤول، وحيث أن الحكومة تُحاسَبُ لأنها تتحمل المسؤولية الكاملة. ففي اللغة لا يُعتبر المسؤولُ مسؤولاً إلا لكونه يُسأل عن أفعاله.

– باحث في القانون الدستور وعلم السياسة، المغرب

[email protected]

‫تعليقات الزوار

2
  • driss
    الإثنين 30 يونيو 2014 - 23:46

    بعدما كان م.و.ك رائدا في مجال الطاقة على الساحة اﻹفريقية وكان ينافس كبريات الشركات الفرنسية أصبح على حافة اﻹفلاس السؤال المطروح من أوصله إلى الهوية من له مصلحة في فسح المجال للشركات الفرنسية ﻷمتصاص دماء المغاربة .لو كنا في دولة ديموقراطية لا أسرعو في فتح تحقيق ومحاسبة المسؤولين وأقل ما يمكن فعله إقالته ﻷن قطاع حيوي ومهم من مؤسستها منهار وإلى حين ذلك الموطن سيدفع ثمن أخطاء المسؤول كل شهر وعلى أمد بعيد .

  • saad
    الثلاثاء 1 يوليوز 2014 - 15:24

    لتدكير الأخوة المواطنين، فالأفلاس يهم قطاع ا لكهرباء ….وليس قطاع الماء الصالح للشرب،حيث تم جمعهم لتغطية على السياسة الخاطءة للسي علي الفاسي

صوت وصورة
ستينية تقود "تريبورتور" بأزمور
الأحد 24 يناير 2021 - 16:20 7

ستينية تقود "تريبورتور" بأزمور

صوت وصورة
انهيار منازل في مراكش
الأحد 24 يناير 2021 - 15:32 8

انهيار منازل في مراكش

صوت وصورة
آراء مغاربة في لقاح كورونا
السبت 23 يناير 2021 - 15:41 23

آراء مغاربة في لقاح كورونا

صوت وصورة
أسرة تحتاج السكن اللائق
السبت 23 يناير 2021 - 14:52 9

أسرة تحتاج السكن اللائق

صوت وصورة
كروط ومقاضاة الداخلية لزيان
السبت 23 يناير 2021 - 13:31 11

كروط ومقاضاة الداخلية لزيان

صوت وصورة
محمد رضا وأغنية "سيدي"
السبت 23 يناير 2021 - 11:40 2

محمد رضا وأغنية "سيدي"