الاعتراف الأمريكي لا علاقة له بالتطبيع

الاعتراف الأمريكي لا علاقة له بالتطبيع
أرشيف
الأربعاء 16 دجنبر 2020 - 20:00

كل من يعتقد أن المرسوم الرئاسي الأمريكي الذي أصدره الرئيس دونالد ترامب، وأقر فيه بمغربية الصحراء يندرج فقط في سياق الدفع بالمغرب وإغرائه لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، فهو في هذا الاستنتاج واهم وسطحي في تفكيره وبعيد كل البعد عن التحليل الموضوعي والعلمي في فهم السياسة.

القراءات الجادة لا تقف عند حدود الشكليات التي تسم هذا القرار أو ذلك المرسوم، وإنما تتجاوز ذلك إلى نطاق أشمل يستحضر الحيثيات والظروف والملابسات ذات الصلة بالماضي والحاضر والمستقبل، ووزن الدولة في المحيط الإقليمي والدولي.

1 ـ مكانة المغرب وصحرائه في البعد الإستراتيجي الأمريكي:

حينما خرجت واشنطن بهذا القرار التاريخي، وهو بالفعل له علاقة بالتاريخ، فهي أرادت من خلال هذا المرسوم أن تسد الدين الذي ترتب في ذمتها منذ ما يزيد عن قرنين، والمتمثل في كون المغرب كان أول بلد يعترف بالولايات المتحدة، في عهد السلطان سيدي محمد بن عبدالله، كدولة مستقلة قائمة الذات، وفي بيئة دولية كانت فيها القوى الأوروبية، فرنسا وبريطانيا، تشكل رمزا للقوى العظمى في عالم القرن الثامن عشر. واعتراف واشنطن اليوم بمغربية الصحراء ليس وليد اللحظة ولا هو مرتبط بظرفية معينة، بل هو تتويج لمسلسل من العلاقات الإستراتيجية بين البلدين يجد فيها المغرب نفسه موضع اهتمام ونقطة ارتكاز كقوة إقليمية ضاربة، ولاسيما من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

ما يربط الرباط بواشنطن كفيل بتفسير هذا الاعتراف، الذي نراه ليس هدية ولا طعما كما يتوهم البعض. المغرب فرض نفسه على الجميع كقوة إقليمية تتسابق إليه وتشتري وده دول لها شأنها في هذا العالم؛ فحضوره القوي ومصداقيته يجعلان منه الحجر الأساس في الاهتمام الدولي به على مستوى معالجة القضايا المستعصية في المنطقة، التي تهدد الاستقرار الإقليمي للدول المجاورة وللأمن الدولي.

ولهذه الاعتبارات وضعت الولايات المتحدة الأمريكية المغرب في صلب اهتماماتها كحليف إستراتيجي؛ ففي عام 2004 أبرم معها اتفاقية للتبادل الحر، تشهد في ديباجتها على العمق التاريخي والصداقة العريقة القائمة بين البلدين، وعلى الرغبة في تعزيز العلاقات الثنائية بينهما، لاسيما في القطاع الاقتصادي. وتتجه اليوم واشنطن، تزامنا مع هذا الاعتراف، إلى استثمار ضخم في الأقاليم الصحراوية في مجال الطاقات المتجددة بملايير الدولارات. واختيار الأقاليم الصحراوية كفضاء للاستثمار الأمريكي يفند كل الادعاءات التي تشكك في هذا القرار التاريخي إلى جانب ما قد يضيفه فتح قنصلية أمريكية بمدينة الداخلة من ثقل سياسي في سياق هذا الاعتراف.

كما يندرج هذا القرار في سياق النظرة الإستراتيجية الأمريكية تجاه المغرب ومكانته الإقليمية، وهي نظرة تتميز بشموليتها في مجال التعاون العسكري بين البلدين. هذا التعاون تجلى في عدة محطات أهمها التدريب العسكري المشترك المغربي الأمريكي المعروف باسم “أسد إفريقيا”. وتعد هذه التدريبات من بين الأكثر أهمية في العالم بين الحلفاء.

وتبرز أهمية المغرب في هذا الشأن كحليف إستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية في مكافحة التنظيمات الإرهابية التي بدأت تزداد خطورتها بانضمام عناصر من عصابة البوليساريو إلى آفة الإرهاب الدولي، وأبرزها المدعو عثمان عبد المولى الذي ظهر مؤخرا في فيديو يهدد المغرب والمنطقة بالقيام بأعمال إرهابية بدعم من تنظيمات متطرفة تنشط في منطقة الساحل والصحراء، ما ينذر بتحول خطير يهدد الأمن الإقليمي والدولي.

ولعل هذه التطورات هي التي زادت من دور المغرب وموقعه الإستراتيجي في المنظومة الغربية والأمريكية، وهو بالخصوص ما دفع بالعديد من الدول إلى الاهتمام بجدوى المشاركة في هذه التدريبات بجنوب المملكة، من بينها كندا، وإسبانيا، وبريطانيا، والسنغال وتونس.
يذكر أن تدريب “أفريكان ليون” يندرج ضمن التدريبات الكبرى التي تنظمها بصفة مشتركة القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم” والقوات المسلحة الملكية، والتي تهدف إلى تعزيز مستوى التعاون والتكوين وكذا تبادل التجارب والخبرات بين مختلف المكونات العسكرية لكسر شوكة التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء الكبرى التي تحولت إلى “أٍرض الجيل الثالث لتنظيم القاعدة”، لتجعل من هذه المنطقة “أفغانستان جديدة”. ولذلك، حينما تقر واشنطن باعترافها بمغربية الصحراء فهي ذهبت في هذا المنحى لأبعاد إستراتيجية تفيد بمحورية الموقع الجغرافي للمغرب وعمقه الإفريقي انطلاقا من صحرائه في اتجاه غرب إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء الكبرى.

2 ـ استئناف المغرب علاقاته مع إسرائيل لخدمة القضية الفلسطينية وعملية السلام:

لا أحد بإمكانه أن يزايد على المغرب ولا على دوره الطلائعي والريادي في كل المسارات التي عرفتها منطقة الشرق الأوسط والإنجازات الكبيرة التي تحققت على يده بخصوص عمليات السلام التي كتب لها أن ترى النور بين إسرائيل والعرب. فلسنا بحاجة إلى التذكير بالأيادي المغربية البيضاء في ذلك الإنجاز التاريخي الذي تمثله معاهدة كامب ديفيد وغيرها، ولسنا كذلك بحاجة إلى أن نذكر بالدبلوماسية المغربية الهادئة التي لا تحب الظهور والتبجح الإعلامي من خلال اللقاءات السرية والعلانية بين المغرب وإسرائيل التي توجت باسترجاع أراضي عربية منها.

والدبلوماسية المغربية لا تريد أن تمن على أحد بشيء وتترك للتاريخ وللمستقبل سلطة الفرز والفصل بين الأطراف الجادة في خدمة الأمة وغيرها من الأطراف الأخرى.

واليوم حينما يقرر المغرب استئناف علاقاته الرسمية مع إسرائيل فلأن الأطراف المغنية بهذا النزاع في حاجة ماسة وملحة إلى أن يكون المغرب حاضرا؛ ولكي يتأتى له ذلك لا بد له أن يكون على مسافة واحدة مع جميع الأطراف لتحريك هذه المياه الراكدة. فحتى الولايات المتحدة الأمريكية، بقضها وقضيضها، لا بد أن تستأنس بذلك كما هي معنية بالحضور المغربي الوازن في عملية السلام. وهذا الحضور لا يتطلب رأس مال أو قوة اقتصادية مغرية لا يتوفر عليها المغرب أصلا، لكن رصيده مع الأطراف المعنية أكبر من تلك الحسابات.

رأس مال المغرب مصداقيته، ثقة الأطراف المعنية فيه، وما يميزه في هذا الباب هو أنه ليست له أي مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في هذا النزاع، وعلى هذا الأساس تتجدر الثقة فيه وتتعمق. أنا في هذا الشأن لا أنطق عن الهوى، شخصيا سمعت هذا الكلام من قيادات فلسطينية أثناء مزاولة مهامي في غزة.

ونؤكد لأولئك الذين يشككون في هذا التوجه المغربي أن الرد على ادعاءاتهم ستكشفه الأسابيع والأشهر القادمة، ليتبين لهم أن الحكمة المغربية قادرة على أن تعيد الحياة إلى مسلسل السلام والمفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين التي حنطت لسنوات خلت، وأن المغرب كبلد للحوار وللتعايش بإمكانه اليوم وبعد هذه الخطوة أن يستضيف الأشقاء الفلسطينيين والأصدقاء وإخواننا في المواطنة من الإسرائيليين لجسر المواقف كي تدب الحركة من جديد في عملية السلام التي يحرص المغرب على أن تفضي إلى حل نهائي ودائم يقوم على إنشاء دولة فلسطينية بجانب دولة إسرائيل.

ما يبرر كذلك اتخاذ المغرب لقرار استئناف علاقاته مع إسرائيل هو وجود طائفة يهودية مغربية مازالت تحتفظ بجنسيتها وبولائها له ولعرشه؛ فاليوم عدد أفرادها يناهز مليون نسمة، أي ما يقرب من 20 بالمائة من الشعب الإسرائيلي، وهي أكبر جالية مغربية في بلد واحد من بلدان العالم. هؤلاء مواطنون مغاربة تربطهم روابط روحية بجلالة الملك باعتباره أميرا للمؤمنين، مسلمين كانوا أم يهودا. فهذا الرابط لا وجود إلا في المغرب.. لهم معابدهم ولهم أولياؤهم الصالحون يزورونهم على مدار العام ويحملون لهم الذبائح في المناسبات الدينية. والعلاقات مع الإسرائيليين قائمة على الأرض بحكم التواصل الموجود. والمغرب من باب رفضه النفاق يعود اليوم ليعلن رسميا عن هذه العلاقات؛ فهم أبناؤه ولا أحد يجرؤ أن ينزع عنهم وطنيتهم وجنسيتهم لأنها علاقة شرعية بين الراعي والرعية.

واليوم آن الأوان لكي نذكر بأننا لم نكن نغرد خارج السرب في ما كنا ندعو إليه، ولا كنا نركض وراء سراب. فها هو الحاضر ماثل أمام الجميع، وما كنا نتوقعه نراه اليوم حقيقة تتحدث عن نفسها وسيتحدث عنها المستقبل بكل اعتزاز وافتخار لما سوف يقدمه المغرب في شخص جلالة الملك لخدمة القضايا العادلة في العالم العربي وفي القارة الإفريقية.

‫تعليقات الزوار

4
  • Amaghrabi
    الخميس 17 دجنبر 2020 - 13:43

    السلام عليكم استاط لحسن المحترم واقدر ذكاءك الجميل في سبق الاحداث بحيث تحقق كل ما كنت تدعو اليه وربما فاق كل التوقعات وكل التخمينات بحيث امنيتك كانت فقط الاعتراف بالدولة الاسرائيلية المعترف بها لان بالاعترف يزداد السلم والسلام وهو مصلحة الفلسطينين اولا واخير لان عشرات السنين من المقاطعة جعلت الشعب الفلسطيني الخاسر الاكبر ,واليوم والحمد لله جاءما لم يكن في الحسبان الا وهو الاعتراف الامريكي بمغربية الصحراء المغربية وهذه في الحقيقة هي نتيجة براكماتية الرئيس الامريكي الشجاع الذي لا يصبر ان يترك العالم يسير نحو الضياع وتبقى حالة الشرق الاوسط متأزمة الى الابد وثانيا حتى الاموال الطائلة التي تصرف سنويا على المنورسو سيستفيد منه في قضايا مهمة اخرى وهي تضيع لمدة اكثر من30سنة في التوافه وفي قضية ستبقى مستمرة بدون حل ان لم يفصل فيها المجتمع الدولي.ترامب رجل المهات الصعبة وصاحب المبادرات الايجابية من اجل السلم العالمي ,وهاهي الصحراء حرة تربح الاموال التي تعطى في السلاح وتربح الاستثمارات الامكريكية والاسرائيلية والاروبية ووو اليست ربح للامة المغربية وللجزائر ايضا

  • el nachir
    الخميس 17 دجنبر 2020 - 16:16

    لا علاقة، لكن تزامن فقط من لدن ترامب المحبوب! الذي إعترف سابقا بالجولان السوري وكذا القدس عاصمة ل…..، شكرا على النشر

  • salah
    الخميس 17 دجنبر 2020 - 18:40

    vive le sahara marocin vive l ametier maroc amercain vive le soutien du monde au sahara marocain le maroc a fait un grand march vere l avenir

  • خالد من هناك
    الجمعة 18 دجنبر 2020 - 18:03

    كم الثمن الدي دفع لك لتكتب هاته الاكاديب، الطل يعلم ان هاته صفقة توسطت فيها الامارات بين امريكا و المغرب لاقناع المغرب بالتطبيع.

صوت وصورة
"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد
الإثنين 18 يناير 2021 - 18:40 113

"أكاديمية الأحرار" لمنتخبي الغد

صوت وصورة
ساكنة تطلب التزود بالكهرباء
الإثنين 18 يناير 2021 - 16:50 1

ساكنة تطلب التزود بالكهرباء

صوت وصورة
الاستثمار في إنتاج الحوامض
الإثنين 18 يناير 2021 - 15:50 3

الاستثمار في إنتاج الحوامض

صوت وصورة
فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع
الإثنين 18 يناير 2021 - 13:49

فضاء نجوم سوس يؤطر الإبداع

صوت وصورة
سفير أمريكا قبل مغادرة المغرب
الإثنين 18 يناير 2021 - 12:55 10

سفير أمريكا قبل مغادرة المغرب

صوت وصورة
الفرعون الأمازيغي شيشنق
الأحد 17 يناير 2021 - 22:38 45

الفرعون الأمازيغي شيشنق