الامتحـــــان، من الغش التقليدي إلى الغش الرقمي

الامتحـــــان، من الغش التقليدي إلى الغش الرقمي
السبت 14 يونيو 2014 - 17:32

في الجيل السابق، كان الغش في الامتحان معناه إما الاستعانة بخدمات صديق أو محاولة إدخال بعض الوثائق غير المسموح بها لقاعات الامتحان حتى يتسنى استعمالها عند الحاجة، لتذليل جزء من الصعاب الناتجة عن “طرح” أسئلة الامتحان. كان ذلك يتم بطريقة متخفية ومحتشمة بحكم نظرات التحقير التي عادة ما كانت تلازم مقترفي هذا النوع من الأفعال الشنيعة وغير المقبولة اجتماعيا، دينيا وثقافيا.

كما كان تشديد المراقبة ضمن الوسائل الناجعة والفعالة كذلك للحد من هذه الظاهرة، حيث كانت تلعب الإرادة “إرادة طاقم المراقبة” عاملا فعالا وحاسما للحد من هذه الآفـــــة، بحيث كـــان يتم تطبيق بعض الإجراءات المتعلقة بإلزامية تخليص التلاميذ من كل الوثائق والمطبوعات، كما لم يكن مسموحا للتلميذ بأية التفاتات لأية جهة من الجهات وهو جالس على كرسي الامتحان حفاظا على هدوء قاعة الامتحان ولخلق نوع من الأجواء السليمة لتركيز التلاميذ على عناصر الأسئلة.

ولا يعنــي هذا بأن الأمور كانت “تمر بردا وسلاما”، بل لقد كانت الامتحانات تعرف بعض الانحرافات المتمثـــلة في الغش عبر اللجوء إلى نوع من الابداع في تخريجات التخفي من المراقبة، من الكتابة في بعض أجزاء الجسم إلى اللعب بالورق المكتوب من خلال اللعب على الأحجام وعلى التصغير، أو عبر إقرار بروتوكول تفاهم مع صديق أو صديقة سواء لتقسيم أسئلة الامتحان بحسب “ميثاق تفاهم قبلي” حتى يتم التخفف من تهييئ كل دروس الامتحان والاقتصار على بعضها فقط، دون إغفال أن طاقم الحراسة قد يدخل هو الآخر على الخط ويكون طرفا في هذه العملية من حيث التساهل أو التحول إلى نقيض للعملية التي أوكلت إليه، مما كان يضرب في العمق مبدأ تكافئ الفرص الذي يجب أن ينضبط إليه الجميع.

ورغم كل هذه المصاحبات السلبية التي كانت تواكب عالم الامتحـــان، فـــقد كان “للغش كلفة” غالبا ما تكون كبيرة على الجاني، وفي الغالب كان الغش ينقلب وبالا على صاحبه وفاعله، بحيث كان الراغب في اقتراف “جرم النقل” أن يقضي جانبا كبيرا من الوقت الثمين المخصص للامتحان وهو يتصيد الفرص من أجل الإقدام على فعلته، كما كانت نفسيته تتعرض للمزيد من الاضطراب والأرق بحكم دخول تخوف إضافي ينضاف إلى جانب الخوف الطبيعي المرتبط بحدث الامتحان. أكثر من ذلك على من يلجأ إلى خدمات الغش أن يكون على قدر من التهييء المعرفي بحيث أن الغش كان يشكل عنصر إعانة واستعانة فقط “نوع من العكاز” الذي يلجأ إليه للتذكر ولإتمام المعارف، أي أن الغش كان يحتاج إلى عقل مرتب ومملوء بشكل نسبي، يعرف كيف يتعامل صاحبه مع الأسئلة ومع “الحروز” ومع أماكن تموضعها.

مع دخول عالم التكنولوجيا سيشهد عـــالم الغش تحولا جذريا، حيث لم يعد الغش معطى داخلي مرتبط بقاعة الامتحان، بقدر ما أصبح الغش “معطى معولـــم” يتجاوز حدود جدران القسم، بحيث بدأت موجات أجوبة الامتحان تتسلل وتلتقط عبر الفضاء الرقمي، حيث يكفي أن يكون للتلميذ جهـــاز استقبال حتى يتحول إلى “مجرد آلة ويد كاتبة” لأن عناصر الأجوبة تأتي مرتبة تباعا بالشكل الذي يكفي أن يكون فيه التلميذ على أهبة الكتابة فقط، وبهذا من الممكن جدا أن يكون التلميذ على درجة كبيرة من “الفراغ المعرفي” ومع ذلك قد يتمكن من إحراز نقط “إيجابية بالوكالة” في إشارة إلى أن النقط المحصل عليها هي في الأصل نقاط “صديق له البعيد” والذي تمكن من بعث الرسائل عبر الأجهزة الرقمية.

مما أصبح له عواقب وخيمة سواء على قيمة الشهادات المحصل عليها، أو على نفسية وأداء وقيمة الجهود المبذولة من طرف التلاميذ المجدين، حيث بات “مكر التكنولوجيا” يحرمهم من رؤية حقيقة مجهوداتهم وهي تتجسد على أرض الواقع، بفعل تواجد نقاط افتراضية مخدومة تزاحمهم للأسف مع أنها لا تعكس حقيقة كفاءة أصحابها، مما أصبح يضرب في العمق مبدأ تكافئ الفرص وقد يدفع البعض من التلاميذ المجدين إلى الشعور بالإحباط وبالخوف على المستقبل من حيث إضاعة فرصة تحصيل مكان آمن في كبريات المدارس والمعاهد على اعتبار أن ولوج هذه المؤسسات عادة ما يتم عبر تحصيل أعلى المعدلات والنقاط.

والحالة هذه، وفي الفترة الانتقالية التي نعيشها مع تغول التكنولوجيات، فقد بات لزاما أن تدخل الدولة ومختلف مصالحها على الخط من أجل تقديم يد العون للوزارة الوصية حتى يتسنى الحفاظ على هيبة ومكانة حدث الامتحان الوطني، لأن هذا الأخير و إذا كانت تعطى انطلاقته تحت سقف جدران قاعات الامتحان إلا أن عناصره سرعان ما أصبحت تطير عبر الفضاء الرقمي وقد تتلقفه بعض الأيادي غير الآمنة والتي قد تعبث به كيف تشاء. وهو ما قد يعطي بعض الانطباع السلبي لدى المتابعين لشؤون البلد على الصعيد الدولي من حيث التنقيص من قيمة الشهادات المغربية المحصل عليها.

كما أصبح تكسير حواجز الامتحان ضمن المنجزات التي بات يفتخر بتحقيقها على أجهزة رقابة الدولة، وأضحى مرتبطا بالتفنن وبنوع من البراعة في التعامل مع التقنيات الحديثة وامتلاكها، وعلى القدرة على لعب أسلوب المناورة والتخفي في مواجهة أجهزة الدولة ورقابتها، مما يعني بأن على الدولة أن تشمر على سواعدها وأن تطور مفهومها للأمن يستجيب و التقدم الحاصل على المستوى الرقمي والتكنولوجي كما على القانون الجنائي أيضا أن يدمج في بعض مقتضياته جزء من الفصول الزجرية المرتبطة بأعمال الشغب الذي بات يمارس عبر الفضاء الرقمي. بهذا المعنى فلقد أدخل الفضاء الرقمي إلى “حدث الامتحان” بعدا جديدا مرتبطا بمساءلة مجهودات الجميع، فالتلاميذ تتم مساءلتهم في مقدار تحكمهم في المضامين العلمية والمعرفية، فيما بدأت “الوزارة أو الدولة” من جهتها تتعرض هي الأخرى إلى امتحان مغاير مرتبط بمدى قدرتها على توفير الأجواء المناسبة سواء منها “الواقعية أو الافتراضية” لكي يمر الامتحان على الوجه الأمثل وفي شبه قضاء كلي على كل المشوشين من الناشطين في بعض المواقع التي تلقب نفسها بمواقع التسريب.

– باحث في المشهد السياسي

[email protected]

‫تعليقات الزوار

8
  • kabbor
    الأحد 15 يونيو 2014 - 12:11

    الدولة تغض الطرف عن الغشاشين من أجل صناعة الغباء.

  • أحمد المغربي
    الأحد 15 يونيو 2014 - 13:07

    اذا كانت المرأة غشاشة ومصابة ومصابة بمرض الكرسية،فلا يجوز تعدد الزوجات…اللهم نعوذ بك من شر ما خلقت يارب العالمين.

  • العماري سي موح
    الأحد 15 يونيو 2014 - 13:55

    أستغرب للجرأة التي أصبح يتوفر علبها العديد من منعدمي الضمير في مسائل لم تكن أبدا مقبولة لدى المجتمع المغربي … مستغلين في ذلك مناخ الحرية …الذي لم يأت مجانا بل ناضل من أجله المغاربة وقبع العديد منهم قي السجون من أجل ذلك … ولا أضن أن هؤلاء المناضلون كانوا يتوقعون يوما أن يستغل مناخ الحرية يانتهازية غير متوقعة … فقد تعمد مجموعة من "وكالين رمضان "استعراض عضلاتهم والتشهير بالإمتناع عن الصوم أمام الملأ باسم الحرية التي لم يناضلوا من أجلها إلا باستفزاز المواطنين وعدم احترام تقاليدهم ومعتقداتهم … والتي لم يتجرأ حتى المستعمر على عدم احترامها … أما المشرملون فلم يجدوا أي حرج في استعراض عضلاتهم وسيوفهم في تحد صارخ للأمن والأمان الذي ينعم به وطننا الحبيب … حيث خلقوا موجة من الذعر وعدم الإحساس بالأمان لدى عموم الشعب المغربي مستغلين في ذلك الوسائل المتطورة للإتصال … أم ما يتصل بموضوعنا فإنه لا يختلف كثيرا … إنها ثورة الكسائل والإنتهازيين الذين يتبجحون باستعمال أخر صيحات التكنلوجيا والتي هي عنوان للذكاء الخارق من أجل استعماله في دعوة صريحة للتبلد والإنتهازية …

  • العماري سي موح
    الأحد 15 يونيو 2014 - 16:18

    اعصابات التبليد وصناعة المفسدسن ….. تتمة التدخل السابق …
    أما ما يتصل بالغشاشين عن سابق إصرار … هؤلاء اللذين لا يتقنون إلا شيئا واحدا هو الحصول على أي شيء بشكل مجاني دون أي مجهود … النجاح والتفوق غير المستحق لاحتلال الصفوف الأولى في المعاهد العليا والكليات على حساب " الغلابة المساكين " الذين يعملون ليل نهار من أجل الحصول على نتائج جيدة تمكنهم من تحقيق أهدافهم لخدمة أنفسهم وخدمة الوطن بالجد والإجتهاد وليس باستعمال آخر ما أنتجته التكنلوجيا من أجل الغش … معظم هؤلاء لايتوفرون على الأكثر إلا على ما يحتاجونه بالفعل من هذه التكنلوجيا لإنهم واعون بما هم محتاجون إليه بالضبط … أما " المناضلون الجدد " … فهم بحاجة الى وسائل غير تقليدية … وسائل متطورة … من أجل " رفع التحدي " الذي قطعه منتجوا المواقع الفسادة على أنفسهم إن كانت لهم أنفس أو ظمير من تحد لوزارة التعليم … إنها عصابات منظمة …. هؤلاء الذين لا هم لهم إلا التحريض على استعمال أبلد وسائل الغش … أليس من البلادة اقتناء ما يشبه العدسة بثمن خيالي من أجل تلقي الأجوبة من طرف العصابات المتنافسة وكتابتها بكل بلادة ….

  • ammari Abousamah
    الأحد 15 يونيو 2014 - 17:06

    ….. تتمة التدخل السابق …
    أما ما يتصل بالغشاشين عن سابق إصرار … هؤلاء اللذين لا يتقنون إلا شيئا واحدا هو الحصول على أي شيء بشكل مجاني دون أي مجهود … النجاح والتفوق غير المستحق لاحتلال الصفوف الأولى في المعاهد العليا والكليات على حساب " الغلابة المساكين " الذين يعملون ليل نهار من أجل الحصول على نتائج جيدة تمكنهم من تحقيق أهدافهم لخدمة أنفسهم وخدمة الوطن بالجد والإجتهاد وليس باستعمال آخر ما أنتجته التكنلوجيا من أجل الغش … معظم هؤلاء لايتوفرون على الأكثر إلا على ما يحتاجونه بالفعل من هذه التكنلوجيا لإنهم واعون بما هم محتاجون إليه بالضبط … أما " المناضلون الجدد " … فهم بحاجة الى وسائل غير تقليدية … وسائل متطورة … من أجل " رفع التحدي " الذي قطعه منتجوا المواقع الفسادة على أنفسهم إن كانت لهم "أنفس أو ظمير" من تحد لوزارة التعليم … إنها عصابات منظمة …. هؤلاء الذين لا هم لهم إلا التحريض على استعمال أبلد وسائل الغش … أليس من البلادة اقتناء ما يشبه العدسة بثمن خيالي من أجل تلقي الأجوبة من طرف العصابات المتنافسة وكتابتها بكل بلادة ….

  • Ammari Abousamah
    الإثنين 16 يونيو 2014 - 01:03

    يقدم أصحاب المواقع المشجعة للغش أنفسهم كأبطال يخوضون حربا بالوكالة لتخليص " شعب التلاميذ " من " الطغيان" الذي تمارسه الاختبارات … في إطار " مشروعية " تمنحهم إياها الشروط الموضوعية التي يعيشها في بلادنا كل تلاميذ البكالوريا وتتعلق بشروط وكيفيات الولوج الى المعاهد العليا والتي يطبعها التنافس الحاد من خلال رفع سقف المعدل الذي يسمح بالمشاركة في مباريات الولوج ثم شكل الاختبارات التي تتطلب السرعة في الإنجاز نظرا لضيق الوقت المخصص للإجابة … أضف الى ذلك محدودية المقاعد … الشيء الذي يدفع بالعديد من الآباء مرغمين الى توجيه أبنائهم نحو المعاهد الخاصة والتي تتطلب تضحيات مادية ضخمة ليست في مستطاع الجميع … وتبعا لذلك فإن ولوج بعض المعاهد كالأقسام التحضيرية يصبح غاية في الصعوبة في بلادنا … الشيء الذي يدفع بالعديد من التلاميذ الى التوجه الى بلدان أخرى فرنسا على الخصوص … لأنهم يعلمون أنهم سيلجون هذه المدارس دون أية صعوبة تذكر بل سيرحب بهم هناك ودون مبارة … وهذا أمر غريب جدا نظرا لاختلاف الرؤى …

  • العماري سي موح
    الإثنين 16 يونيو 2014 - 11:22

    إن الشروط الصعبة لولوج المعاهد العليا تدفع بالعديد من الآباء مرغمين الى توجيه أبنائهم نحو المعاهد الخاصة والتي تتطلب تضحيات مادية ضخمة ليست في مستطاع الجميع … وتبعا لذلك فإن ولوج بعض المعاهد كالأقسام التحضيرية يصبح غاية في الصعوبة في بلادنا … الشيء الذي يدفع بالعديد من التلاميذ الى التوجه الى بلدان أخرى كفرنسا على الخصوص … لأنهم يعلمون أنهم سيلجون هذه المدارس دون أية صعوبة تذكر بل سيرحب بهم هناك ودون مبارة … وهذا أمر غريب جدا نظرا لاختلاف الرؤى … ففي فرنسا هم يرحبون بك لإدراكهم أن من سيختارالأقسام التحضيرية يكون واعيا باختياره ومدركا للصعوبات وقادرا على تجاوزها ، أي أنه إنسان طموح وهم يشجعون الطموح… أما في المغرب فلا تستغرب … هناك المعاهد الخصوصية !!!

  • groom
    الإثنين 16 يونيو 2014 - 15:56

    تلاميذ اليوم الغشاشين يصبحون أطباء ومهندسين غشاشين وسارقين لأموال الناس أو يصبحون طلبة غشاشين وفاشلين إلى أن يحصلو على إجازة أو master ولفشلهم لا يفلحون في المباريات لولوج الوظيفة العمومية مما يدفعهم إلى الإعتام أمام البرلمان للمطالبة بالتوظيف المباشر والخطير أغلبهم يدمجون أساتذة فاشلين ينشرون الجهل و الفشل لا حول ولا قوة إلا بالله

صوت وصورة
أسر تناشد الملك محمد السادس
الأربعاء 20 يناير 2021 - 10:59 1

أسر تناشد الملك محمد السادس

صوت وصورة
"قرية دافئة" لإيواء المشردين
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 22:30 5

"قرية دافئة" لإيواء المشردين

صوت وصورة
فن بأعواد الآيس كريم
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 21:40 1

فن بأعواد الآيس كريم

صوت وصورة
مشاكل دوار  آيت منصور
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 18:33 1

مشاكل دوار آيت منصور

صوت وصورة
ركود منتجات الصناعة التقليدية
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 16:33 5

ركود منتجات الصناعة التقليدية

صوت وصورة
تحديات الطفل عبد السلام
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 12:30 12

تحديات الطفل عبد السلام