"البكا ورا الميت خسارة"

"البكا ورا الميت خسارة"
الجمعة 25 ماي 2012 - 16:37

بادئ ذي بدء لا يسعني إلا أن أستأذن الموت لأحييها، مع الاعتذار المسبق لكل من ذاق يوما مرارة كأسه. إذ ما من مخلوق إلا و يهابه، ولا يتمنى لقاءه، ولا حتى يقترب من ساحته، وإن كان هو الشر الذي لا مفر منه. فلم التحية إذن؟

لسبب بسيط. إنه الوحيد، الذي يحتفي بضيوفه من أهل الإبداع خاصة أيما احتفاء، ويكرمهم فور استقباله لهم. إذ يمنحهم بعض ما كان ينبغي أن ينالوه قبل مماتهم، بإرغامه الأحياء بعدهم، للالتفات إليهم وتعداد مناقبهم.

من المفارقات الداعية للاستغراب، أننا عادة ما ننتظر حتى يحل علينا الموت ليصطحب معه أحد الأعلام في مجال تخصصه، آنئذ تنفك عقد ألسنتنا، ويرخي لها العنان لنسج القصائد الرثائية، وتدبيج الخطب العصماء، وما إلى ذلك مما هو مكرور في كل مناسبة جنائزية؟
ألم ينبهنا الأسلاف بأن البكاء وراء الميت خسارة؟

فهل قدر الأهرام كل في ميدانه، انتظار الموت ليخطف أحد هم أو إحداهن، ليقوم محبوه والمعجبون به، وتلامذته، قومة رجل واحد بعد مواراته التراب، ليشرعوا في الترتيبات للاحتفاء به ومطالبة الجهات المسؤولة بتخليد ذكراه، وذلك بإطلاق اسمه على مدرج جامعي، أو شارع رئيسي، أو جناح طبي، أوالسعي إلى تأسيس مؤسسة باسمه، تعنى بتراثه الفكري أو الفني أو الأدبي؟

فلماذا الانتظار إذن حتى يغرغروا غرغرتهم الأخيرة، لنقطع الليل بالنهار من أجل تكريمهم، بهكذا مبادرات معهودة، دون أن نمحهم فرصة التنعم، بلحظة ميلاد هذا المنجز الرمزي، قيد حياتهم؟

من نافلة القول الإشادة بمثل هذه المساعي، والتي عادة ما تتم الاستجابة لها، كأن تجمع مؤلفاتهم ضمن الأعمال الكاملة، أوتؤسس مؤسسات بأسمائهم يحرص الساهرون عليها كل سنة فتح النقاش حول جانب من تركتهم العلمية، بعقد ندوات علمية وتنظيم مسابقات بأسمائهم… حتى إنه كم من مبدع لم يقدر قدره، وتعرف قيمته العلمية، إلا بعد أن برحت الروح جسده، وأضحى في عداد الأموات.

فما المانع من المسارعة بمثل هذا التشريف والتكريم في حياته، على الأقل وهو يعد أيامه المتبقية بالشهور مثلا أو بالأيام ، وإن كانت الأعمار بيد الله، إذ لا يعرف السابق من اللاحق كما يقال؟

أجل لم لا نكرمه وهو لا يزال حيا يرزق، حتى إذا قضى نحبه، ودع وهو قرير العين، و في خلده أن جهده لم يذهب سدى، وأنه ترك شيئا ذا بال، تنتفع به الأجيال؟
المنجرة مثلا، الذي لم نعرفه سوى بركانا دائب الحركة، مؤلفا ومحاضرا وباحثا وهلم أوصافا تعسر على الحصر، هو اليوم شفاه الله في عزلة يعجز عن الحركة. بين الفينة والأخرى تطفو قصاصة، عن وضعيته الصحية الحرجة. فماذا ينتظر تلامذته والمعجبون به اتفقنا معه، أو خالفناه الرأي، في بعض طروحاته. ماذا ينتظرون؟
حتى يحضر ملك الموت لقبض روحه، ليهرعون ممجدين، ومادحين ومعددين مناقبه؟

فلم لا تكون المبادرة اليوم قبل الغد، ليتشرف هو نفسه بتدشينها، حتى وإن اقتضى الأمر حمله على الأكتاف؟
فهل نستكثر عليه ذلك؟ فكم هم الذين نهلوا من علمه الغزير حتى علا كعبهم، في زمن كانت فيه المعلومة أعز ما يطلب؟ وكم هم الذين كان له النصيب الأوفى في تشكيل عقولهم وتقويم منطقهم، حتى أضحوا أساتذة وباحثين؟

وما نقوله عن الأستاذ المنجرة، نقوله عن غيره ممن يساهمون في النهوض بالمجتمع المغربي كل في مجال تخصصه، أدبا كان، أو فكرا، أوغناء راقيا، أو علما تجريبيا، أو موسيقى بانية… فما المانع إذن من الالتفات إليهم وهم أحياء يرزقون؟

‫تعليقات الزوار

1
  • benmechdoud
    الأحد 27 ماي 2012 - 15:15

    كلام في الصميم.
    بارك الله فيك.

صوت وصورة
شرف تطلق "العرس في دارنا"
السبت 12 يونيو 2021 - 12:41 2

شرف تطلق "العرس في دارنا"

صوت وصورة
قنصل أمريكا بمصنع كوكا كولا
السبت 12 يونيو 2021 - 04:49 7

قنصل أمريكا بمصنع كوكا كولا

صوت وصورة
ضحايا الاعتداءات الجنسية
الجمعة 11 يونيو 2021 - 23:50 5

ضحايا الاعتداءات الجنسية

صوت وصورة
أولويات البيئة بمعامل لافارج
الجمعة 11 يونيو 2021 - 21:42 10

أولويات البيئة بمعامل لافارج

صوت وصورة
بوريطة وموقف البرلمان الأوروبي
الجمعة 11 يونيو 2021 - 19:42 24

بوريطة وموقف البرلمان الأوروبي

صوت وصورة
وزيرة الخارجية الليبية في المغرب
الجمعة 11 يونيو 2021 - 17:46 9

وزيرة الخارجية الليبية في المغرب