التاريخ هو ذاكرة الأمم يا أهل "بريمن"!

التاريخ هو ذاكرة الأمم يا أهل "بريمن"!
أرشيف
الجمعة 5 مارس 2021 - 00:40

“بريمن”مدينة ألمانية صغيرة تقع شمال البلاد بين هامبورغ، موطن الأكلة السريعة hamburger، وهانوفر، المدينة الشهيرة باحتضانها لأضخم المعارض الدولية. ولعل أبرزها معرض CEBIT الدولي لتكنولوجيا المعلومات الذائع الصيت. وهي عاصمة لأصغر الولايات الاتحادية في ألمانيا والتي تحمل نفس التسمية: ولاية بريمن.

وحسب الوثائق التاريخية، فإن تاريخ إنشاء المدينة المزعوم نهاية القرن الثامن لا يجد أي إشهاد صحيح ولم يحظ بأي اعتراف. وبالتالي يظل تاريخ إنشاء المدينة مجهولا إلى حدود اليوم.

ما أعاد هذه المدينة إلى الواجهة ليست أكلة سريعة تحمل اسمها أو معرضا دوليا يثير فضول الزوار أو ربما الانتشاء باعتراف رسمي لتاريخ التأسيس، وإنما تغريدة خارج السرب باسم مواطني بريمن مفادها: “في مثل هذا اليوم، وقبل 45 عاما تم الإعلان عن “الجمهورية العربية الديمقراطية الصحراوية”. وإلى حدود اليوم لا يزال المغرب يطالب بالمنطقة. ويعيش السكان كلاجئين في المخيمات. واليوم تعود هذه الذكرى إلى أذهان مواطني “بريمن”.

حدث هذا في بلد يحمل اسم “جمهورية ألمانيا الاتحادية”. وهو البلد الذي يعي تمام الوعي معنى ومغزى “الوحدة” التي ظلت هاجسا رئيسا في حياة الألمان زهاء قرنين من الزمن منذ القرن التاسع عشر، وربما قبل ذلك بقرون، عصر القبائل الجرمانية في صراعها المميت ضد الرومان من أجل كل شبر تراب ومن أجل الوحدة والحرية. وهو نفس الهاجس الذي ظل حاضرا حتى بعد التقسيم عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، ثم مع عودة الوحدة الألمانية سنة 1990.

وقد وصف رئيس ألمانيا الغربية، الراحل ريتشارد فون فايتسكر، الأهمية التاريخية للوحدة الألمانية بتعبير خالد قائلا: “جاء اليوم الذي تحتل فيه كل ألمانيا، ولأول مرة في التاريخ مكانها الراسخ بين الديمقراطيات الغربية”. هذه فقط نبذة مقتضبة عن مسار الألمان الشاق لتطويع عناد التشرذم والتفكك من أجل وحدة الوطن والتراب. ولا يسعنا، وبكل أمانة أدبية، إلا أن نبارك ونثمن عاليا تشبثهم بالأرض والوحدة والوطن.

هذا التاريخ هو الذي أنصح مواطني بريمن أن ينعشوا به ذاكرتهم. كون الذاكرة الجماعية تاريخ لتمثل جماعي يبصم الذاكرة الفردية، بدل تقزيمها واختزالها في أخطاء لأبناء الوطن الأعقة الذين وصفتهم التغريدة بـ “اللاجئين” وحَوَّرَت تاريخا تليدا لبلد وشعب بأكمله بوصفه بـ “المطالب بالأرض”. فأي قانون وأي قاموس وأي عدل وأي ذاكرة هاته التي تستبدل صاحب حق بمطالب به؟

وما دامت الذاكرة بهذا القصر، فما رأي مواطني بريمن في مؤلف “بافاريا تستطيع العيش وحدها” لفيلفريد شارناغيل، القيادي البارز عن “الحزب المسيحي الاجتماعي” حليف “الاتحاد المسيحي الديمقراطي” الذي كانت تقوده المستشارة أنغيلا ميركل؟ وما رأيهم في بوادر الانقسام هاته الذي يروج لها أبرز سياسيهم؟ وهم يرافعون من أجل الانفصال عن بلدهم، وقدرتهم على الاعتماد على اقتصادهم القوي الذي يساهم بجزء كبير في الاقتصاد الألماني الكلي، في ولاية تعتبر الأكبر مساحة ضمن الولايات الألمانية، بساكنة تفوق 13 مليونا. أي أكبر بكثير من عدد سكان دول أوروبية عديدة كسويسرا وبلجيكا والبرتغال والسويد والدانمارك والنرويج.

لا تشتموا المستقبل يا أهل بريمن! فإن غدا لناظره قريب! ولا يغرر بكم باسم الحقوق والإنسان والتراب. فالتاريخ أحسن كتاب! ولكم فيه أفيد جواب! فاعتصموا بالصواب! ولا تتمسكوا بالسراب! وتذكروا يوم 17 يونيو يوم “الوحدة الألمانية” والذي أصبح يوم عطلة رسمية حتى عودة الوحدة الألمانية. يوم تظاهر الملايين منذ زهاء 70 سنة خلت مطالبين بالوحدة والديمقراطية. وقمعت المظاهرات بدبابات الروس لتتناثر الجثث في شرق برلين وتعج المستشفيات بمئات الجرحى والمصابين.

هذا هو التاريخ الذي وجب أن يؤثث لذاكرتكم. فالموت يبدأ بالذاكرة، وموت الذاكرة أقسى أنواع الموت، ففي قبضته تعيش موتك وأنت على قيد الحياة. وهذا تذكير للروائي والأديب نجيب محفوظ. يقول مثلكم الشعبي Eine Hand wäscht die andere (يد تغسل الأخرى) وهو دعوة صريحة للعمل المشترك إذا حسنت النوايا. فالأشياء تتخذ أشكالا مغايرة عند تحويل زاوية النظر إليها. ولا أحد يحتاج إلى تجول في العالم كله كي يعرف أن السماء زرقاء. وهو قول يستحضر ذكرى الأديب الألماني يوهان غوته.

‫تعليقات الزوار

6
  • نحن المقصرون ...
    الجمعة 5 مارس 2021 - 07:48

    … ماذا يعرف اهل مدينة (بريمن) عن تاريخ المغرب و قضية صحراءه ؟.
    لا شك ان هناك جمعية اسسها البوليزاريو بدعم من سفارة الجزائر تربط علاقات مع تنظيمات المانية تدافع عن حقوق الإنسان.
    كم من كتاب عن قضية الصحراء باللغة الألمانية اصدرته ونشرته سفارة المملكة المغربية في المانيا ؟.
    و كم من موقع في الانترنيت يتحدث الى الالمان بلغتهم عن قضية الصحراء؟.
    وكم من جمعية للمغاربة المقيمين بالمانيا تقوم بانشطة ثقافية لاطلاع الالمان عن حقائق القضية الوطنية.
    و هل تقوم سفارة المغرب بتوعية ابناء الجالية المغربية في المانيا حول قضية الصحراء لتجعل منهم سفراء للمغرب في المانيا؟.

  • الأولى بمعرفة ...
    الجمعة 5 مارس 2021 - 08:20

    … التاريخ هم حكام الجزائر و رؤوس البوليزاريو.
    لو درسوا تاريخ الامبراطورية المغاربية أيام مجدها لتذكروا قول المعتمد بن عباد احد ملوك الطوائف الذي رفض الاستنجاد بالصليبيين ضد المسلمين وقال :
    ” تالله اني لاوثر رعي الجمال لسلطان مراكش على ان اغدو تابعا لملك النصارى وان اؤدي له الجزية ، ان رعي الجمال خير من رعي الخنازير “.
    دخل المغاربة سنة 1975 الصحراء رافعين القرآن الكريم وقد تحالفوا مع إخوانهم الموريتانيين لإخراج الإستعمار الصليبي من أرض الإسلام وذكر الحسن الثاني الصحراويين بتاريخ الفاتح يوسف بن تاشفين.
    ومن المؤسف ان بوخروبة والقذافي و الطلاب الماركسيين من البوليزاريو اختاروا رعي الخنازير .

  • الأطماع الألمانية...
    الجمعة 5 مارس 2021 - 15:56

    … في المغرب قديمة جدا تعود إلى اجدادهم الوندال الذين احتلوا شمال افريقيا في القرن الخامس الميلادي و اتخذ ملكهم جنسريق قرطاج عاصمة له.
    كما ان الإمبراطور الالماني غليوم الثاني عارض الإتفاق الاستعماري بين فرنسا وبريطانيا حول المغرب وتوتس وزار طنجة سنة 1905 احتجاجا على ذلك الإتفاق.
    وفي سنة 1911 رسى زورق ألماني يحمل راجمة مدفعية بشواطىء أكادير مهددا بقصف المدينة ضد الأطماع الفرنسية.

  • غيور
    الجمعة 5 مارس 2021 - 16:42

    مقال رائع . وفق صاحبه إلى تلمس بعض الجوانب العلمية والفكرية الضرورية للدفاع عن الثوابت الوطنية وفي مقدمتها الوحدة الوطنية …..

  • Amaghrabi
    الجمعة 5 مارس 2021 - 16:50

    ذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين,الايمان ليس فقط العقيدة وانما الايمان هو الصدق والمحبة والعدل وعدم تفضيل المصالح على المبادئ الانسانية العالية وبالتالي سيدي اوزين المحترم فالوحدة الترابية لا يعمل على تقسيمها الا شياطين الجن والانس ,وكما قلت فالمانيا عانت بجمع الشتات وعاشت مرارة التقسيم واعتقد ما زالت بعض اراضيها عند غيرها وكم كانت فرحة الالمان حينما وحدوا بين الالمانيتين وكفى ان تكون هذه عبرة لهم لكي لا يتعدوا على وحدة تراب غيرهم ,وعلى الاقل ان كانوا يخافون من قول الحق لكي لا يخسروا مصالحهم ان يقفوا محايدين ولا يعملون في الخفاء من اجل الحاق الضرر بالوحدة المغربية,سيدي اوزين قد اصبت في ملاحظتك واتمنى من دولتنا ان تقف موقفا صلبا ازاء المانيا وبالتالي اما ان تعترف بخطاها وتغير موقفها على الاقل المحايد والا فستفضح عالميا امام جميع دول العالم لان دولة عظمى تنحاز من اجل المصالح يفسد الثقة في ما يدور في العالم المتقدم الذي يدعي ان يعمل من اجل العدل والعدالة في العالم ومن اجل حقوق الانسان وخاصة في الصحراء فليذهبوا الى تندوف ويقارنوا بين حقوق الانسان في الصحراء وفي تندوف

  • نصيحة
    الجمعة 5 مارس 2021 - 17:34

    اول المثال للذي اوردته جاء في سياق خاطئ، وهو يستعمل في رد الجميل، ثانيا، لا يكن المغرب الرسمي، انفعاليا، حتى في السياسة الناعمة، من خلال مقالك، في المغرب السياسة غائب فيها النقذ الذاتي، اي ان المخزن يفعل مايريد، متى يريد، وانتم اتباع فقط، كمغربي حر، اعتبر السياسة في المغرب ميتة، اذن اهل بريمن لن يفهموك، وان فهموك، سيعتبرونك جاهلا، جهلا مركبا، اقصد بذلك عقلائهم

صوت وصورة
حياتي فالزنقة من آزمور
الخميس 15 أبريل 2021 - 13:01 4

حياتي فالزنقة من آزمور

صوت وصورة
إغلاق المساجد في رمضان
الخميس 15 أبريل 2021 - 00:39 16

إغلاق المساجد في رمضان

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والعنف
الأربعاء 14 أبريل 2021 - 22:00 13

بدون تعليك: المغاربة والعنف

صوت وصورة
سال الطبيب: الترمضينة
الأربعاء 14 أبريل 2021 - 19:00 8

سال الطبيب: الترمضينة

صوت وصورة
أساطير أكل الشارع: الأمين الحاج مصطفى
الأربعاء 14 أبريل 2021 - 18:00 15

أساطير أكل الشارع: الأمين الحاج مصطفى

صوت وصورة
منزلة التقوى
الأربعاء 14 أبريل 2021 - 17:00 8

منزلة التقوى