التشريع المالي بين الحكومة والبرلمان

التشريع المالي بين الحكومة والبرلمان
الثلاثاء 26 يناير 2010 - 13:28

تعد مهمة التشريع والمراقبة، ميزتان أساسيتان للعمل البرلماني، فالأولى تهدف إلى سن القوانين من طرف ممثلي الشعب والثانية مراقبة العمل الحكومي. لكن مع بزوغ ما يعرف “بالعقلنة البرلمانية” ، التي كرسها دستور 1958 الفرنسي ، تراجع دور الجمعيات البرلمانية على مستوى وظيفتي التشريع والمراقبة ، مقابل ترامي الحكومة على هاتين الوظيفتين .


من منطلق أن السياسات العامة المالية، تمثل الدعامة المركزية لنشاط الدولة ، لكونها ترسم التوجهات الاقتصادية والمالية الكبرى للبلاد . وذلك من خلال قانون المالية الذي يحدد طبيعة ومبلغ الموارد والتكاليف التي تؤهل الدولة لتحقيق التوازن الاقتصادي والمالي.


على هذا الأساس أصبح قانون المالية حكرا على الحكومة، تتولى صياغته ثم الموافقة عليه في المجلس الوزاري. وبعد ذلك تقوم بعرضه على مجلسي البرلمان، فتتاح لحظتها لممثلي الأمة إمكانية إدخال بعض التعديلات على بنوده.


وعليه يمكن القول إن انفراد السلطة التنفيذية بهذه المبادرة في مجال التشريع المالي ، عادة ما يبرر بقدرتها على مراعاة الأهداف الاقتصادية والاجتماعية الكبرى ، لكونها تملك الخبرة والقدرة ، وبالتالي الفعالية على إنجاز الدراسات وتنفيذ السياسات ، ومن هنا تبرز ضرورة سنها للتشريعات، هذا من جهة . ومن جهة ثانية قد تصنف الحكومات كامتداد للبرلمانات ، على الأقل في الدول الديمقراطية . أما في الدول النامية فالأمر يختلف ،ذلك أن عوامل متعددة ومتداخلة تحايث هذه العملية وتفضي بها الى المرور عبر الجهاز التشريعي بسلام ، كما ارادت لها الحكومة ، باعتبارها صاحبة المبادرة رغم تمتع البرلمان بعدة صلاحيات تؤهله للتأثير في طبيعة هذا المشروع . لكن يبقى السؤال المطروح: ما السبب الذي يجعل البرلمان بمجلسيه لا يوظف هذه الصلاحيات؟ الحالة المغربية نموذجا.


هذا ما سنحاول ملامسته، من خلال عرض الحيثيات الدستورية التي تدعم المبادرة الحكومية ثم البحث في الأسباب التي تمنع ممثلي الأمة من استعمال الصلاحيات المتاحة لهم لإدخال تعديلات “نوعية” على هذا المشروع، بل ما الذي يمنعهم من الحضور بكثافة لمناقشته،علما أنه لا يمكن أن يصبح قانونا إلا بموافقتهم.


ومادام هذا المشروع يحتل هذه المكانة الهامة سنحاول التركيز على دور الحكومة فيه ، من خلال الصلاحيات الدستورية والسياسية المتوفرة لها ، مستحضرين التجربة الفرنسية ومدى تأثر الدول المغاربية بها، بصفة عامة والمغرب بصفة خاصة.


1 ـ المبادرة الحكومية في مجال التشريع المالي.


إثر انبثاق ما يعرف “بالعقلنة البرلمانية” ، التي عدلت صلاحيات عديدة كانت في الاصل حكرا على الجمعيات النيابية ، برز دور السلطة التنفيذية كشريك أساسي في إنتاج القوانين ، إن لم نقل هي المهيمن على إنتاجها. و نخص في هذا الإطار مشروع قانون المالية ، الذي انفردت أغلب الحكومات في العالم بصياغته ، قبل أن تقوم بعرضه على البرلمان .


فهذا الاختصاص يبدو شيء عادي في الأنظمة الديمقراطية التي تعد فيها الحكومات امتداد للبرلمان. أما في الدول النامية فإن الأمر يختلف ، حيث تغيب المؤسسات الديمقراطية بالشكل الذي أنتجته الحداثة السياسية الأوربية وتختل المشاركة السياسية بفعل انحدارها عن التنافس حول” البرامج” إلى التباري حول قيم التقليد، من قبيل البحث عن الحظوة والمصالح الفردية وتمثل العملية الانتخابية كمورد لكسب المال، توظف اثناءه الزبونية والمحسوبية والرشوة ، من أجل الصعود من تحت إلى فوق ….الخ، وبالتالي “ينعدم” التداول الديمقراطي على الحكم، بمعنى تداول مشاريع سياسية، منبثقة من صناديق الاقتراع.


نتيجة لما تقدم، تتضح طبيعة البيئة السياسية التي تحيط بهذا المشروع، الذي يمثل الرهان الاستراتيجي الهادف إلى تحقيق التوازن المالي والاقتصادي . فمن خلاله يتم تحديد الموارد و التكاليف المتعلقة بالدولة ، وتحسين الشروط المتعلقة بتحصيل المداخيل ثم مراقبة استعمال الأموال العمومية .


وبالعودة إلى التاريخ الفرنسي ، يتضح أن انهيار الجمهورية الرابعة، شكل انهيارا للسلطة المالية للبرلمان، مقابل انتعاش السلطة التنفيذية في هذا المجال،بمبرر توفر الحكومة على إمكانيات تقنية وسياسية تؤهلها لهذا الدور الحيوي،باعتبارها هي وحدها التي تكون على دراية بحاجيات الإدارة والاقتصاد أثناء وضعها للتوقعات . كما أن الميزانية هي وسيلة لتحقيق السياسات العامة، التي تحددها الحكومة المتمتعة قانونيا بحرية كاملة في إعداد المشروع المالي من خلال وزير المالية. ينضاف إلى هذه الصلاحيات الحكومية ، ما نص عليه الفصل 40 من الدستور الفرنسي :« الاقتراحات والتعديلات التي يطرحها أعضاء البرلمان ترفض عندما يؤدي قبولها سواء إلى نقص في الموارد العمومية أو إلى إحداث أو الزيادة في تكليف عمومي » . كما ان هناك ما يعرف بالقيد الزمني الذي يلزم البرلمان بالمصادقة على قانون المالية في ظرف زمني ليتعدى 70 يوما . وفي حالة رفض البرلمان التصويت على هذا المشروع ، يمكن للحكومة فتح اعتمادات بمرسوم من أجل تسيير المرافق العمومية ومؤسسات الدولة ، إلى أن يتم التصويت على المشروع المعروض على أنظار البرلمان .


نخلص إلى أن هذه القيود تشكل امتيازا للحكومة على حساب البرلمان في فرنسا ، إلا أن الأمر يبقى عادي إلى حد ما ، ما دامت الحكومة تعد امتداد للبرلمان ، رغم التحالفات التي قد تتغير داخل الجمعية الوطنية الفرنسية نتيجة لتوازنات الحياة السياسية ومستجداتها( ميتران /شيراك وشيراك /جوسبان ) مثلا.


هذا المعطى يقودنا إلى الدول المغاربية المتأثرة بهذه التجربة، ففي المغرب مثلا نص الفصل 50 من الدستور الحالي على ما يلي: ( يصدر قانون المالية عن البرلمان بالتصويت طبق شروط ينص عليها قانون تنظيمي ) . ورغم ذلك فإن هيمنة الحكومة تتضح من خلال كون نفقات التجهيز التي تعتبر أهم جزء في الميزانية ، بسبب ارتباطها بمستقبل الدولة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية ، والتي تتجاوز صلاحيتها سنة ، لا يصوت عليها البرلمان إلا مرة واحدة وذلك عندما يوافق على نفقات التجهيز ، بحيث إذا استحدثت أمور تستوجب إعادة النظر في مقتضيات القانون المالي المتعلق بنفقات التجهيز ، فإن البرلمان لا يملك هذا الحق ، عكس الحكومة التي يمكن لها إعادة النظر في البرامج المصادق عليها من قبل البرلمان ، وذلك عن طريق تقديم مشاريع قوانين تهدف إلى تعديل نفقات التجهيز . كما لا يجوز للبرلمان حسب المادة 36 من القانون التنظيمي ، عرض الجزء الثاني (النفقات) من المشروع للمناقشة قبل التصويت على الجزء الأول ( المداخيل ) .


من القيود أيضا التي تحد من قدرة البرلمان على التأثير في مشروع قانون المالية ، ما نص عليه الفصل 51 من الدستور المغربي :«إن المقترحات والتعديلات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان ترفض إذا كان قبولها يؤدي بالنسبة للقانون المالي إما إلى تخفيض الموارد العمومية وإما إلى إحداث تكليف عمومي أو الزيادة في تكليف موجود» ، وفي نفس السياق اندرج الفصل 05 من القانون التنظيمي للمالية رقم 07 ـ 98 التونسي ، الذي حد هو الآخر من مبادرة النواب إذا تعلقت بالحد من المداخيل ، أو بإضافة مصاريف جديدة . أما الدستور الجزائري في مادته 62 و 120 فقد أعطى للبرلمانيين حق إحداث تكليف عمومي ،شريطة إيجاد مورد بديل .


بناء على ما تقدم ، تتضح هيمنة الحكومة على مشروع قانون المالية في الدول المغاربية ، وذلك راجع إلى الضمانات الدستورية والسياسية التي تتوفر عليها الحكومات من جهة ، ومن جهة ثانية إلى التأثر بالنموذج الفرنسي شكلا وليس مضمونا ، أي أن الدول المغاربية أخذت من فرنسا المؤسسات مقابل عدم القدرة على تملك مبادئ الديمقراطية الفرنسية كسلوك وممارسة وثقافة سياسية ، وليست مجرد دساتير أو أجهزة .


مفهوم الثقافة السياسية يقودنا إلى مساءلة السلوك البرلماني، من خلال محاولة تفسير الخفايا المتحكمة في ذهنية “ممثلي الأمة”، والتي قد تقف وراء تزكيتهم للمشاريع الحكومية.


2 ـ السلوك البرلماني : بين ضآلة الضمانات القانونية و تأثير الثقافة السياسية


يمثل البرلمان السلطة التشريعية الموكول لها إعداد القوانين، ومراقبة العمل الحكومي والتعبير عن طموح الشعب وتطلعاته. قد يكون هذا هو المراد، لكن المتاح يبقى شيء أخر، حيث يلمس غياب شبه تام لاختصاص هكذا. فمشروع قانون المالية، الذي تم اعتماده كعينة ، تنفرد الحكومة بإعداده وعرضه على السلطة التشريعية ، التي تبقى تعديلاتها واقتراحاتها ، سواء من خلا ل لجنة المالية أو ممثلي باقي اللجان الدائمة أو النواب ، ذات طابع مراقباتي أكثر منها مبادراتي أو تشريعي .و يمكن تفسير هذا في الحقيقة من خلال كثافة الصلاحيات الدستورية ـ القانونية المتوفرة لدى الحكومة من ناحية ،ومن ناحية أخرى الكيفية التي يتمثل بها النواب “حكومة صاحب الجلالة” أولا والعمل السياسي ثانيا.


فالملاحظ أن جل المشاريع القانونية التي تأتي إلى البرلمان ، تمر مرور الكرام رغم الاختصاص التشريعي والمراقباتي المخول للسلطة التشريعية . لكن قبل أن نتعرض للسلوك البرلماني، سنعرج على بعض الفصول الدستورية، التي تحد بشكل صريح من فعالية العمل البرلماني بالمغرب وهي:


الفصول 45، 50، 51، 55، 56، 57 من الدستور المغربي الحالي:


– الفصل 45 ينص على كون القانون يصدر عن البرلمان بالتصويت عليه، لكن القانون وتماشيا مع هذا الفصل ، يأذن للحكومة أن تتخذ في ظرف من الزمن محدود ولغاية معينة ، بمقتضى مراسيم ، تدابير يختص القانون عادة باتخاذها.


من خلال هذا يتبين أن البرلمان قابل ليتخلى عن سلطته التشريعية للحكومة، علاوة على المصادقة على مشاريعها.


ـ الفصل 50 يفرض هذا الفصل قيدا آخر على البرلمان ، من خلال المدة الممنوحة لفحص وإقرار قانون المالية، والتي تنص على ضرورة تصويت البرلمان على الميزانية في تاريخ أقصاه 31 دجنبر . وفي حالة عدم تنفيذ هذا ” الأمر” ، فإن الحكومة تفتح بمرسوم ، الاعتمادات اللازمة لسير المرافق العمومية، على أساس ما هو مقترح في مشروع القانون المالي .


ـ الفصل 51 هذا الفصل يقر من جهة استحالة أي تعديل قد يؤدي إلى تخفيض الموارد العمومية أو إحداث تكليف عمومي أو الزيادة في تكليف موجود ، وبالتالي حرمان المؤسسة التشريعية من دورها في إعداد السياسات العامة ، ويجعلها منحصرة فقط في المناقشة والمتابعة، التي تنحصر أبعادها في مسايرة ” الفلسفة” الحكومية في مختلف مبادراتها،هذا في الشق الأول أما في الشق الثاني فيبقى لأعضاء البرلمان الحق في التعديل ما لم يخلوا بالتوازنات المالية ، المحددة من طرف القانون المالي . لكن هذه الإمكانية الضئيلة، تصطدم بالاستعمال ” السياسي” لمنطوق الفصل 51 من الدستور، من طرف أعضاء الحكومة. وذلك من خلال حكمهم على كل المبادرات التي يتقدم بها أعضاء البرلمان، بعدم “الشرعية”، بحجة مخالفتها للدستور، وبالتالي يتم تحجيم كل الصلاحيات الدستورية المتاحة للبرلمان بالفصل السالف الذكر، أو لنقول إن الحكومة تقرأ كل الإمكانيات الدستورية المتوفرة للبرلمان من زاوية الفصل 51.


ومن خلال تناول الفصول 55 و56 و 57، تتضح لنا المقتضيات الدستورية التي تستغلها الحكومة، لتقييد “سلطة” البرلمان. فالفصل 55 يسمح للحكومة بأن تشرع بدل البرلمان، في اتخاذ التدابير، التي هي عادة من اختصاص القانون. أما الفصل 56 فيقيد هو الآخر البرلمان، لكونه ينص على ضرورة مناقشة ما حددته الحكومة بالأسبقية، وفق الترتيب الذي تحدده. في حين يعطي الفصل 57 للحكومة صلاحية منع أي تعديل، بذريعة كونه لم يعرض على اللجنة المعنية بالأمر.


أمام هذه الترسانة الدستورية والطريقة ” النصية” التي تقرأ بها، يبرز موقع البرلمان الضعيف مقارنة بالحكومة، التي لها وزن سياسي مدعومة بالفصول الدستورية تارة والتنظيمية تارة أخرى. ينضاف إلى هذا العامل ، عامل آخر غاية في الأهمية وهو سلوك البرلمانيين المغاربة ، الشاذ مقارنة بنظرائهم الأوربيين . حيث يسجل عزوفهم عن توظيف الصلاحيات الدستورية المخولة لهم ، كاللجوء مثلا إلى المجلس الدستوري ، في الحالات التي تمس فيها صلاحيتهم من طرف الحكومة . أو التصويت ب”لا” ضد مشاريع هذه الأخيرة.


وهذا يقودنا إلى طرح “السؤال” التالي: لماذا لا يصوت البرلمانيون ضد مشروع قانون المالية أو على الأقل ضد بعض بنوده ؟ هل لكونه يخدم أهدافهم السياسية إذا افترضنا أنهم يعبرون عن مواقع اجتماعية معينة؟ أم أن ذلك ناتج عن ثقافة سياسية تتسم بالخضوع والإذعان ؟.


الكل يجمع أن هناك سلوك مشين لدى البرلمانيين المغاربة ، كظاهرة الترحال أي تغيير القميص السياسي الحزبي والغياب المتكرر عن الجلسات العامة ، وعدم التمكن من النصوص القانونية التي تحدد العمل البرلماني ،حيث أن أغلبهم أمي ، إضافة إلى تفشي “المحسوبية” و”الزبونية” على مستوى علاقاتهم الداخلية.


لتفسير هذا السلوك يمكن الرجوع إلى العوامل التاريخية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و النفسية ( كالتماهي بالمتسلط ومحاولة استغلال النفوذ ، كالتملص الضريبي مثلا الخ ) .


فمصادقة “ممثلي الأمة” على مشروع القانون المالي ، يمكن إرجاعها إلى كون السلطة التنفيذية هي ” حكومة جلالة الملك” ، والمشروع لا يعرض أمام أنظار ممثلي الشعب ، إلا بعد مروره بالمجلس الوزاري ، الذي يرأسه الملك . والنخبة البرلمانية لا يمكن أن تعارض الملك، نظرا لرمزيته في المتخيل الجمعي وللصلاحيات الدستورية التي يتمتع بها، ومن تم لا يمكن أن تعارض أي مشروع تمت المصادقة عليه بحضوره. باعتباره ،أي الملك / السلطان هو الروح بمنطق الآداب السلطانية والحكومة هي حاشيته المنفذة لأوامره، أما الشعب / الرعية فهو الجسد المطيع لهذه الأوامر، وبالتالي لا يمكن أن ننتظر من نواب الرعية، معارضة حاشية الملك . ذلك أن ولي الأمر أدرى بمصالح الرعية من نفسها، وحاشيته هي الوسيط المخلص لتوجيهاته. وما الدور الذي يقوم به مستشاري الملك اليوم، إلا دليل على ذلك.


هذه العلاقة تتضح من خلال استدلال الحكومة بخطب الملك ، محاولة منها لشرعنة ممارستها . فهذا المشهد السياسي تولدت عنه نخبة برلمانية ، راكمت نتيجة لمواقعها الاجتماعية وانتماءاتها السياسية وسيادة أنماط التقرب و التزلف والتملق كأنماط تقليدا نية، هكذا معرفة حول السياسة ورجالاتها في نسق سياسي مغلق ، تراكمت فيه تمثلات وقيم حول الحاكم ، باعتباره سليل البيت النبوي ، ومن تم تعد طاعته من طاعة الله والعكس بالعكس . قد يجوز هذا التفسير من ناحية ، ومن ناحية ثانية يمكن القول إن سبب الطاعة / الإذعان راجع إلى كون الملك / الرئيس هو الموزع الرئيسي للثروة و العطايا والكرامات على الموالين له حسب تمثل أغلب النواب، الذي قد يجانب الصواب في بعض الأحيان. فهذا التصور تكرس في الثقافة السياسية المغربية أثناء مرحلة ما بعد الاستقلال، وذلك أثناء توزيع أراضي المعمرين الفرنسيين،على العديد من المكونات الاجتماعية، التي كانت تنتمي لما اصطلح عليه تاريخيا بقبائل الجيش، التي شكلت عبر التاريخ السياسي المغربي العمود الفقري، لما يسمى بالمخزن . وما استفادت “نواب الأمة” اليوم،من الإعفاءات الضريبية ، والحظوة والعناية الرسمية، إلا تكريس لهذا النمط ، على الأقل في ذهنيات المنتخبين . رغم أن دعاة اقتصاد السوق يقولون بأن تراجع الدور التوزيعي للدولة وصعود المرفق الخاص على حساب المرفق العام،سيساهمان في تغيير الممارسة البرلمانية ، وبالتالي تغيير تمثل المنتخب للعملية برمتها، نتيجة لتضرر النواب من الجمود المرتقب على مستوى دور القطاع العام .


لكن الأزمة الاقتصادية الحالية وما رافقها من مقاربات اقتصادية وسياسية قد تفند هذا التصور، حيث أصبحنا اليوم أمام بوادر جديدة لميمكن أن نسميه ” بعودة العام” أو لنقول عودة الدولة.مما سيذكي التنافس على المجالس المنتخبة ويؤبد الحظوة والنفوذ، في فسيفساء اجتماعي وسياسي، تتجاذبه تيارات التحديث “المعاق” وتشده روافد التقليد المبهم.


خلاصة لما ذكر، يمكن القول إن ثقافة الخضوع ، كشكل من أشكال الثقافة السياسية ، هي السائدة في أوساط النخبة البرلمانية بالمغرب، وفي باقي البلدان المغاربية الأخرى . هذا النوع من الثقافة يجد أساسه في العلاقات الأبوية المكرسة في الأسرة، والعشيرة والمدرسة والجامعة والمسجد و الحزب والجمعية والنادي، وبالتالي في التنشئة الاجتماعية والسياسية. والتي من أبرز سماتها:


كون الأفراد / البرلمانيين ، يعرفون أفعال الحكومة / السلطة ، ولديهم مواقف تجاهها ، لكن تبقى هذه المواقف سلبية ، حيث يحترمونها إذا كانت سياساتها لصالحهم ، ويخضعون لها إذا كانت عكس ذلك بل يتماهون معها . وتبقى فكرة وجود عمل فردي أو جماعي، من شأنه التأثير على عمل السلطة / الحكومة، هي فكرة غريبة عن هذا النوع من النخب، التي عادة ما تعمل بمقولة “الله ينصر من صبح ” ليس بمعنى الحاكم ولكن بمعنى السياسات المنتهجة، مادام التقدم إلى الانتخابات يمثل سبيلا للاغتناء والنفوذ في نظر أغلب البرلمانيين.


هذه النتيجة يدعمها عدم استغلال البرلمانيين للصلاحيات الدستورية المتوفرة لهم ، كالتصويت ضد المشاريع الحكومية ، أو على الأقل السعي إلى تعديل بعض بنودها أو المطالبة بتعديل دستوري مثلا . علاوة على الغياب عن الجلسات العامة ، من منطلق أن كل شيء سيسير وفق التوجيهات العليا ؟؟؟.


*باحث بسلك الدكتوراه وحدة البحث والتكوين في علم السياسة والقانون الدستوري كلية الحقوق مراكش.


[email protected]

‫تعليقات الزوار

2
  • حسن غريبي
    الثلاثاء 26 يناير 2010 - 13:32

    مقال جميل جدا ومن خلال ما قلت يتبين أن البرلمان لا دور له سوى التصفيق لما تقرره الحكومة وعند الملك في الدستور الحق في إزالته والإبقاء على حكومته الموقرة بلا صداع الراس كل تلاثاء و أربعاء

  • سعاد تكنسى
    الثلاثاء 26 يناير 2010 - 13:30

    شكرا اخي على هذاالمقال المفيد جداو الذي يتحذث عن واقع السلطة التشريعية في بلادنا و التي كان من المفروض ان تكون في مكان قوة وتدافع عن مصالح المواطنين الذين انتخبوهم باستعمال صلاحياتهم الدستورية

صوت وصورة
"ليديك" وفيضانات البيضاء
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 17:08

"ليديك" وفيضانات البيضاء

صوت وصورة
استثمارات يابانية في السيارات
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 14:59 4

استثمارات يابانية في السيارات

صوت وصورة
الفلاحة الإيكولوجية رافعة للتنمية
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 12:22 1

الفلاحة الإيكولوجية رافعة للتنمية

صوت وصورة
تعويضات خسائر الفيضانات
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 10:35 5

تعويضات خسائر الفيضانات

صوت وصورة
المقبرة اليهودية بورزازات
الإثنين 11 يناير 2021 - 21:59 8

المقبرة اليهودية بورزازات

صوت وصورة
كساد تجارة الجلباب التقليدي
الإثنين 11 يناير 2021 - 20:39 2

كساد تجارة الجلباب التقليدي