التعليم أساس التقدم.. لكن بأية مواصفات؟

التعليم أساس التقدم.. لكن بأية مواصفات؟
الأحد 27 يناير 2019 - 22:35

ما من وزير يتولى قطاع التربية والتعليم، إلا يجد نفسه وجها لوجه مع مجموعة من الإكراهات المتوارثة منذ عقود. فمن ظاهرة الاكتظاظ التي تشكل عائقا كبيرا أمام تحسين مستوى التلاميذ، خاصة في المحطات المفصلية في مسيرتهم التعليمية، لما يكونون في أمس الحاجة إلى عدد محدود لتحصيل الكفايات الأساس في اللغات والمواد العلمية التي تتطلب التجارب العلمية الفردية، إلى ظاهرة الهدر المدرسي، الزلزال الذي يضرب كل سنة عددا من التلاميذ يقدرون بمئات الآلاف يغادرون كراسي الأقسام، حتى بدون تحصيل التعلمات

الأساسية، مما يجعلهم فور مغادرتهم المدرسة يلتحقون بطابور الأمية، الذي لا يزال أكثر من 30 بالمائة من المواطنين يرزحون تحت نيره، ولا أمل في الأفق يؤشر على الحد منها بله القضاء عليها، وكذا إكراه التعليم الأولي الذي بني الإصلاح الأخير على أساسه، وإلى اليوم وقد مر على إقراره أكثر من عشرين سنة، لا يزال يراوح مكانه، وحتى ما تحقق منه لا يتجاوز حجرات غالبا بُنِيت في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ويتم تكليف أي كان بالعمل في هذا المستوى الحساس، علما أن تلاميذ هذه المرحلة هم أحوج ما يكونون

إلى مربيات ومربين ذوي كفاءات مهنية عالية، إذ ليس من السهل التعامل مع هذه الفئة العمرية الصغيرة (ما بين 4 و5 سنوات)، وصولا إلى الإطعام المدرسي، وأي إطعام، لا كما ولا كيفا. وانضاف في السنوات الأخيرة إكراه القضاء على البناء المفكك، باعتباره غير صالح

للممارسة التربوية. وقاصمة الظهر موضوع لغة التدريس وما تعرفه من شد وجذب بين اللغات المدسترة (العربية والأمازيغية) واللغة الفرنسية، وبشكل خافت اللغة الإنجليزية، علما أنها لغة التواصل العالمية الأولى ولغة البحث العلمي.

وكل تيار يخوض المعركة اللغوية باعتبارها قضية حياة أو موت، فتيار اللغة العربية يتشبث بالمكاسب، ويناضل من أجل استكمال مراحل التعريب ليشمل كافة الأسلاك والمعاهد العليا وكليات الطب والصيدلة وغيرها على غرار بعض الدول العربية كسوريا مثلا، والتيار

الأمازيغي الذي لا يزال، رغم ما تحقق على أرض الواقع، يتحدث عن الحيف والتهميش، اللذين يلحقان بالأمازيغية، والتيار الفرنكفوني الذي لا يتوانى في الدفاع عن قلاعه في الإدارة واكتساحه عالم المال والأعمال والتعليم العالي تقريبا بكل تخصصاته. وهو اليوم قاب قوسين أو أدنى من العودة بقوة إلى التعليمين الابتدائي والثانوي. أضف إلى كل ما سبق إشكالية المجانية وما تثيره من نقاشات، خاصة أنها تمس شرائح مجتمعية عريضة، رغم التطمينات المبهمة المصاحبة لها. أما شعار الرؤية الاستراتيجية للإصلاح (2030 – 2015) “من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء”، فلا يزال بعيد المنال.

فإلى أي حد يمكن الرهان على مدرسة هذه حالها، ولا تزال، منذ عشرات السنين، تتخبط في هذه التحديات التي لا تتجاوز العتبات، أن تحقق ما على عاتقها من رهانات كبرى؟

فالدولة تراهن على المدرسة، من خلال البرامج والمقررات والمناهج، لغرس قيم المواطنة في نفوس الناشئة، وكذا حب الوطن بكافة رموزه، للوصول إلى المواطن الصالح لنفسه ولوطنه وللبشرية جمعاء. تتقاطع هذه الرهانات مع رهانات الحقوقيين على المدرسة لتربية المتعلمين على احترام حقوق الإنسان، بغض النظر عن الجنس أو العرق أو اللون أو الدين،

وكذا رهانات الجمعيات النسائية بكل تلاوينها على المدرسة لغرس قيم المساواة بين الجنسين الذكر والأنثى في كافة الحقوق. كما يتم الرهان عليها لغرس قيم التسامح ومحاربة التطرف والإرهاب والغلو، والرهان عليها أيضا لنشر ثقافة الحقوق والواجبات، على حد

سواء، كحق التصويت والانتخاب والاختيار، والحق في التطبيب والتمدرس والسكن وغيرها. كما تعول الجمعيات البيئية على غرس الثقافة البيئية في نفوس الناشئة. كما تراهن الهيئة الوطنية لمحاربة الرشوة عليها لتربية النشء على نبذ هذه الآفة الخطيرة التي تفتك

بالمجتمعات، وتبطل مفعول أي إصلاح مهما كانت أهميته. كما يتم الرهان على المدرسة لتغيير العقليات من شعار “سمعنا وأطعنا”، إلى إعمال العقل والنقد في كل ما يتلقاه النشء، حتى لا يبقى فريسة لخطاب تجار الدم من المنظمات الإرهابية، التي تعزف على وتر العواطف

لاستمالته بيسر وسهولة.

فالجميع يراهن على المدرسة، وحق لهم ذلك. فأي تقدم تحققه المجتمعات وتبلغ ما تبلغه من رقي يؤهلها لحجز مقعد ضمن الدول المتقدمة عالميا، لم تنله إلا عبر بوابة التعليم.

فاليابان نموذج أمامنا. في ظرف وجيز، ورغم الدمار الذي تعرضت له في نكازاكي وهيروشيما على يد القوات الأمريكية، ورغم ظروفها الطبيعية القاسية (أكثر من ثلاثة آلاف جزيرة على أرض لا تعرف الاستقرار أبدا)، وكذا الإجحاف الذي فرض عليها بفعل الشروط القاسية التي خضعت لها عقب الحرب العالمية الثانية.. رغم كل هذا، هي اليوم تكتسح جل الأسواق العالمية بمنتجاتها الصناعية. لكن السؤال الذي يفرض ذاته في هذا السياق يتعلق بنوعية التعليم الذي بإمكانه أن يحقق هذه الغايات الكبرى، وما هي مواصفات المدرسة التي بإمكانها النهوض بالمجتمعات؟ فهل بمدارس تفتقر إلى أبسط الشروط للممارسة التعليمية، كالمختبرات العلمية، والحرص على صيانة أعطابها وحماية تجهيزاتها من التلف والضياع، وكذا المراسم الخاصة بالفنون، والملاعب الرياضية المجهزة أحدث تجهيز، والقاعات متعددة الاختصاصات من معلوميات وغيرها؟.. وإذا تجاوزنا ما يتعلق بالبنيات التحتية للمدارس، فأي نوع من الأساتذة يمكنه أن ينهض بما هو منوط بالمدرسة، يؤهلها لتحقيق التقدم والرقي للبلاد؟ فهل يمكن تحقيق ذلك بأساتذة لا هم لهم إلا المطالبة بالحقوق كاملة مكمولة دون القيام بأبسط الواجبات؟ أم بأساتذة لا يرون

في التلاميذ غير جيوب آبائهم وأولياء أمورهم، لابتزازهم واضطرارهم إلى الساعات الإضافية

اضطرارا؟ أم بأساتذة يحولون حجراتهم الدراسية إلى حلبات للملاكمة بينهم وبين متعلميهم؟

أساتذة فاتهم الركب، لا يزالون يؤمنون بالعنف وسيلة للتربية والتعليم دون اعتبار لمتغيرات العصر، التي أصبحت تجرم العنف بنوعيه المادي والمعنوي؟ أم نحقق ذلك بأساتذة فرضت عليهم الظروف، وقد بلغوا من العمر عتيا، ووهنت عظامهم، واشتعلت رؤوسهم شيبا، وسدت أمامهم كل الأبواب، فلم يجدوا أمامهم غير التعليم عبر بوابة التعاقد.. فهل ننتظر من هؤلاء ولما يستقر بهم المقام بحجرات الدرس، حتى انطلقت مسيراتهم الإضرابية مطالبة بالتوظيف المباشر، علما أنهم وقعوا بمحض إرادتهم على عقود عمل بشروط محددة لا لبس فيها. فكيف يستقيم أن يضربوا اليوم ضد ما تم الالتزام به أمس؟ هذا دون الحديث عن تكوينهم، وكذا مواكبة مسيرتهم التعليمية، حتى يتمكنوا من سُرَّة مهنة التربية والتعليم التي ليست كبقية المهن يمكن أن تسند لأي كان. إنها مسؤولية الأجيال عليها المعول لبناء الوطن. فهل يكفي ما نخصصه للمدرسة وما نوفره لها لنطلب منها أن تنهض بكل ما سبق ذكره من مهام ما إن مفاتحها لتنوء بالعصبة أولي القوة؟

*كاتب

صوت وصورة
إشاعة تخفيف الإغلاق الليلي
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 20:41

إشاعة تخفيف الإغلاق الليلي

صوت وصورة
التأمين الإجباري عن المرض
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 15:15

التأمين الإجباري عن المرض

صوت وصورة
رمضانهم في الإمارات
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 15:00

رمضانهم في الإمارات

صوت وصورة
ساكنون تحت الخيام بالرباط
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 12:59

ساكنون تحت الخيام بالرباط

صوت وصورة
تطويق مسجد بفاس
الثلاثاء 20 أبريل 2021 - 00:00

تطويق مسجد بفاس

صوت وصورة
مع هيثم مفتاح
الإثنين 19 أبريل 2021 - 21:30

مع هيثم مفتاح