الثورة الثانية للملك والشعب

الثورة الثانية للملك والشعب
الأربعاء 9 مارس 2011 - 10:58

عندما انطلقت انتفاضات الشعوب العربية، انقسم المحلِّلون السياسيون في المغرب إلى فريقين: فريق اعتبر بلدنا معني بها و يجب عليه استباق الأحداث و تجنب المخاطر بسن إصلاحات جذرية ؛ و فريق ثاني يعتبر أن المغرب كان سبّاقاً إلى الديمقراطية و أنه يمثل استثناءً، بل قدوة للشعوب العربية٠ و جاءت مظاهرات 20 يبرا ير لتكذِّب مقولة الاستثناء و لتبيِّن أن كل شيء ممكن، في المغرب كذلك٠


لهذا يطرح السؤال اليوم على المغاربة: بما أن شعارات 20 يبرا ير لم تطلب تغيير النظام الملكي، هل يمكن أن نصلح و نغرس القيم الديمقراطية الحقة في ظل هذا النظام؟


يقتضي الجواب على هذا السؤال أن نعود باختصار إلى تاريخنا المعاصر لكي نستلهم منه ملامح تطلُّعاتنا للمستقبل٠


يُعدُّ يوم 20 غشت عيداً وطنياً يذكرنا كل سنة بالميثاق الوثيق الذي جمع ، منذ 1937، السلطان محمد ابن يوسف بالشعب المغربي من خلال الحركة الوطنية التي كانت تمثله آنذاك٠


و قد تجلّى هذا الميثاق في عدة محطات تاريخية كموافقة الجانبين على بيان المطالبة بالاستقلال الذي تقدّمت به الحركة الوطنية يوم 11 يناير1944، و خطاب طنجة الشهير سنة 47، وإضراب السلطان على توقيع الظهائر، و انطلاق المقاومة المسلحة غداة نفي العائلة السلطانية ، و تكوين جيش التحرير، و رفض الحركة الوطنية الاستقلال دون عودة السلطان، وأخيراً معاهدة إكس ليبان و رجوع ابن يوسف لا كسلطان و إنّما كملك تحت اسم محمد الخامس ، و تأليف أول حكومة وطنية٠


و كان يرمز هذا التحوُّل في الصفة إلى الانتقال من المخزن التقليدي الذي تعايش مع الحماية إلى ملكية حديثة٠


و قد أُسندت إلى الحكومات الأربع الأولى، التي تألّفت ما بين دجنبر 1955 و مايو 1960، مهمة إرساء أُسس الدولة الديمقراطية الحديثة٠ و بدأت تظهر نتائج هذه المهمة من خلال بعض الإنجازات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية نذكر منها على سبيل المثال إنشاء السِّكة الوطنية و فصلها عن الفرنك الفرنسي، و إحداث صندوق الضمان الاجتماعي، و التعبئة لبناء طريق الوحدة الرابطة بين شمال المغرب و وسطه، و مشاريع تصنيع البلاد٠ كما عرفت هذه المرحلة تنظيم أول و آخر انتخابات نزيهة و هي الانتخابات البلدية المنظمة في ٠1960


و قد توقفت الثورة حين تأججت الخلافات داخل الحركة الوطنية و استغلّها الأمير مولاي الحسن ليفرض حكومة جديدة ترأسها صورياً الملك و كان رئيسها الفعلي هو نائب الرئيس، أي ولي العهد الذي سيصبح بعد بضعة أشهر الملك الحسن الثاني بعد وفاة محمد الخامس رحمه الله، فجأة يوم 26 يبراير ٠1961


البقية معروفة: رغم كل التطورات التي عرفها المغرب بين مدٍّ و جزر في المجال السياسي، و خاصة تجربة التناوب ، نحن لا زلنا نعيش على النمط الذي أبدعه المغفور له الحسن الثاني ، الذي يعتمد على مظاهر الديمقراطية أكثر مِمّا يعتمد على نجاعتها و على غرس جذور الثقافة الديمقراطية في المجتمع المغربي ٠ لهذا، فإن عمر ” المسلسل الديمقراطي” تجاوز نصف قرن ، و لا يمكن الاستمرار على هذا الإيقاع في زمن الثورة التكنولوجية التي نعيش اليوم٠ لقد ولّى عهد الحسن الثاني مع جيله ، بما له و ما عليه٠وقد انتبه إلى انتهاء عهده في بداية التسعينات، أي مع انتهاء الحرب الباردة٠ وشرع في التأقلُم مع الظروف الدولية الجديدة بإعداد دستور 96 و تنظيم انتخابات 97 التي أدّت إلى ” التناوب” ٠


لا يجدي الحديث اليوم عن تسريع وثيرة الإصلاح لأن الإصلاح توقف و لم تعد له وثيرة٠ بل أصبحت له وثيرة رجعية ما بين 2002 و 2009. لهذا، نحن بحاجة إلى إحداث قطيعة تامة مع الفساد السياسي٠ نحن بحاجة إلى ميثاق جديد بين الملك و الشعب يلتزم فيه الطرفان ببناء الدولة المغربية الديمقراطية ٠ وسيكون هذا الميثاق هو أساس الثورة الثانية للملك و الشعب٠ و إذا تحقق ، سيقول التاريخ إن محمد السادس قد أنجز ما كان يصبو إلى تحقيقه محمد الخامس، لو أمهله القدر ٠


ما هي ملامح هذا الميثاق؟


ـــ السمة الأولى لهذا الميثاق هو أن المغرب يجب أن ينعم بالديمقراطية. و الديمقراطية اليوم ليست فقط مكتسب من مكتسبات الإنسانية بل هي حق من حقوق الإنسان، يتوجب حضوره في كل مجالات الحياة العامة و الخاصة٠


و أهم ما تتميّز به الديمقراطية، في المجال السياسي كما هو معروف، هو التداول على السلطة وِفقاً لما تسفره نتائج صناديق الاقتراع٠


و عندما نتحدث عن السلطة ، نعني بطبيعة الحال السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية بكل مستوياتها٠ إلى جانب هذا، و كما هو الشأن في أي بلد ديمقراطي، فإن الفعل الديمقراطي يلازم التدبير و اتخاذ القرار في كل المؤسسات، عمومية كانت أم خصوصية ٠


من الثوابت الأخرى للديمقراطية، إطلاق الحريات العامة بدون خطوط حمراء، احترام حقوق الإنسان، احترام الجميع للقوانين المنبثقة عن التمثيلية الشعبية، إلخ٠


هذه ثوابت كونية لا تغيِّرها خصوصيات البلدان، المرتبطة بالتاريخ أو بنوعية نظام الحكم أو بالأعراف و التقاليد


ـــ تتعلّق السمة الثانية لهذا الميثاق بنوعية نظام الحكم٠ أظن أن أفضل تسمية يمكن أن نطلقها على نظامنا، إذا شئنا أن نتوافق مع روح الميثاق الأول الذي حكم ثورة الملك و الشعب الأولى هي تسمية ” الملكية الديمقراطية المغربية “٠


قد يقول قائل: كيف يمكن لدولة لها رئيس مدى الحياة، يورِّث منصبه لخلفه أن تكون يُتَداول على السلطة فيها؟ ديمقراطية


لتجاوز هذه المفارقة، هناك شرطان


ـ الشرط الأول هو أن تشمل رئيس الدولة و عائلته القوانين الملزمة لجميع المواطنين٠


ـ الشرط الثاني هو أن نميِّز بين مجالات البرامج والسياسات المتغيِّرة من جهة، ومجالات السياسات القارّة نسبيا من جهة أخرى: أقصد من جهة المالية و الاقتصاد والتجارة و الصحة و التعليم و الثقافة، الخ. و من جهة أخرى مجالات السياسة الخارجية و الشأن الديني والدفاع الوطني٠


لا يصحُّ هذا التمييز، بطبيعة الحال، إلا على السلطة التنفيذية٠ أمّا السلطة التشريعية، فهي مصدر التشريع الوحيد في كل المجالات إلا في حالات استثنائية ناذرة و قصوى. ولها كذلك مهمة المراقبة في جميع المجالات٠


تكفي هاتان السمتان لتحديد مضامين الدستور الجديد٠ فسيكون هذا الأخير دستور دولة ديمقراطية بسلط قوية و مستقلة، لها نظام ملكي دستوري يتحمّل فيه الملك مسؤولية السياسة الخارجية و الشأن الديني و الدفاع الوطني بتنسيق مع الحكومة و يترك لهذه الأخيرة المجالات الأخرى٠ و يؤكد الدستور سلطة الحكومة المنبثقة من التمثيلية الشعبية و مسؤوليتها أمام البرلمان٠


كما تقضي الديمقراطية تأكيد الدستور للصلاحيات الواسعة للبرلمان في التشريع و مراقبة الحكومة و كل مؤسسات الدولة٠


وتقضي سمتا الميثاق كذلك تأكيد جميع حقوق الإنسان المتعارف عليها دولياً، وضمن الحقوق اللغوية و الثقافية، الإقرار باللغة العربية و اللغة الأمازيغية كلغتين وطنيتين و رسميتين تُسند إليهما كل الوظائف اللغوية في مجالات التربية و التعليم و الشغل و الحياة العامة٠


الميثاق و الدستور الجديد ضروريان لإحداث القطيعة مع الثقافة السياسية السائدة حالياً.


و ربّما يكون للميثاق الدور الأكبر في تفجير الثورة المرجوة، ثورة الملك و الشعب الثانية التي تعيد للشباب ثقته في وطنه و تدخله فعلا في عهد جديد.

‫تعليقات الزوار

1
  • رياض الجنان
    الأربعاء 9 مارس 2011 - 11:00

    عنوان يقول ثورة شعب وثورة ملك يستثني من اوله مسؤولية ذلك الملك السياسية والوطنية .. ويكرس مقوله شخص الملك مقدس : قد اصطفاه فلا حديث عن اخطائه وتوجهاته .. عنوان يذكر بثورة القذافي مع شعبه واش الفرق : ثورة شعب وملك او ثورة اخ قايد الثورة وشعبو ::: يا اخوة المغرب الاعزاء عاصفة الصحوة العربية مابقات تقدّر شي واحد … والخطاب اللي ضعيف ما قال والو على وسائل القمع والبوليس السياسي وكهوف سجون الظلم والاهانه ولم يقل شيئا عن الفقراء والمعدمين .. والذي يحاول منحكم جميل ديال دستور وديال اصلاح لا يغني من جوع مفبرك اعطيه بقاء السلطة والزبانية ديالها على حالها .. ما تسمعوه وما كم في حاجة لصدقات و عندكم حق الحلم ولا حلم ممنوع سيتحقق حسب معطيات القانون الطبيعي الحتمي الواقع على كافة الدول العربية والدكتاتورية كايران والصين ..ويعود المليك بشر عادي ماشي مقدس قرآني

صوت وصورة
صرخة ساكنة "دوار البراهمة"
الجمعة 22 يناير 2021 - 23:11 1

صرخة ساكنة "دوار البراهمة"

صوت وصورة
عربات "كوتشي"  أنيقة بأكادير
الجمعة 22 يناير 2021 - 20:29 17

عربات "كوتشي" أنيقة بأكادير

صوت وصورة
دار الأمومة بإملشيل
الجمعة 22 يناير 2021 - 18:11 4

دار الأمومة بإملشيل

صوت وصورة
غياب النقل المدرسي
الجمعة 22 يناير 2021 - 14:11 1

غياب النقل المدرسي

صوت وصورة
متحف الحيوانات بالرباط
الجمعة 22 يناير 2021 - 13:20 3

متحف الحيوانات بالرباط

صوت وصورة
صبر وكفاح المرأة القروية
الخميس 21 يناير 2021 - 20:50 3

صبر وكفاح المرأة القروية