الجموح العاطفي والتصحيح والثورة

الجموح العاطفي والتصحيح والثورة
الإثنين 21 مارس 2011 - 12:42

ما من شك في أن ما تشهده الأمة العربية والإسلامية من حراك اجتماعي لانتزاع حقها في تكافؤ الفرص والعدل في توزيع الثروة، واحتجاج سياسي لانتزاع حقها في اختيار من يمثلها ويحكمها ،ومن ثورات نجحت منها اثنثان لحد الآن، وسيُقدر للأُخريات النَّجاح لا محالة عاجلا أو آجلا،لتجد الشعوب نفسها أمام استحقاقات وحدة الجبهة الداخلية على صعيد الأقطار لاسيما التي تعرف تعددا طائفيا(كالعراق ولبنان والبحرين)،وعلى صعيد الأمة لتلتفت إلى مهام البناء وخدمة البلاد والعباد،وإن الجموح العاطفي يشكل أحد أهم العوائق أمام وحدة الجبهة الداخلية المذكورة.


ولا ريب أيضا في أنه بعد الانقلاب على الخلافة الراشدة، واستفحال النزع المذهبي، وما أعقب ذلك من انعكاسات على واقعنا المعاصر، أصبح النزيف في عواطف المسلمين من تجليات الانحراف ومظاهره ومُخلَّفاته، حلَّ ذلك النزيف محل الأُلفة والإخاء والتعايش، وهَدَّ وحدة المسلمين وكيانهم،وعَمَّقته الأهواء السياسية للحاكمين ليستفردوا بالسلطة بعد شق الوحدة السياسية والاجتماعية والعاطفية لمجتمعاتهم، وقد تمثل العطب العاطفي الأول في معسكر أهل السنة في ظهور الانحراف عن آل البيت عند فئة منهم في مرحلة تاريخية معينة، وقد سُمِّي ذلك الانحراف نصبا،وتمثل العطب العاطفي الثاني في معسكر الشيعة الذين اتخد كثير منهم من وجود بعض مظاهر ذلك النصب القديم ذريعة للتنقيص من كبار الصحابة – رضي الله عنهم – وإغراق الاحتفالات بذكرى استشهاد الحسين في طوفان من البدع، فما العمل لمواجهة ذينك العطبين العاطفيين وإعادة الاعتبار لموازين الشرع والعقل في الحب والبغض .


مواجهة أهل السنة للانحراف عن أهل البيت


بعد استشهاد ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان – رضي الله عنه- امتنع معاوية ومن تبعه من أهل الشام عن مبايعة من رضيه المسلمون خليفة وهو علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه- فحصل القتال بينهما، وحكم علماء أهل السنة بصواب علي في جميع حروبه[1].


وثارت بسبب الفتنة نفوس الفئة المحقة، كما ثارت نفوس الفئة الباغية، فالتقا المسلمان بسفيهما، وتبادلا السب والشتم، فهذا علي – كرم الله وجهه- بلغه أن أفرادا من جيشه لا يتورعون عن سب أهل الشام، فينهاهم قائلا: “إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبكم إياهم : اللهم أحقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به”[2]،ويخبرنا أبو حنيفة الدينوري أن عليا بلغه أن “حجر بن عدي وعمرو بن الحمق الخراعي يظهران شتم معاوية ولعن أهل الشام، فأرسل إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما فأتياه، فقالا: يا أمير المؤمنين: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى ورب الكعبة المسدنة، قالوا: فلم تمنعنا من شتمهم ولعنهم؟ قال: كرهت لكم أن تكونوا شتامين لعانين”[3.[


وأدرك الإمام علي بفراسته أن أمرا فظيعا سيعقب انتهاء القتال بينه وبين معاوية فحذر المسامين قائلا: “ألا إنه (أي معاوية) سيأمركم بسبي والبراءة مني، أما السب فسبوني، فإنه لي زكاة ولكم نجاة، وأما البراءة فلا تتبرؤوا مني، فإني ولدت على الفطرة، وسبقت إلى الإيمان والهجرة”[4]، وبانتهاء القتال – إذ يفترض أن تكون النفوس قد هدأت- أصبح سب علي – كرم الله وجهه- قرارا رسميا تتبناه دولة من غلب، وتختم به خطب الجمعة، ويشب عليه الصغير ويهرم عليه الكبير[5].


يصف علي بن الحسين زين العابدين واقع الحال بعد إقرار السب ومقتل الحسين لما سأله المنهال بن عمرو “كيف أصبحت أصلحك الله؟ فقال: ما كنت أدري أن شيخنا من أهل العصر مثلك لا يدري كيف أصبحنا، فأما إذا لم تدر أو تعلم فسأخبرك، أصبحنا في قومنا بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون، إذ كانوا يذبحون أبناءهم، ويستحيون نسائهم، أصبح شيخنا وسيدنا (أي علي) يتقرب إلى عدونا بشتمه وسبه على المنابر (…) وأصبحوا يأخذون بحقنا و لا يعرفون لنا حقا، فهكذا أصبحنا إذا لم تدر كيف أصبحنا”[6].


ومن عجيب ما ينقله ابن حجر في تهذيب التهذيب عند ترجمته لعلي بن رباح اللخمي خبر قتل بني أمية لمن سماه أبواه عليا من المواليد فيقول – مترجما لعلي بن رباح-: “قال النسائي: ثقة وذكره ابن حبان في الثقاة، وقال الليث: قال علي بن رباح: لا أجعل في حل من سماني عليا، فإن اسمي علي، وقال المقري، كان بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه، فبلغ ذلك رباحا فقال: هو علي، وكان يغضب من علي، ويحرج على ما سماه به”[7].


لقد كان المسلمون يتبرمون بصنيع النواصب والمنحرفين عن آل البيت، وما سكتوا إلا خوفا، يقول ابن حجر عند ذكره لعمر بن سعد بن أبي وقاص (ت 65 هـ): “صدوق، لكن مقته الناس لكونه كان أميرا على الجيش الذين قتلوا الحسين بن علي”[8]،واستشعر قادة المسلمين وعلماؤهم من أهل السنة خطورة الانحراف فنهضوا لمواجهته وتصحيحه في موقعين: الأول في القمة على أيدي الحاكمين، والثاني في القاعدة على أيدي العلماء.


مـواجـهـة الانـحـراف فـي الـقـمـة


قاد هذه المواجهة – على سبيل المثال- رجلان هما: معاوية بن يزيد وعمر بن عبد العزيز، وقد شاءت إرادة الله عز وجل أن تجعل منهما شاهدين على ملامح الانحراف ومعالمه وظاهره، إلا أن الأول غلب عليه تيار الانحراف والتحريف فانسحب من الحكم واستقال – كشكل من أشكال الاحتجاج- وأما الثاني فقد كلفه التصحيح حياته إذ مات مسموما، وأثمرت جهوده انقطاع العادة السيئة (السب) إلى حين.


1- معاوية بن يزيد (ت 64 هـ):


قال عنه اليعقوبي: “كان له مذهب جميل”[9]، وقال عنه ابن كثير: “كان رجلا صالحا ناسكا”[10]،وهو وإن لم تطل مدة حكمه، فقد كان لموقفه – عندما جعل المسلمين في حل من بيعته- وقع على سير الأمور من بعده، فيروي ابن كثير أن معاوية بن يزيد نادى في الناس ذات يوم: الصلاة جامعة، فاجتمعوا إليه فقال لهم: “يا أيها الناس إني قد وليت أمركم وأنا ضعيف عنه، فإن أحببتم تركتها لرجل قوي، كما تركها الصديق لذلك، وقد تركت لكم أمركم فولوا عليكم من يصلح لكم”[11]،قال ابن كثير: “ثم نزل ودخل منزله فلم يخرج منه حتى مات – رحمه الله تعالى- ويقال: “إنه سقي: إنه طعن”[12].


وإذا كانت رواية ابن كثير تفيد أن الذي حمل معاوية بن يزيد على الاستقالة هو ضعفه عن تحمل مسؤولية الحكم، فإن رواية اليعقوبي تحيلنا على أسباب أخرى ترتبط بالسياسة الأموية تجاه أهل البيت، يقول: “ثم ملك معاوية بن يزيد (…) فخطب الناس فقال: أما بعد حمد الله والثناء عليه، أيها الناس: إنا بلينا بكم، وبليتم بنا، فما نجهل كراهتكم لنا وطعنكم علينا، ألا وإن جدي معاوية بن أبي سفيان نازع الأمر من كان أولى به في القرابة برسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فركب منكم ما تعلمون، وركبتهم منه ما لا تعلمون، حتى أتته منيته، وصار رهنا بعمله، ثم قلد أبي وكان غير خليق للخير، فركب هواه، واستحسن خطأه (…) إن أعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه، وقبح منقلبه، وقد قتل عترة الرسول، وأباح الحرمة، وحرق الكعبة، وما أنا المتلقد أموركم، فشأنكم وأمركم (…) فقال له مروان بن الحكم: سنها فينا عمرية”[13]، وقالت له أمه: “ليت أني خرقة حيضة ولم أسمع منك هذا الكلام، فقال لها وليتني يا أماه خرقة حيض ولم أتقلد هذا الأمر، أتفوز بنو أمية بحلاوتها، أبوء بوزرها ومنعها أهلها، كلا إني لبرئ منها”[14]،واستمر الانحراف بعده وتقوى إلى أن ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز.


2- عمر بن عبد العزيز (ت 101 هـ):


لما استخلف عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه- أمر بترك سب علي، وصرف إلى أهل البيت ما أخذ منهم من حقوق، وكتب بذلك إلى عماله على الأقاليم، فيتحدث عمر نفسه عن سبب إقدامه على ترك السب والنهي عنه فيقول: “كنت بالمدينة أتعلم العلم، وكنت ألزم عبيد الله بن عتبة بن مسعود، فبلغه عني شيء من ذلك، فأتيته يوما وهو يصلي، فأطال الصلاة، فقعدت أنتظر فراغه، فلما فرغ من صلاته التفت إلي فقال لي: متى علمت أن الله غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضي عنهم؟ قلت: لم أسمع ذلك، فقال: فما الذي بلغك في علي؟ فقلت: معذرة إلى الله وإليك، وتركت ما كنت عليه”[15]،وهكذا نفعته صحبة رجل صالح فرجع عن فعله، ويقول أيضا: “كان أبي إذا خطب فنال من علي تلجلج، فقلت: يا أبتي إنك تمضي في خطبتك، فإذا أتيت على ذكر علي عرفت منك تقصيرا، أو فطنت لذلك؟ قلت: نعم، فقال: يا بني، إن الذين حولنا لو يعلمون من علي ما نعلم تفرقوا عنا إلى أولاده”[16].


وجعل عمر مكان السب قراءة قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾[17]،وقيل جعل مكانه قوله تعالى: ﴿ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم﴾[18].


إنضاف قرار عمر بترك السب إلى قراراته في مجال مراجعة السياسة الإدارية لمن سبقوه، عندما صرف عمال من كان قبله من حكام بني أمية، والسياسة المالية عندما استرجع منهم الأموال التي أخذوها بغير حق وردها إلى بيت المال، وصرف المستحقات المالية لأهل البيت، كما كانت تصرف إليهم زمن النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فيروي السيوطي أن عمر جمع حين استخلف بني مروان، فقال لهم: “إن النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كانت له فدك ينفق منها ويعول منها على صغير بني هاشم، ويزوج منها أيمهم، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، فكانت كذلك حياة أبي بكر ثم عمر، ثم أقطعها عثمان مروان، ثم صارت لعمر بن عبد العزيز، فرأيت أمرا منعه رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فاطمة ليس لي بحق، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت على عهد النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -“[19]، وأمر عامله على المدينة أن يقسم في ولد علي من فاطمة عشرة آلاف دينار[20].


لقد جعل الله –عز وجل- لعمر ودا في قلوب المسلمين عموما، وقلوب أهل البيت خصوصا، فأحبته الفرق كلها حتى الخوارج، ودبجت في مدحه الخطب والمقالات، ونظمت القصائد والأشعار، فكانت فاطمة بنت الحسين بن علي تقول: “لو كان بقي لنا عمر بن عبد العزيز ما احتجنا بعده إلى أحد”[21]،وكان محمد بن علي الباقر يقول: “إن لكل قوم نجيبة، وإن نجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز، وإنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة”[22].


إذا كان استئثار البيت العباسي بالحكم قد وضع حدا للتحالف الذي كان بينه وبين البيت العلوي إبان الدعوة ضد بني أمية، فإن مما عمق الخلاف بين البيتين ما جرى من اضطهاد على أهل البيت أيام حكم أبي جعفر المنصور وهارون الرشيد[23]، وخفت وطأة الضغط عليهم أيام المأمون الذي عهد بولاية العهد إلى علي بن موسى الرضا سنة مائتين للهجرة (200 هـ) وضرب اسمه على الدنانير والدراهم[24]،فخشي بنو العباس أن يخرج الأمر من أيديهم فخلعوا المأمون وبايعوا إبراهيم بن المهدي[25]،وسار كل من المعتصم والواثق على نفس نهج المأمون في مودة أهل البيت[26]،إلى أن تولى الحكم المتوكل الذي قال عنه ابن الأثير: “كان شديد البغض لعلي بن أبي طالب عليه السلام ولأهل بيته، وكان يقصد من يبلغه عنه أنه يتولى عليا وأهله بأخذ المال والدم”[27]، كما كان يبغض من تقدمه من الحكام لأجل محبتهم لأهل البيت[28].


ويذكر السيوطي في حوادث سنة أربع وأربعين ومائتين (244 هـ) خبر يعقوب بن السكيت الذي ندبه المتوكل لتعليم أولاده، فيقول: “… فنظر المتوكل يوما إلى ولديه المعتز والمؤيد، فقال لابن السكيت: من أحب إليك هما أو الحسن؟ فقال: قنبر – يعني مولى علي- خير منهما، فأمر الأتراك فداسوا بطنه حتى مات، وقيل: أمر بسل لسانه”[29]، فكان ابن السكيت بذلك في طليعة العلماء الذين واجهوا الانحراف عن آل البيت.


مـواجـهـة الانـحـراف فـي الـقـاعـدة


تمت هذه المواجهة التي قادها العلماء على صعيدين:


أولا: على الصعيد العملي:


وذلك عبر تحملهم الأذى بسبب مودتهم لأهل البيت، وعدم انسياقهم وراء الانحراف، فيذكر في هذا المضمار – إلى جانب محنة ابن السكيت الآنفة الذكر- محنة الإمام النسائي (215 هـ- 303 هـ)، الذي قال عنه الحافظ ابن كثير: “الإمام في عصره، والمقدم على أضرابه وأشكاله وفضلاء دهره، رحل إلى الآفاق، واشتغل بسماع الحديث، والاجتماع بالأئمة الحذاق، ومشايخه الذين روى عنهم مشافهة (…) وقد روى عنه خلق كثير، وقد أبان في تصنيفه عن حفظ وإتقان، وصدق وإيمان، وعلم وعرفان”[30].


وقد أورد الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ نبأ محنته وأسبابها، فذكر أن النسائي صنف كتاب (الخصائص) في فضائل الإمام علي وأهل بيته فعوتب على ذلك وأنكر عليه فقال: “دخلت دمشق والمنحرف عن علي كثير، فصنفت كتاب الخصائص، رجوت أن يهديهم الله”[31]،وليهدئ من روع المنكرين صنف بعد ذلك فضائل الصحابة – رضي الله عنهم- “فقيل له: ألا تخرج فضائل معاوية؟ فقال: أي شيء أخرج؟ حديث: اللهم لا تشبع بطنه”[32]،وتكلف الإمام الذهبي تأويل الحديث فقال: “لعل هذه منقبة معاوية لقول النبي – صلى الله عليه وسلم-: اللهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة”[33]، وورد في رواية أخرى أن الإمام النسائي قال: “أما يرضى معاوية أن يخرج رأسا برأس حتى يفضل؟”[34]،فلما لم ينفع الإنكار عليه بالقول: “مازالوا يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد، وفي رواية أخرى: يدفعون خصييه وداسوه، ثم حمل إلى الرملة فمات بها”[35].


ثانيا: على الصعيد النظري:


أذكر هنا علامتين فارقتين من علامات التصحيح على هذا الصعيد:


العلامة الأولى : وضع علماء الحديث قواعد وضوابط لمعرفة الأحاديث الصحيحة والضعيفة والمكذوبة، واهتموا بعلم الجرح والتعديل الذي يبين مدى أهلية الراوي للنقل الأمين للأحاديث، فاعتبروا النصب والانحراف عن آل البيت مما يقدح في عدالة الراوي، ويسقط حديثه عن مرتبة القبول، يشهد لذلك ذكرهم للكثير من الرواة الذين اتهموا بالنصب.


يقول الإمام الذهبي عن خالد بن سلمة المخزومي: “صدوق رمي بالإرجاء والنصب”[36]، ويقول عن زياد بن علاقة: “ثقة رمي بالنصب”[37]،ويقول عن الصلت بن دينار الأزدي: “متروك وناصبي”[38]،وينقل اتهام بن عدي والدارقطني لإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني (ت 256 هـ) بالانحراف عن علي[39]،وعندما قال الجوزجاني عن أبان بن تغلب – وهو من رواة الشيعة- :”زائغ مذموم المذهب مجاهر”[40]، تعقب ابن حجر قوله بالنقد فقال: “وأما الجوزجاني فلا عبرة بحطه على الكوفيين”[41] لأن حطه عليهم كان لأجل مذهبهم، إذ كان الغالب عليهم وقتئذ التشيع.


وقال الإمام محمد بن خليل المقدسي: “اتفق أهل السنة والجماعة على رعاية حقوق الصحابة والقرابة، وتبرؤوا من الناصبة الذين ينتقصون حرمة أهل البيت، مثل من كفر عليا ونحوه أو فسقهم، أو قال: كان يعاديهم على الملك، أو يعرض عن حقوقهم الواجبة، أو يغلو في تعظيم يزيد بن معاوية بغير الحق”[42]،ومن شذ عن هذا الاتفاق كان العلماء ينبذونه ويحذرون منه.


العلامة الثانية : كثيرا ما كانت المواقف من قومة الحسين واستشهاده تعبر عن مقدار الانحراف عن آل البيت أو مودتهم، يجمل الإمام ابن تيمية تلك المواقف في ثلاثة أنواع فيقول: “وصار الناس في قتل الحسين – رضي الله عنه- ثلاثة أصناف: طرفين ووسطا، أحد الطرفين يقول: إنه مات بحق، فإنه أراد أن يشق عصا المسلمين ويفرق جماعتهم،وقد ثبت في الصحيح عن النبي- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أنه قال:من جاءكم وأمركم على رجل واحد، يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه،قالوا:والحسين جاء وأمر المسلمين على رجل واحد،فأراد أن يفرق جماعتهم، والطرف الآخر قالوا: بل كان هو الإمام الحق طاعته، الذي لا ينعقد أمر من أمور الإيمان إلا به (…) وأما الوسط فهم أهل السنة الذين لا يقولون هذا ولا هذا، بل يقولون: قتل مظلوما شهيدا، والحديث المذكور لا يتناوله”[43]، وكأن ابن تيمية يقصد بالطرف الأول ما قاله أبو بكر بن العربي (468 هـ- 543 هـ) في كتابه (العواصم من القواصم) عندما خطأ الحسين في خروجه وقال عنه: “طلب الابتداء في الانتهاء، والاستقامة في الاعوجاج، ونضارة الشبيبة في هشيم المشيخة (…) وما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوه من جده المهيمن على الرسل”[44]، (!) ويذكر الحديث الذي نبه عليه ابن تيمية ونسب من رأى مثل رأي ابن العربي إلى النصب[45].


واعتبر الأستاذ عباس محمود العقاد رأي أصحاب الطرف الأول ومنهم ابن العربي ضربا من ضروب “حرمان الشهداء حقهم في عطف الأسلاف”[46]، وعد هذا الحرمان “خطأ في الشعور، وخطأ كذلك في التفكير”[47]، بينما الحق أن “تسديد العطف الإنساني فرض من أقدس الفروض على الناظرين في سير الغابرين، لأن العطف الإنساني هو كل ما يملك التاريخ من جزاء، وهو الثورة التي يحتفظ بها الخلود”[48].


وفي هذا المجال أيضا – تصحيح الموقف من استشهاد الحسين- كان لأرباب السلوك والتربية وقفات مع استشهاد الحسين، فيقول الشيخ أحمد الرفاعي – رحمه الله-: “الحسين بن علي عليه السلام طلبت بشريته حقها الشرعي الذي لا نزاع فيه، فغارت الربوبية، فرفعت روحه إلى مقعد صدق، فلما قرت الروح في مقامها حنت لقالبها المبارك ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا﴾[49]،وتحكم سيف العدل في الأمر، فكانت شهادة الإمام رفعة له، وكان ظفر أعداء الله خزيا لهم، وإنما الغارة الإلهية فعلت في بشرية الإمام ما فعلت، وكأنها تقول لها: طلبت قود الرقاب إلي، وأنا أريد قودك بالكلية إلي، فطلبك إلي إضمحل عند إرادتي إياك إلي، فبارزتك إرادتي بأكف من قطعتهم عني، فأدنيتك بمن قطعتهم عني، وعرفتك أني أريد فأفعل، ويراد لي قبل تعلق إرادتي فلا أفعل،ولك ثواب الطلب،لأنك طلبت قود الرقاب إلي لاإليك،ولو أنك طلبت قود الرقاب إليك لما قدتك إلي، فإن من طلب قود الرقاب إليه بين خطر القهر والاستدراج، فإن قهرته بأكف عباد وصلتهم بي، فقطعت الآخر بهم عني، وإن فتكت به وبنفسه ومراده عساكر ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾[50] فقد ضل، أي سادة: طلب القود إلى الله قبل تعلق إرادته جرأ أعداء الله على ابن ولي الله، وسبط رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ومحبوب الله، وابن أحباب الله، الذي قام منار بشريته الكريم يدعو إلى الله، وطار طائر روحه النوراني إلى حضرة القدس، فكيف بمن يدعو إلى نفسه بنفسه؟ بشريته مقتولة، وروحه معبودة، وحاله شاهد عليه”[51].


لقد اشتمل هذا النص – الذي حرصت على نقله بطوله لنفاسته وأهميته- على وصف فريد لاستشهاد الإمام الحسين، وحقائق ناصعة أدركها الشيخ بصفاء قلبه الموصول بالله – عز جل-:


– فأخبر بحقيقة خروج الحسين: فأكد على أنه لم يخرج طلبا للملك ولا داعيا لنفسه وإنما خرج داعيا إلى الله.


– أخبر بأن المنتصر – في حقيقة الأمر- كان هو الحسين، فلم يمح ذكره،ورفع الله شأنه وبقي أبد الدهر تستمطر عليه رحمات الله، وأن المنهزم هم قاتلوه الذين تتابعت عليهم اللعنات، وقيض الله تعالى لهم من سامهم سوء العذاب[52].


وأحسب أن التصحيح على صعيد العاطفة السنية جعل من النصب ظاهرة تاريخية مرت بحيث لم يعد اليوم في عالم التسنن من يكن البغض لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ينتقص منهم.


مواجهة بعض المراجع الشيعية لبدع المـآثم الحسينية


لقد دأب الشيعة منذ قرون على إحياء ذكرى العاشر من محرم وهو اليوم الذي استشهد فيه الحسين – رضي الله عنه- وذلك بإظهار الحزن الشديد وشق الجيوب، وضرب الرؤوس والظهور بالآلات الجارحة، فشكلت الطريقة المتبعة في إحياء الذكرى نوعا من التعبئة المستمرة التي لا تفتر، ولصق بها من الانحرافات والبدع ما سمم العلاقات بين الشيعة وأهل السنة، وأعاق – في كثير من الأحيان- حصول التقريب الحقيقي المنشود، وأحيى الخلافات القديمة وأطال من أمدها.


إلا أنه مما قوى الأمل في حدوث التصحيح، بروز كثير من علماء الشيعة المتأخرين الذين صرفوا الكثير من جهودهم لمحاربة بدع المآثم الحسينية، ففي عام 1352 هـ أعلن كبير علماء الشيعة في سوريا الشيخ محسن الأمين تحريمه لتلك البدع، وألف رسالة سماها (التنزيه لأعمال الشيعة)، وقد ووجه بمعارضة من العلماء والعامة، إلا أن مؤازرة المرجع الأعلى للشيعة – في ذلك الزمان- الشيخ أبي الحسن الأصفهاني أنقذت رسالته التصحيحية من الفشل[53]، كما دعا آية الله البروجردي أول عهده بالمرجعية إلى اجتماع لرؤساء الهيئات الحسينية في بيته، فخاطبهم بقوله: “أي المراجع تقلدون؟ فقالوا جميعا: نقلدك أنت، فقال لهم: إن فتواي بشأن هذه المسرحيات والتمثيليات التي تقيمونها بالشكل الذي سمعت به حرام في حرام”[54].


ويبين الأستاذ مرتضى المطهري نوع التحريف الذي لحق بواقعة كربلاء فيقول: “إننا وللأسف الشديد قد حرفنا حادثة عاشوراء ألف مرة ومرة أثناء عرضنا لها ونقل وقائعها، حرفناها لفظيا أي في الشكل والظاهر أثناء عرض الحادثة، مقدمات الحادثة، متن الحادثة، والحواشي المتعلقة بالحادثة، كما تناول التحريف تفسير الحادثة وتحليلها، أي أن الحادثة مع الأسف قد تعرضت للتحريف اللفظي، كما تعرضت للتحريف المعنوي”[55]، ويلقي مسؤولية وقوع هذا التحريف على الأصدقاء والمحبين (الشيعة) لا على الأعداء والمخالفين[56]،ويرجع بعض أسبابه إلى غياب التوجيه، وعدم تحديد الهدف[57].


وحذر الشيخ محمد مهدي شمس الدين “من أن تتحول الذكرى ومؤسسة المأثم الحسيني إلى إطار ضيق للتمذهب والتمايز العصبوي”[58]، وأشار إلى وجود بعض الممارسات التي “تحول كربلاء من ثورة إسلامية وإنسانية إلى حركة شيعية بالمعنى الضيق”[59]، ويقرر “أن الحسين لم يثر من أجل مشروع شخصي أو علوي عائلي، أو هاشمي عشائري، أو قرشي قبلي، أو حجازي وطني، أو قومي عربي، إن الحسين ثار من أجل مشروع إسلامي وإنساني”[60].


وقام العلماء بالتصحيح في مسألتين يظهر الانحراف فيهما جليا وهما:


المسألة الأولى : المواكب الحسينية.


المسألة الثانية : المجالس والمواعظ الحسينية.


الــمــواكـب الــحــســيـنـيـة


إنها عبارة عن مواكب جماهير تنشد الأهازيج الشعبية وغير الشعبية، مما يتضمن قيمة المأساة، وإيحاءاتها بأسلوب مثير، قد يصاحبه اللطم على الصدور العارية وغير العارية، ومنها ضرب الظهور العارية وغير العارية بالسلاسل الحديدية التي قد تجرح، وقد تترك آثارا سوداء على الجسد، ومنها جرح الرؤوس بالسيوف وغيرها حتى تسيل الدماء غزيرة (…) ومنا ما يصنعه بعض الهنود من إضرام نار كبيرة ثم المرور عليها بدون أية معاناة للألم، كذكرى النار التي أضرمها الأمويون وأنصارهم في خيام الحسين في كربلاء”[61]، ومن طريف ما يحكيه الأستاذ مرتضى المطهري أنه قيل لأحد الأشخاص من عوام الشيعة: “لماذا لا تصلي ولا تصوم وتشرب الشراب؟ قال: أنا، ألا ترون ليلة الجمعة، وقد

‫تعليقات الزوار

13
  • مغربي قح
    الإثنين 21 مارس 2011 - 12:48

    Tres intéressant et très riche en informations , j’ai vraiment appris quelque chose , c’est le genre de sujet que j’aime , mille merci

  • Soudil
    الإثنين 21 مارس 2011 - 12:52

    سيدي المحترم ذكرت في مقالك هذا أن علي رضي الله عنه وأرضاه طلب من أصحابه عدم شتم أو سب معاوية وأصحابه – أليس علي رضي الله عنه قدوتكم المثلى كما تزعمون فلماذا لاتكفون عن سب الصحابة أبا بكر وعمر ؟ يا من يدعوا حب آل البيت ويا من شايعوا عليا آما آن الأوان أن تصدعوا لما أمرتم به والتخلي عن هذه المفاهيم الخاطئة في الدين إن الله سمانا بالمسلمين ولم يقل شيعة أو إباظية أو جماعة أو ناصرية أو أو….. لماذا هذا التفرق الذي لا يخدم أحدا سوى أعداء الدين – قال رسول صلى الله عليه وسلم : إني صليت صلاة رغبة ورهبة , سألت الله , عز وجل , ثلاثا فأعطاني اثنتين , ومنعني واحدة . سألته ألا يهلك أمتي غرقا , فأعطانيها . وسألته ألا يظهر عليهم عدوا ليس منهم , فأعطانيها . وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم , فردها عَلَيَّ – اللهم لا تجعلنا فِرَقاً وشِيَعا ً نخالف بعضنا.

  • سعيد
    الإثنين 21 مارس 2011 - 13:00

    المرجو من الكاتب المحترم أن يرفق بنا قليلا من خلال مقالات مختصرة تيسر علينا قرائتها سريعا وشكرا

  • محمد
    الإثنين 21 مارس 2011 - 12:56

    رد على = soudil=ان معرفتنا بديننا تتطلب منا محبة ال البيت ووضعهم في المكانة الائقة بهم لا كما يدعي الشيعة يبجلون ال البيت قولا لا فعلا

  • أبـو حيان التوحيدي
    الإثنين 21 مارس 2011 - 12:44

    قولك إن الشريعة قائمة على التعليل هـنا مربض الفرس أيها الورياغلي.
    إذن على هذا المـفهوم إذا إنتفت العلة سقط الحـرام وأصبح حلالا, مثلا حرم الله تعـالى الزنى لعلة إختلاط الأنسـاب كما يقولون ,الآن أصبح العـلم يثبت بالحـامض النووي نسب الشـخص إذن فهل يجوز للمرأة أن تزني وهي متزوجة.
    والخمر علته السكر فإذاكان هناك من لايسكر به أصبح مباحاله والرباعلةتحريمه كمايزعمون هونفعية القرض فالقرض لله والنفعية يتقدمها العمل,فإذا نظرناإلى الأبناك اليوم تقوم بعمل مصرفي كبير فهل فوائدها حلال؟ وقس على ذلك كثير من الأحكام إذابحث عن عللها وزالت العلة أصبح مباحا,وهذه القاعدة اخترعهاعمر بن الخطاب وكم اخترع في دين الله من مسألة, سهم المؤلفة قلوبهم التي هي أشهر من نار على علم,فسهم المؤلفة قلوبهم حكمه غير منسوخ نقرأه ونتعبد به وحكمه قائم إلى يوم القيامة من عطله ياورياغلي إنه عمر بن الخطاب لما مزق العقد الذي كتبه أبو بكر وأعطاه للأقرع بن حابس ليذهب عند عمر فينفذ لكن عمر لماقرأ العقدتفل فيه ومزقه وقال للأقرع ومن معه كنا نعطيكم هذا السهم أيام كنا ضعافا أما الآن فقد صرنا أقوياء إما أن تسلموا أوالسيف هكذا ذكر العلةعمر بن الخطاب فزال حكم الله.
    ياورياغلي إن الأحكام مبنية على هيكل العقائد فإذا كان الهيكل هشاومختلا كانت الأحكام كذلك.
    إرجع إلى كتاب زواج المتعة للسيد علي الحسيني الميلاني فسوف تجد فقها دقيقاومركزا. أيضا أدعوك وهذا في المعنى العام للإختلاف إلى قراءة كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف للشيخ حسين معتوق فهذا الكتاب سوف يفيدك جدا وربمايغيرك ليس من مذهبك ولكن يصيرك تحترم المختلف عنك الكتاب موجود في موقع شبكة الشيعة العالمية.
    إلى اللقاء
    ملحوظة
    الشيعة يتزوجون الزواج الدائم وزواج المتعة هو استثناء في حدود ضيقة جدا ونحن متزوجون زواجا دائمانسعد به على كل حال ومافكرنا في يوم من الأيام أن نتزوج متعة ولعلمك أن الشيعة إذا كانوا يحققون في هذا الزواج فهم يفعلون فقط لإثبات مسألة عقائدية وهي لمن تكون الإمامة بعد رسول الله للعالم أم للجاهل بالفرآن والأحكام.

  • من ال البيت
    الإثنين 21 مارس 2011 - 12:50

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
    لاتكن مخطئا يا اخي فانت لا تعي ماقاله الكاتب فالمرجو منك ان تتفحض في الجمل والمعاني

  • khalid
    الإثنين 21 مارس 2011 - 12:46

    نحن سنيو أهل المغرب، “حبنا لآل البيت هو حب تَشَرُّع لا حب تشيع”.
    -شكرا هسبريس على النشر والتواصل.

  • عبد القادر
    الإثنين 21 مارس 2011 - 12:58

    السلام عليكم و رحمة الله . آل البيت في قلوبنا أشكرك على الموضوع وأرجو منكم الايجاز بعض الشيئ .

  • mostami3
    الإثنين 21 مارس 2011 - 12:54

    merci pour cette analyse adequate de notre histoire , on vous aime et on respect votre mouvement al adl wa al ihssan malgré que je suis contre certaines chose dans votre mouvement , mais vous etes proche et tres proche pour nous les marocains sunnite pacifique que les chiites

  • المختار
    الإثنين 21 مارس 2011 - 13:02

    ماأسهل أن تنطق كلمات حرية التعبير والديمقراطية أو تخط على صفحات بيضاء تحمر خجلا لكونها تحس بالنبض الغير الطبيعي ولا الصادق والتقية العمياء الجارفة لكل معانيها.لقد أضحت الحرية والديمقراطية مجرد وصلات فلكلورية تدخل في نطاق تأثيث المهرجانات الاحتجاجية ولا تتمدد إلى الواقع المعاش ، كثرت التسميات والطقوس وضاعت الأهداف المنشودة التي من أجلها سالت الدماء هنا وهناك ، فحتى المتنفسات الصغيرة والبسيطة والضيقة المساحة التي سيجوها وخطوا على لافتتها “حرية التعبير ممنوعة إلا بإذن..” لكن من أي جهة يجب أن يؤخذ هذا الإذن ؟ !فإذا كان الملك قد شرع كل الأبواب من أجل الانتقال إلى مرحلة دمقرطة المجتمع المغربي، بل أعتبره قد عرى القوى التي عاثت فسادا باسمه طيلة سنين فهل يعقل أن نتشبث نحن بالغموض والتدليس والنفاق والمحاباة ؟ الكلمة الحرة ليست بضاعة تخزن للطوارئ أو لتقدم لكبار القوم يوم تفتح الكاميرات عيونها وتصدع القاعات بالتصفيقات الحارة ! حرية التعبير هو نسيم ليس من حق أي كان أن يمنعه عنا أو يمنعنا من استنشاقه،لقد انتهى زمن البحث عن ذلك خارج الوطن فالحرية زرعت اليوم في أرضنا الطيبة وبدأت تزهر، فلن نسمح فيها ونعد الى أحضان الأرض الجرداء المقفرة والعقلية المستبدة. واليوم أتساءل وربما الكثير من الإخوة هم كذلك : ماذا أصاب هيسبريس حتى باتت المشاركات في بعض المواضيع جد هزيلة ؟ ثم لماذا نشطت ظاهرة حذف الردود دون ما سبب ؟ ! ولماذا توارت عن الأنظار بعض الأسماء التي كانت تنشط النقاشات ؟ ! على كل حال نتمنى أن تكون هذه الظاهرة غير مقصودة وليست من السياسات الجديدة لإدارة هيسبريس وإلا فستكون بمثابة إعلان الطرد في حقنا و نكسة كبيرة وصدمة لكل من يؤمن بحرية التعبيرو نقطة سوداء على صفحة هيسبريس.
    نأمل أن تقدم هيسبريس إعلانا توضح فيه الأمر حتى يكون الجميع على بينة وخاصة أن هيسبريس لم تبق ملكا لمسيريها فحسب بل أضحت ملكية عمومية ثقافية عالمية إنسانية

  • د \ عمر
    الإثنين 21 مارس 2011 - 12:58

    تَعدُّ حرية التعبير عن الرأي احد اهم الحقوق الانسانية التي تكفلها الدساتير، وتتضمن أغلب دساتير دول العالم الديمقراطية وحتى غير الديمقراطية نصوصاً تؤكد على احترام هذا الحق وعدم المساس به، بينما يَعدّه الإسلام حق وواجب في ذات الوقت استدلالاً بالآية الكريمة (الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) التوبة، آية (71)، ويرى البعض إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع لا يقتصر على الأمور الدينية والعبادية والعقائدية فحسب، بل يمتد ليشمل النشاط الإنساني في التفكير والنقد والمعارضة والتقييم في شؤون السياسة والثقافة والاقتصاد.
    وبذلك يعتبر هذا الحق والواجب مقدس لا يمكن مصادرته أو التضييق عليه، ومن يعمل على خلاف ذلك فانه يؤسس إلى الاستبداد والدكتاتورية، غير أنه لا يجب لأحد أن يتعسف في استخدام هذا الحق، كأن يتطاول أو يسب أو يسقط أو يحقر الآخرين بحجة ممارسة حقه في حرية التعبير.
    وبذلك أصبحت مسألة حرية التعبير عن الرأي مثارَ جدل في العديد من الدول والمجتمعات، الأمر الذي دفع ببعضها لوضع معايير خاصة تمثل إطار عام للمساحة الممكنة في التعبير كما هو الحال في الولايات المتحدة -على سبيل المثال- التي وضعت المحكمة العليا فيها مقياسا لما يمكن اعتباره إساءة أو خرق لحدود حرية التعبير، ويسمى باختبار “ميلر” الذي بدأ العمل به في عام 1973 ويعتمد المقياس على ثلاثة مبادئ رئيسية وهي:
    1- إذا كان غالبية الأشخاص في المجتمع يرون طريقة التعبير مقبولة.
    2- إذا كانت طريقة إبداء الرأي لا تعارض القوانين الجنائية للولاية.
    3- إذا كانت طريقة عرض الرأي يتحلى بصفات فنية أو أدبية جادة.
    يتبع

  • د \ عمر
    الإثنين 21 مارس 2011 - 12:56

    وبذلك يمكن إدراج حرية التعبير عن الرأي تحت التعريف الآتي، أي هو (التعبير عن الأفكار والآراء عن طريق الكلام أو الكتابة أو العمل الفني بدون رقابة أو قيود حكومية بشرط أن لا يمثل طريقة ومضمون الأفكار أو الآراء ما يمكن اعتباره خرقاً لقوانين وأعراف الدولة أو المجموعة التي سمحت بحرية التعبير)، كما يصاحب حرية الرأي والتعبير على الأغلب بعض أنواع الحقوق والحدود مثل حق حرية العبادة وحرية الصحافة وحرية التظاهرات السلمية.
    ورغم إن للحرية الشخصية حدودها على الدوام، لكنها في بعض الاحيان بدلاً من أن تثبت القيم الإنسانية مصدراً لحدود الحرية الشخصية ليتحقق التوازن في المجتمع وفي الحياة البشرية، أصبحت المصالح المادية والسلطوية هي التي تقرر تلك الحدود، وهو واقع قائم رغم كل ما ينشر من مزاعم عن كونها حرية مطلقة، ولم يسبق تاريخياً أن وجدت حرية شخصية مطلقة، ولا توجد في الوقت الحاضر في أي بلد في العالم على الإطلاق.
    ففي الدول العربية على الرغم من وجود بنود في دساتير بعضها تضمن حرية الرأي والتعبير إلا أنها لم تخرج عن إطارها الشكلي إلى حيز التطبيق، حيث الانتهاكات الكثيرة لحرية التعبير في هذه الدول التي يُمنع في جلها إن لم يكن كلها انتقاد الحاكم أو السلطة الحاكمة، وقد يتعرض الكاتب أو الصحفي للسجن والتعذيب.
    ولكون هذا الحق أثار جدلاً كبيراً في العديد من الدول نتيجة أعمال العنف وردود الأفعال الكبيرة التي أثارها التعبير ببعض الأعمال الفنية أو الكتب أو المسرحيات والأفلام كما حصل للمخرج الهولندي “ثيو فان غوخ” والذي تم قتله في 2 نوفمبر 2004 على يد محمد بويري الدانماركي من أصل مغربي لإخراجه فيلماً قصيراً يمس المعتقد الديني يصور فيه سوء معاملة المرأة في الإسلام وربطه بنصوص من القرآن، وكتابة تلك النصوص على أجساد الممثلات، وكان سيناريو الفيلم مكتوبا من قبل “آيان حرصي علي” عضوة البرلمان في هولندا وهي من مواليد الصومال التي حاولت أن تنقل فكرة مفادها أن المرأة في العالم الإسلامي معرضة للجلد
    يتبع

  • د \ عمر
    الإثنين 21 مارس 2011 - 13:00

    إذا أقامت علاقة خارج إطار الزواج، كما إن الاغتصاب من قبل أفراد العائلة وعدم جواز مناقشة ذلك بسبب قوامة الرجل على المرأة (بحسب الفلم)، وغير ذلك من الأعمال التي أثارت أزمات سياسية واقتصادية بين بعض الدول كما حدث من خلال عرض الصور الكاريكاتورية لشخص النبي محمد(ص) من قبل فنان دنماركي أساء التعبير كثيراً في رسوماته منطلقاً من دوافع سياسية وعنصرية.
    كل تلك الأعمال وغيرها أدت إلى ضرورة وجود بعض الضوابط والمحددات الأخلاقية والشرعية على هذا الحق، ومنها على سبيل المثال:
    أ- عدم التعرض بالإساءة لمعتقدات الآخرين، كون المعتقد هو المؤثر الأول في المشاعر الإنسانية، والإساءة له تثير ردود أفعال غير محسوبة من أصحاب المعتقد.
    ب- عدم تكفير المسلم والافتراء عليه، فإذا كانت حرية التعبير عن الرأي حق للفرد فإن تكفير الإنسان المسلم هو مدعاة لهدر دمه وبالتالي سوف يفقد هذا الإنسان حقه في الحياة مقابل احتفاظ الأول بحقه في التعبير.
    ج- عدم التطاول على الذات الإلهية أو الأنبياء والرسل، كونها تصب في نفس السببين أعلاه.
    وبما إن حرية التعبير عن الرأي تفسر بأكثر من معني بحسب طبيعة النظام السياسي وأعراف وتقاليد المجتمع ومعتقداته الدينية فإننا نرى وضع ضوابط مقننة تكون بمثابة الإطار العام الذي يستطيع الشخص التحرك خلاله والتي يمكن إيجازها بـ:
    1- أن يستهدف حق التعبير عن الرأي الصالح العام للمجتمع وألا يُستَغل لأغراض مريبة.
    2- أن يمارس هذا الحق بطريقة لا تستفز الآخرين وبقدر من الحكمة، كما قال تعالى(ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل 125.
    3- أن لا يُستَََخدَم هذا الحق في قضايا تدعو إلى إشاعة الرذيلة والفساد داخل المجتمعات.
    4- الابتعاد عن منطق الاستبداد بالرأي وألا يعتقد صاحب الرأي إنه على صواب دائماً في حقه بالتعبير.
    5- أن لا يتم التعدي على حريات الآخرين بالتحريض على القتل أو الاعتداء أو الاحتلال بحيث يتم سلب حقوق الآخرين.
    خواني اخواتي القائمين على موقع هسبريس الذي اصبح ملكيه عمومية ثقافية جامعة لكل اطياف ومكونات الثقافة العربية ارجو عدم التحيز للبعض

صوت وصورة
آراء مغاربة في لقاح كورونا
السبت 23 يناير 2021 - 15:41 18

آراء مغاربة في لقاح كورونا

صوت وصورة
أسرة تحتاج السكن اللائق
السبت 23 يناير 2021 - 14:52 6

أسرة تحتاج السكن اللائق

صوت وصورة
كروط ومقاضاة الداخلية لزيان
السبت 23 يناير 2021 - 13:31 5

كروط ومقاضاة الداخلية لزيان

صوت وصورة
محمد رضا وأغنية "سيدي"
السبت 23 يناير 2021 - 11:40

محمد رضا وأغنية "سيدي"

صوت وصورة
صرخة ساكنة "دوار البراهمة"
الجمعة 22 يناير 2021 - 23:11 10

صرخة ساكنة "دوار البراهمة"

صوت وصورة
عربات "كوتشي"  أنيقة بأكادير
الجمعة 22 يناير 2021 - 20:29 28

عربات "كوتشي" أنيقة بأكادير