الجندي في "ولد القصور" .. عندما ولجتُ المدرسة الحرة

الجندي في "ولد القصور" .. عندما ولجتُ المدرسة الحرة
السبت 11 يونيو 2016 - 18:25

5

عند باب مسجد الحي المقابل لساحة ضريح أحد الرجال السبعة، مول لقصور عبد الله الغزواني- صاحب الورع والأناقة والذوق ومواسيم الختان والإحسان،- تجمهر سُكان الحومة وتلامذة الكتاتيب القرآنية استعدادا للسير وراء الأخ عبد الله وهو في خجله كالعريس، ولوحته تحت صدره سُطّرت عليها آياتٌ مُحكماتٌ بخط مغربي في منتهى الجمال، تحيط به خُطوط على بساطة صنعتها قد زَيّنَتِ الإطار.

ومع انطلاق الموكب في اتجاه منزلنا في درب سبع تلاوي، ارتفعت أصوات الفقهاء والمحضرا (تلاميذة الكتاب) في مزج هارموني تقشعر له الأبدان، وهم يرددون:

كلام الحق أوجب ما نَقولُ**نَقول صدقا تعرفه العُقولُ

وما محمدٌ إلاّ رسولُ**رسول الله أحمد يا شفيعُ

يا ربي علّم وأنت العليمُ**كتاب القرآن بجاه محمد

كلام الحق حق محققُ**وما محمد إلا المصدقُ

وتكون في هذه الأثناء الاستعدادات للاستقبال قد اكتملت، وتكون للاّرقية قد أخرجت ما عندها من نفيس المناديل المطروزة في مختلف الأحجام، ولفتْ كرسي التتويج لفلذة كبدها، ثم وضعت مجالس خاصة على يمينه، وشماله للفقهاء: السي محماد المتوكي، وسيدي محمود شيخ البحيرة، والعلامة أستاذ النحو والعلوم الفقهية سيدي عبد السلام المسفيوي الذي سيشتهر بجبران فيما بعد. وضعت الصواني الفضية وقد رُتبت عليها مِرشات ماء الورد و الزهر لتعطير الضيوف والمنزل. ونُصبت مباخر العود القماري، وتصاعد منها العبير مع الدخان متعانقين يبتهلان.

كان في نية السي الحسن أن يدخل ولده عبد الله إلى كلية ابن يوسف اقتداءً بعُرف أهل مراكش الأوفياء للتعليم الأصيل الذي لم تستطع الحداثة التي أدخلت عليه أن تخفي ملامحه وطابعه، غير أن شقيقا للعلامة سيدي عبد السلام المسفيوي، وهو الأستاذ عبد الرحمان المسفيوي، قد بذل غاية الجهد لإقناع أبي أن يلحقنا بإحدى المؤسسات الحُرة التي كانت قد بدأت تنتشر في عاصمة المغرب الجنوبية، بفضل ونضال النخبة الوطنية، بزعامة عبد الله إبراهيم، والشاعر عبد القادر حسن العاصمي، والأستاذ المختار السوسي، ومولاي أحمد المنجرة، وامحمد الملاخ، وإدريس بن عبد الرازق، وعبد الجليل بلقزيز، والمجاهد الأديب الحبيب الغيغايي الذي اشتهر بالفرقاني فيما بعد، وابريك الغراس، والصديق الغراس وابن فضيل وغيرهم.

وهؤلاء هم رؤوس النخبة الوطنية المراكشية، وبفضلهم وآخرين مثلهم، عرفت الدعوة للمدارس العربية الحرة تقبلا وانتشارا، رغم أن السّواد الأعظم من الشعب يسمع ولا يعْقل. ومن حسن الحظ أن ذاكرتي ظلت تحفظ هذه الأسماء وذكرى أصحابها، بُحكم القرابة التي كانت تجمعني مع بعضهم، وبسبب مشاهد الاعتقالات المتكررة التي شهدتها في دروبهم وأزقتهم في الحومتين المتجاورتين: حي القُصور وحي المواسين.

كانت هذه الأسباب كُلّها تدفعني أن أدعو وأنا بعد طفل، أن يوفق الله الأستاذ عبد الرحمان المسفيوي في إقناع والدي، حتى يُكتب لي ولأخواي أخيرا تذوق طعم التعليم الحديث. وكذلك كان. فما هي إلاّ أيام حتى أصبحتُ وأخواي من بين تلامذة المدرسة الحسنية، التي اختير لها موقع في غاية الحساسية بقصدٍ وبتحد.

فقد أنشأت المدرسة عند مدخل سُويقة باب دكالة، بجانب درب الحلفاوي الذي يقابل قصر الستينية لصاحبه الرجل القوي في المغرب كله الباشا لكلاوي، والمواجه لمقر محكمته المأخوذ من رياضه المقتبس عن دار المنبهي، في منطقة يُعتبر مجرد المرور منها وعليها .. مشيًا على سراط غير مستقيم: سِرَاطْ الخُوفْ.. لاَ تْتْهْدّ ىلاَ تْشُوفْ.

وبالرغم من ذلك فقد استطاع المناضلون إقناع أحد المحسنين بدخول هذه المغامرة بماله الخاص. ولم نكن نعرف لهذا الإنسان اسمًا غير مولاي الحاج صاحب حسنة الحسنية، والتي أسند إدارة شؤونها، وإقرار منهجها للأستاذ المناضل الحبيب الغيغايي (الفرقاني) الذي عُرف بصدق وطنيته عند كل من بدأ يُدرك حِيلة الحماية وتحوّلها إلى استعمار مُستبد.

وقد استشعرت فرنسا خطورة إنشاء هذه المدارس الحُرة، على مشروعها الثقافي البعيد المدى، فدفعت بالزبانية والأعوان والخونة لمواجهة هذه الثورة الثقافية، والحد من امتداد تأثيرها وتكاثر مُريديها، فانتصبوا لها بخلق العراقيل والصعوبات، وترهيب المحسنين والمتبرعين.

ورغم كل شيء فقد تمكنت جبهات المقاومة من تحقيق التقدم بتنافس كتلتين مختلفتين في وجهة نظرهما، مجتمعتين على الهدف الواحد: حرية واستقلال المغرب، وهما فريق حزب الاستقلال وفريق حزب الشورى والاستقلال، الإخوة الأعداء.

علقت المدارس يافطاتها على الأبواب بخط عربي: مدرسة الحياة، المدرسة العبدلاوية، المدرسة الحسنية ومدرسة الفضيلة للإناث، بجانب مسجد حارة الصّورة الذي كان يُحَدِّثُ فيه العلامة سيدي احماد أكرام.

والطريف في هذا الموضوع الجاد، أن الباشا لكلاوي، وعندما أدرك إقبال الناس على تشجيع هذه الحركة النهضوية، أمر بإحضار الشخصيّتين الأبرز بين جامعي التبرعات: عبد الله إبراهيم وعبد القادر حسن العاصمي، حتى يقابلاه.

كان عبد الله إبراهيم معروفا بعناده وجهره بمواقف الرفض لأي مقابلة مع المخزن، إلاّ إذا أرغم على ذلك أو تم اعتقاله. بينما كان الشاعر عبد القادر حسن العاصمي، أقل انفعالا وأكثر دبلوماسية وإن كان لا يقل صُمودا ومُجابهة والتزاما بالقضية المغربية الكبرى. فانطلق العاصمي بمفرده لمقابلة أسد الأطلس كما كان الفرنسيون وقبائل كلاوة يلقبون باشا مراكش. ودار بينهما هذا الحوار كما سمعته من سيدي عبد القادر حسن الذي كان أمينا في رواياته، نقي الكف في كل معاملاته:

الباشا: فين صاحبك؟

العاصمي: شكون فيهم؟

الباشا: راس الهند عبد الله إبراهيم..

العاصمي: كان عندوا شي التزام قبل ما نتوصلوا بالدعوة ديالكم

الباشا: على كل حال أنا غير بغيت نفسر لكم بلي أنا ماشي ضد نعملوا المدارس الحرة،غير أوكان بالقانون و المشاورة مع المخزن

العاصمي: سيادة الباشا كيعرف بلي البيبان مسدودين فوجهنا

الباشا: المهم جبد داك الكارني دالتواصل الي كتعطيوا للناس، و كتب سميتي على واحد، وقيد فيه داكشي الي غادي يعطيك إيدَارْ.

ثم همس الباشا في أذن خادمه الشهير الحاج إيدار، فسلم هذا الأخير إلى عبد القادر حسن مبلغ أربعة آلاف ريال، فكتب على الوصل المبلغ واسم الباشا، السيد التهامي المزواري، وعاد على التو ليعرض شريط مقابلته القصيرة على المجتمعين في منزل مولاي ابراهيم والد مولاي عبد لله، الكائن بدرب الجنائز بحي المواسين.

تبادل الحاضرون في المجلس نظرات الاستغراب والتعجب. وابتسم عبد الله إبراهيم كعادته، وقهقه آخرون ممن عانوا من سلطان وجبروت الباشا وأعوانه تحت قيادة خلفائه الذين كانت نهاية بعضهم بعد انتصار ثورة الملك والشعب، أسوأ من نهاية قذافي ليبيا في ذلك اليوم الغاضب من أيام أول رمضان في عهد الاستقلال.

ولم يكن أي عاقل يرضيه ذلك الانفلات الهمجي الذي حركته أياد خفية ضد الإرادة الشعبية، ولكنها الفتنة التي تعقب الثورات، والتي غالبا ما يكون أبطالها الخونة أنفسهم، وآخرون ممن يتسللون للركوب على ما حققه الشرفاء والشهداء.

يتبع

* سيرة ذاتية للفنان المغربي الكبير محمد حسن الجندي بعنوان “ولد القصور”، تنشرها هسبريس مُنَجمة عبر حلقات يومية في شهر رمضان الكريم.

‫تعليقات الزوار

8
  • Mohammed
    السبت 11 يونيو 2016 - 18:40

    جزاکم اللہ خیر ۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔۔

  • العربي
    السبت 11 يونيو 2016 - 18:45

    نتمنى ان يخرج الفيلم المغربي من نمطيته المعهودة المستصغرة لعقل المشاهد .افلام ومسلسلات اشهارية للديكورات والماركات لاتخرج عن اطار تسويق الاحلام لمشاهد محدود اليد والجيب. نتمنى كذلك الابتعاد عن التصغير بالبدوي عبر تصويره بالبليد ضيق الافق كثير النصب واليهرجة.الافلام الناجحة هي التي تحترم عقل مشاهدها.ولعل الجندي الاب يكاد يكون من قلة الفنانين المغاربة الذين يقدرون المشاهد ويرقون بفنهم الى تمنياته وتطلعاته.

  • محمد اسموني
    السبت 11 يونيو 2016 - 20:51

    أين هو الاعتراف بالجميل ؟
    فكلمة (( الله يرحم أولئك الفقهاء و المجاهدين )) لن تأخذ من سطور الرواية ( السيرة الذاتية ) سوى حيز في سطر من سطور ما حوته الذاكرة …
    ما هو الإطار التاريخي ؟
    فليست هناك أية إشارة إلى زمن الأحداث ..
    أتمنى مراجعة ذلك …

  • youssef
    السبت 11 يونيو 2016 - 21:05

    أطال الله في عمركم ومتعكم بالصحة والعافية فنان ملتزم وذاكرة تاريخية نتمنى ان تستفيد الأجيال المغربية من هذا التاريخ وان تقتضي بالاعلام الوطنية التي ذكرت، بنكران الذات وجعل المصلحة العامة فوق كل شيء

  • زين العابدين malaga
    السبت 11 يونيو 2016 - 21:19

    بالفعل حومة القصور والمواسين كانت في ما مضى من بين أرقى الأماكن في مراكش تجمعت فيها أكبر العائلات واشرفها وكنت من المحظوظين حين ترعرعت فيها اب سعد المجرد البشير عبدو ابن درب يسمى درب حبيب الله

  • كلاوي
    السبت 11 يونيو 2016 - 21:23

    الكلاوي من الشخصيات التاريخية التي جعلت من مراكش ما هي عليه اليوم، يجب إعادة لفت الإنتباه لهذا الأطلسي الذي لا ذنب له إلا أنه وقف في وقت من الأوقات ضد المخزن……

  • noman
    السبت 11 يونيو 2016 - 22:04

    شكرا على هده السيرة والداكرة التاريخية
    اعرف جيدا هدا الحي القصور و المواسين لانني ترعرعت بدرب الجنائز اللدي دكره الفنان الجندي بيتنا مجاور لبيت عبد الله ابراهيم وكدالك للمسجد المواسين حيت تدخل الجنائز للمسجد من يوم الجمعة من هدا الدرب اللدي يوجد به باب للمسجد مخصص للجنائز
    نرجو ان يسرعو في اصلاح المسجد اللتي فاقت 3 سنوات مع فترات توقف لمدة سنة
    اخوكم ولد المواسين من فرنسا و رمضان مبارك

  • عبده/ الرباط
    الأحد 12 يونيو 2016 - 15:16

    من بين رجال السلطة الخونة إبان الاستعمار رجل سلطة اسمه البغدادي تم إحراقه حيّا بالمشور السعيد ( تواركة ) بالرباط من طرف المواطنين اثناء احتفالهم بالاستقلال و هذا من ببن من يقصدهم الكاتب بكون مصيرهم كان أسوأ من مصير القذافي في ليبيا. و لكن هناك الكثير من الخونة قد نجوا بجلدهم بعد الاستقلال كالكلاوي الذي قبل قدمي المرحوم محمد الخامس طلبا للصفح و الباشا الكتاني و محمد بمعرفة الذي توفي بفرنسا و غيرهم كثير

صوت وصورة
كفاح بائعة خضر
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 21:46

كفاح بائعة خضر

صوت وصورة
هوية رابطة العالم الإسلامي
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 19:40

هوية رابطة العالم الإسلامي

صوت وصورة
تأجيل مجلس الاتحاد الدستوري
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 17:16

تأجيل مجلس الاتحاد الدستوري

صوت وصورة
منع احتجاج أساتذة التعاقد
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 16:41

منع احتجاج أساتذة التعاقد

صوت وصورة
البوليساريو تقترب من الاندثار
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 11:59

البوليساريو تقترب من الاندثار

صوت وصورة
قانون يمنع تزويج القاصرات
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 10:48

قانون يمنع تزويج القاصرات