الجندي في "ولد القصور" ـ17ـ: عندما كنت شاطرا في التجارة

الجندي في "ولد القصور" ـ17ـ: عندما كنت شاطرا في التجارة
الخميس 23 يونيو 2016 - 17:00

17

كان صاحب الدُّكان الذي التحقت به اسمه عبد الرحمان أبو علام.. شاب في الثلاثين على الأكثر، له نصيب من التعليم الأصيل، نشأ في أسرة كلها من الحرفيين المتميزين في سوق الحايك..ورُبما كان قد دخل الحياة الزوجية قبل ذلك التاريخ بسنتين أو ثلاثة بإرادة من والده الحاج محمد بوعلام الذي أحسن تربيته. ورغم أنه لم يُلحقه بمهنة الدرّازة التي نشأ جُلُّ أفراد أسرته فيها وعليها، فقد جعل منه تاجرا قانعا يحاول أن يَصْدُق الله في تجارته ما أمكن، في سوق بدأت تنتشر فيه عدوى البازارات.

اشتهرت المحلات بأسماء أصحابها..مثل بوكرين وحسن سويلا والأمين أبو محمد وعبد الغني وبوزيا. وبرادة وزنيبر، ومنهم بعض الشرفاء المرينيين كمُغْنية والزمراني، وهناك من ظل متمسكا بتجارته للقماش داخل القيساريات، أمثال أسرة برادة وأسرة اجبيلو ولحمامصي والشرايبي. وأغلبية هؤلاء يُطربُهم أن يسميهم الناس “فاسيي مراكش”، ويفتخرون بالانتساب إلى العاصمتين.

كان السي عبد الرحمان بوعلام رجلا فاضلا أظهر لي فضله منذ أول يوم، حين أدخلني منزله وضمني بين أفراد أسرته حتى شعرت أني منهم. وكذلك في دكانه الصغير الذي له بابان؛ الأول على سوق النجارين، والثاني على سويقة الفخارين المؤدي إلى سوق الدْلاَلَة، وسوق الدجاج والحمام، ثم إلى الرّحبة القديمة.

كان أول ما منحني السي عبد الرحمان هو الثقة، فوضع مفاتيح الدُّكان في عهدتي وهو يقول: “إن من أراد الدنيا فلينهض باكرا”، و”الفياق بكري بالذهب مشري”، و”إن قطار الأرزاق يتحرك بين ركعتي الصبح”، و”اللي طلعت الشمس عليه قبل ما يصور ما يكفيه، لا تعاشروا ولاتعول عليه”، وغير ذلك من الأمثال والحكم التي كنت بالطبع أدرك مُراد المعلم عبد الرحمان من وراء ترديدها.

كان ذلك الإنسان الفاضل قد أظهر لي اهتماما آخر تأثرت به إلى حد بعيد، عندما شرع يختبر معلوماتي في الكتابة والحساب وبعض المحفوظات، فسَرّهُ بعضها ونبهني إلى تقوية بعضها الآخر مُلحا علي للاستفادة من الوقت الذي توفره ظروف الكساد التجاري، لتَقْوِيَة معارفي، ووضَعَ بين يدي دفترا قُمت بتسطيره كما أشار عليّ، وعنونت كل خانة حسب الترتيب اليومي، ونوع البضاعة- أهي للرجال أم للنساء، وسومة الشراء ثم ثمن البيع.. وصار لي منذ ذلك اليوم قلم الرصاص صاحبا، وعائلة بوعلام أسرة، ولم أكتف بالعمل في هذا الدكان في العطلة الصيفية فقط، بل في كل العطل الأسبوعية والربيعية وذكرى احتفالات الحماية بانتصاراتهم الوطنية وأعيادهم الدينية. أما نحن أبناء الوطن المحمي فباستثناء العيدين الدينين الصغير والكبير، فلا أعياد وطنية لنا، اللهم العيد الذي استطاع السلطان محمد ابن يوسف ونوابغ جامعة القرويين بفاس وكلية ابن يوسف بمراكش أن يفرضوه عيدا سنويا للعرش ببسالة أسالت دماء الكثير من شرفاء هذا الوطن الذين لم يعد يذكرهم إلاّ القليل من الأوفياء.

كان الاحتفال بعيد العرش يكتسي حلة البهاء، وتعم فيه البهجة في كل حي وزقاق، وكل سوق وسُويقة، وتزين الجدران فيه بالجريد والأعلام، وتنصب الأروقة ويفرش الحصير والسّجاد، ويتحلق المتحلقون حول الصينية والبرّاد، لتنتهز نخبة الوطنيين الفرصة للشرح للغايات والأبعاد والمراد من مثل هذه الاحتفالات.

وكان المستعمر يغُضُّ الطّرف عن بعض ما يَكْرَه، ويصُمّ الأذن عن ما يسمع، تنفيذا لتعليمات مُهندِسِ الحِمَاية الأكبر الماريشال ليوطي، الذي أدرك منذ العهد الأول من أين تُأكل الكتف وهو صاحب حكمة الطّغاة: “دع الناس يقولون ما يشاؤون إذا أردت أن تفعل ما تشاء”.

كان سوق السّمارين يحتل الرتبة الأولى في بهجة العيد؛ حيث يتنافس التجار في إخراج أنواع الأقمشة الملونة لتنشر على أبواب الدّكاكين، وينتهز الباشا فرصة هذه الاحتفالات التي لا يجد مَفَرا من التظاهر برضاه عنها ورعايته لها، ليقوم بجولته في المدينة راكبا، ثم يترجل عندما يصل موكبه إلى السمارين تحت عاصفة من التصفيقات، وبرفقته بعض الضباط الكبار من رموز الحماية، وبالطبع متبوعا بجيش عرمرم من الأتباع والأعوان وأمناء الحرف والعديد من المخازنيا بالطرابيش الهرمية الحمراء ذات الخيوط السوداء في أوضاع مختلفة ونوعيات متفاوتة في الإتقان.

فالشّاشِيّة هي التي تحدد للناظر رتبة العون ومكانته بين أقرانه، فالصّغار في القدر والقيمة والسومة غير مسموح لتلك الخيوط أن تهبط على غير قفا أصحابها، وأما المقربون فتهبط خيوط الشاشية فوق الأذن اليمنى أو اليسرى أو حتى الجبهة.

بعد السمارين يدخل الموكب النجارين مرورا بصاغة الذهب وسوق البالي، إلى الشكايرية، ثم الخرازين وسوق المحاريم والجدالين، ويعَرّجُ على سوق السباط والبلغة والشربيل، ثم ساحة العطارين، وأخيرا يعود إلى الربايعية والنحاسين والرقايقية.

اكتسبتُ مهارةً في التّجارة أثارت الانتباه حتى أصبحتُ ألَقّبُ عند الحاج بوعلام بـ”قْدِيمَاتْ الربح”، وعند بعض التّجار “المْحْسَادِينْ” بـ”النزق”. لم أكن لأترك زبونا زائرا في السوق من أجل التبضع إلاّ اكتشفته، وعرضتُ عليه بضاعتي ثم أقنعته بالشراء.

أصبح بذلك دُكّانُنَا الصغير المُتَوَاضِعُ يُنَافِسُ شُطّارَ الباعة، وكلما زادت مداخيل المتجر، تمنيت أن يزداد كرم المعلم بوعلام معي ولكنه للأسف لم يلتفت إلى ذلك. وعلى الرغم من هذا كله فقد زيّنَت الأرباح التّجارة في عيني، وصَغّرَت من شأن المدرسة.

ثم كثُرَ الرّفاق من عشاق السوليما المدمنين عليها، وأذكر منهم عبد السلام الشرايبي، المؤلف المسرحي فيما بعد، الذي كان يشتغل بدوره عند صاحبه التاجر المجتهد المُعْجَبِ بالتّعَامُلِ مع الفرنسيين المتردد على بلادهم باستمرار. كما أذكر الصديق لحسن الذي اشتهر فيما بعد بمولاي لحسن صاحب مقهى الزهور، وقد كان يشتغل عند الأخوين برادة عبد السلام وعبد الرحمان، ومنهم أيضا بائع الخزف إلى حد الآن السي مبارك، و”البازريست” مولاي محمد، الذي يوجد على مدخل سوق أبلوح.

أذكر من بين رفقاء الدراسة المغرمين بالسوليما والبيار، ابن مقدم الحي السيد مصطفى ابن سَعُودْ الذي التحق بالجيش مع أول تجنيد عسكري في عهد الاستقلال واستمر إلى أن بلغ رتبة عقيد، وللحديث عنه عودة. كما كان يلازمني الصديق حسن الرماش، ابن أشهر جزاري حي القصور الذي جعل من منزله مذبحا لا تزيد ذبائحه عن حاجيات أعيان الحومة.

وهناك الأخوين عبد الجليل وحميد جبيلو، اللذين، ومنذ مرحلة الكُتّاب “الحْضَارْ” ونحن نتصادف في هذه الحياة إلى الآن، أمد الله في عمرهما. ولا يمكن أن أنسى الرفيق الدائم الصديق مصطفى القنالي (ولد عُبيد) رجل الأعمال الناجح والجاد، والذي ما يزال يحظى بحب أهل مراكش إلى حد كتابة هده السطور. وكان لي معه هو الآخر موقف مؤلم وحزين، كلما تذكرناه الآن انفجرنا ضحكا، ولكنه أيضا موقفٌ وطني أعتز به، سأتناوله في حينه.

غلبت رغبة التجارة على رغبة الدراسة شيئا فشيئا إلى حد الانقطاع الكلي عن سكويلة الباشا والتفرغ لدُكّان السي بوعلام الذي تزايدت مداخيله وتوافرت أرباحه رغم التّنَافُسِ الشديد في سوق النجارين مع مَهَرَةِ الباعة، من أمثال دِنيا والرّحماني، الذين كان أغلبهم على علاقة مع بعض المرشدين المتلونّين بِشَتّى الشّخصيات، لإتقانهم اللّغات الأمازيغية، فيستدرجون الزبائن بانتحال صفحة الأقرباء والأهل أو معارف الأصول، ليحرزوا بذلك ثقة الزبون، ثم يظهرون خبرتهم وشطارتهم ونُصْحهم حتى يصبح الزبون كالخاتم في أصبع الواحد منهم، ويجعلونه يدفع ثمن البضاعة مضاعفا أو على ثلاث أو أربع، ثم يصحبون “الضحية” إلى المحطة الطّرقية العشوائية في ساحة جامع الفناء، ويطمئنون على مغادرته المدينة دون أن يطلع أحدٌ على مشترياته أو سومتها. ليعُودَ المرشد على الفور عند صاحب الدّكان لأخذ نصيبه “الكومسيون” خمسة وعشرين في المائة، وجل من كبرت تجارتهم، وارتفع رأس مالهم كانوا يعتمدون هذا الأسلوب، خصوصا مع الأجانب.

أمّا دُكّان بوعلام، والحق يقال، فإن الرجل كان يرى في هذا التعامل احتيالا يتصادم وقِيَم الدين الحنيف، ويُدخله في آيات الرّبَا لا الشطارة، الذي جعله الرحمان على عباده محرما. ورغم أن مُعَلّمِي كان يخشى أن يقع في المُحَرّمات، فقد كان يحتفظ لتجارته، كغيره ممن يفهمون كما يفهم الحلال والحرام، بهامش من الربح يزيد وينقص تحت شعار آخر هو: “الله يجعل الغفلة بين البايع والشاري”.

إلاّ أنه كان يحُثّني على الاعتماد على مهارتي لا على خداع المُرشدين، مِمَّا جعل هذا الصّنف يتخطى دُكّان عبد الرحمان بوعلام، وحتى إذا دخل زبون من تلقاء نفسه ورَغماً عن المُرشد، فهذا الأخير ينزوي في مكان ولا يتدخل لعلمه أنه لن يُصيبه من ثمن “البيعة” شيء، فنحن لا نتعامل مع “الكيودا”.

يتبع..

* سيرة ذاتية للفنان المغربي الكبير محمد حسن الجندي، بعنوان “ولد القصور”، تنشرها هسبريس مُنَجمة على حلقات يومية في شهر رمضان الكريم

‫تعليقات الزوار

3
  • youssef
    الخميس 23 يونيو 2016 - 17:51

    أطال الله في عمركم ومتعكم بالصحة والعافية، هكذا يكون الفنان والا فلا ورحم الله امواتنا وجعل البركة في احيائنا

  • ولد درب دباشي
    الخميس 23 يونيو 2016 - 18:17

    فيناهوما هاد الأيام أخويا الجندي مراكش عمروه عشور القبايل

  • ولد القصور آخر
    الخميس 23 يونيو 2016 - 21:28

    سيدي أُكن لكم كل الحب و التقدير, فانا ايضا ولد القصور واعرف جيدا بعض الشخصيات التي ذكرتم وكم من زلاْت ارتكبت في "اسبع تلاوي" وكم من اولاد القصورفعلوا نفس الشئ. خرجت من القصور في 1985 و انا اعيش في امريكا و الحمد لله بخير ولا ينقصني شيء بحمد الله. ولكن احنُّ كثيرا لحارتي القصور و درب اجديد كان دوما مرجعا لي, فمهما كان عندي من مال او متاع او علم فدرب اجديد خلاّني متواضعا اٌٍكنُّ كلّ تقدير و احترام لمن هو افقر منّي او من هو اضعف منّي وحشى ما عاد الله ان اترفّع عن انسان و احسُّ انه اقل قيمة منّي. ففي حومتي القصور ترعرعت مع الغني و الفقير و تعلمت ان لافرق بينهما في الاحساس والفرق هو في الفرصة التي أُتيحت لأحد دون الآخر فقط. شكرا لكم على تواضعكم و احترامكم للآخر واخلاصكم في عملكم واطلب من الله العلي القدير ان يحفضكم و رمضان مبارك.

صوت وصورة
جنازة لاعب كرة
الإثنين 12 أبريل 2021 - 19:25 17

جنازة لاعب كرة

صوت وصورة
مقر السجل التجاري بالبيضاء
الإثنين 12 أبريل 2021 - 18:24 3

مقر السجل التجاري بالبيضاء

صوت وصورة
إضراب مفتوح عن الطعام
الإثنين 12 أبريل 2021 - 17:39 15

إضراب مفتوح عن الطعام

صوت وصورة
وفاة لاعب على أرضية الملعب
الإثنين 12 أبريل 2021 - 16:38 16

وفاة لاعب على أرضية الملعب

صوت وصورة
انتشال شاب في شاطئ الجديدة
الإثنين 12 أبريل 2021 - 15:37 5

انتشال شاب في شاطئ الجديدة

صوت وصورة
بوحسين .. نقاش في السياسة
الأحد 11 أبريل 2021 - 22:07 3

بوحسين .. نقاش في السياسة