الجندي في "ولد القصور" -11-: "سْكْوِيلَة" الباشا و"شعر الفْرِيزِي"

الجندي في "ولد القصور" -11-: "سْكْوِيلَة" الباشا و"شعر الفْرِيزِي"
الجمعة 17 يونيو 2016 - 17:03

11

أسعدت كلمات الشيخ لالّة رقية، فترفعت عن ذكر قِصة الإفراغ وما صاحبها من تعسفات ونكران، مُقتنعة بأن الشيخ حاشا أن يكون قد علم بذلك، وبأن الأمر كان قد دُبّر بليلٍ من بعض أقرب الناس إليه..وكما يقال “العافية كتولد الرماد”.. غفر الله للجميع.

وضعت والدتي يدها في يدي مُعتمدة عليّ أن أدلها على دُكان للأحذية، وربما كانت تلك المرة الأولى في حياتها التي تخرج من المنزل إلى السوق لتقف مخاطبة رِجالا غرباء، وتساوم وتختار لابنها حذاء حسب رغبته.

كنتُ قد تَمَرّدْتُ على “البلغة”، مُسايرا موضة العصر التي تنسجم مع الاحتفاظ بشعر الرأس، “الفريزي”، وتضمن خروج القدم سالمة بعد مباريات كرة الجوارب المحشوة بالقماش. كما أردت أن أفاجئ أخي أحمد الذي سبقني إلى ذلك كله ببضع أسابيع، وقد كان فعلا سباقا للتمرد على ما عودنا عليه السي لحسن.

تسارعت التنقلات والتغيرات في تلك السنة (1947) التي أراد الله لها أن تُحدث التغيير في كل أحوال المغرب ومفاهيم ناشئته بفضل الوعي الذي انتشر. ولعل أهم أحداث تلك السنة المشهودة هو “ضربة المعلم” على قول إخواننا المصريين، والمتمثلة في زيارة التحدي التي قام بها محمد ابن يوسف إلى طنجة، المدينة المسلوبة بقوة وجبروت أعتى الدول الاستعمارية، والتي دُوِّلت وقسمت رقعتها ليُرفع على كل مَرمَى بصرٍ فيها علمُ دولة يرفرف فوق بناية تضم مدنيين وعسكريين على رأسهم قنصل.

..وهذا ما بدأ جيلنا يسمعه ويقرأه في كتابات النخبة الوطنية في جريدة “العلم” الفتية التي بدأ يتردد صداها، وانتشرت تحليلاتهم لهذه الرحلة باعتبارها إصرارا على هدم سقف المسكنة والذلة، والتشبث بالوحدة والعقيدة والملة، واسترجاع النخوة والصولة التي كان عليها المغرب قبل الحماية المذلة.

فانطلقت انتفاضة التجاوب مع رحلة هدم جدار الحدود، وتشكلت فيها المواكب من الطالب والأستاذ والمعلم والعامل والحرفي والصانع وحتى الأطفال، وخصوصا أطفال حي المواسين وحي القصور، معقل أبرز القادة الوطنيين ممن تُقتحمُ منازلهم، وتُسحلُ أجسامهم، ويساقون إلى السجون والمنافي كلما جهرت بالحرية حناجرهم.

وكان من مميزات المدارس الحرة العديدة مُواكبة مثل هذه الأحداث وشرحها وتقريبها من أذهان الناشئة، وذاك ما فقدناه بمجرد الانتقال من المدرسة الحسنية التي يديرها المُناضل الشهم الشجاع الحبيب الغيغاي – الفرقاني- إلى مدرسة الباشا التي يُمسك بزمامها ويرسم برامجها الفرنسي المتوغل في المجتمع المغربي المسيو كورجون. وقد كان الأخير من أولى دُفعات المدربين المهيئين للاحتكاك بالمجتمع المغربي، إذ تعلم اللغة الأمازيغية وتزوج من سيدة “شلحة” أطلسية مُعلنا اعتناقه للديّانة الإسلامية.

..وجدناه منتصبا على باب مكتبه، بيده عصًا أصلُها جَريدةُ نخلٍ “مكشطةٍ” من أوراقها، كان يُؤَشّرُ بها على الرؤوس بين لحظة وأخرى وهو يستعرض مجاميع التلاميذ المتدافعين في الساحة، كما تتسابق الأغنام إلى زواياها الأليفة. كان لهذا المسيو حاجبان اختفى سوادهما، وعينان لا يسُرُّك بريقُهُما المُخْضَرُّ، وانفراجٌ لشفتين جعلتني شخصيا في حيرة وتساؤل: أهي ابتسامة الترحيب وحسن الاستقبال، أم هي تكشيرة إنذار اليوم الأول الذي “يموت فيه القط”. شعرت بغربة وخوف لم أشعر بهما لاَ عِند التحاقي أول مرة بالكُتّاب عند السي محماد المتوكي، ولاَ عند المعلم السي بوعبيد في مدرسة الحسنية الحرة.

مررنا بسلام من أمام هذا المدير الحازم- أكثر من اللاّزم- ليستوقفنا مَنْ عَلِمْنَا في ما بعد أنه الحارس العام، وهو سيدٌ فاضلٌ وقورٌ بلباسه التقليدي من بلغته إلى “رَزّتِه”، وجِلبابين، واحد أبيض حريري من نوع “البزيوي”، وآخر من قماش سَميك، وكان اسمه السيد محمد ابن الامام، وهو أبو التلميذ العباس، الذي لمع كلاعب كرة قدم في ما بعد.

عرفنا الحارس العام على أقسامنا وسلمنا إلى معلمتنا الهندية الأصل والسحنة، الفرنسية الجنسية والمُهمة. ومع اختبار بسيط، تقرر أن نلتحق بقسم يزيد درجة عن فصل السيدة الهندية، تُشرف عليه سيدة فرنسية شقراء ذهبية الشعر، عيناها تُشبهان إلى حد كبير عينَيْ المدير المسيو كورجون المخيفتين، اسمها مدام فراساتي.

لا شك أن الشعور ببعض الغربة بدأ يلازمنا، وأن الخروج عن الطريق الذي رسمه لنا والدنا جعل الضمير يؤنبنا، وغدا كل ما أخذناه من مبادئ وقيم في المدرسة الحسنية الحرة يُذكّي هذه الأحاسيس في نفوسنا.

هنا لا عَلَمٌ يُرسم أو يُرفع، ولا نشيدٌ يُلحّنُ أو يُسمعُ، ولا ذاك الطفل “محمد المزوضي”- الذي كان في المدرسة الحسنية كُلما تقدّمَنَا غرد وأبدع وأمتع-… لا مسرح هُنا ولا كشّافٌ يتطوع، ولا حديث عن تلك الاعتقالات في صفوف النخبة التي تزيد وتتوسع، ولا تداول ولا إشارات من مُعَلّمٍ عمّا فجرته تلك الأحداث، ولا قلوبَ تتألمُ وتتوجعُ لخبر استشهادٍ كما كان الشأن في الحسنية، حيث كل العيون لمثل هذه الحالة تدمع… لاشيء من كل ذلك في “سكويلة” الباشا..إلاّ أنه من الجحود ألا يعترف المرء بجدية الدراسة فيها واستقامة المدرسين، الوطنيون منهم والفرنسيون، أمثال السي الخليل، والسي ابن الفاضل، والسي مجيد، والفقيه مُحماد، والفقيه حسن الطويل، والمسيو كارير، والمسيو ديجان، ومادام ديجان، والموسيو فوشي.

ومن دواعي الاعتزاز أن تظل بعض أسماء النجباء من إخواني زُملاء الفصل منقوشة في الذاكرة، كالأخ عبد الحي الفرقاني، الذي قضى في الوظيفة العمومية عُمُرا وغادرها نقي الوجه والاسم والسمعة، والشرفاء أبناء عامر، وأشهرهم مولاي الطاهر، مدير الحي الجامعي بالرباط سابقا، الذي تفانى في خدمة الطُّلاب وترك ذِكرًا حسنا، والدكتور بُونهار رحمه الله الذي كان لا يتقاضى أجرا عن خدماته العلاجية من الضعفاء والمحتاجين، وأسماءٌ أخرى كثيرة تشرّفتُ بالدراسة معها.

مرت سنوات قليلة في “سكويلة” الباشا، كنت أحْسَبُهَا مِثلَ الزّمن المُبهم. وبِالرّغْمِ من الجدية التي كان يُبالغ في إظهارها المسيو كرجون، فإن أيامنا الدراسية كانت على عكس ما ألفناه في المدرسة الحسنية الحرة، حين كان لا يَهُبُّ وقت ولا حين، ولا أمد ولا زمان، إلاّ وحمل معه نسمة نستنشق من خلالها المزيد من عبير الوِدّ للوطن.

في “سكويلة” الباشا التهامي المزواري، كان الانهماك الكُلّي ينصب على ما تخطه أنامل المدام ديجون على تلك السبورة السوداء انطلاقا من شمالها إلى يمينها، وهو أمر أثار انتباهنا نحن أصحاب اليمين، منذ دخلنا حصص الإملاء والنقل.

كنتُ أشعر داخل القسم كمن يتناول فاكهة لذيذة مباشرة بعد أكله فاكهة ذاتَ طعمٍ ألذ، وعندما كنت أسأل أخي أحمد، كيف استطاع التّأقلم والانسجام وكسب بعض التفوق، كان يُردد بكل بساطة: “لا يمكننا البروز بما نحن فيه، إلاّ بنسيان ما كُنّا عليه”، ليكون ذلك سببا في جدال عقيم كعادتنا في جُل المواضيع، يبدأ من باب المدرسة، ويبلغ ذِروته في صحن منزلنا بدرب سبع تلاوي، حيث يُصبح تَدَخّل لالّة رقية أمي، وحبيبتي رقوش أمه، لا مفر منه، وأحيانا يتصاعد جدالهما ليصبح أكثر حدةً من جدالنا، فللأرملتين الكثير من الأعباء والمُحْدَثَاتِ في حياتهما تجعلهما على أهبةٍ تكفيهما سببا إضافيا للمزيد من الجدال، فبالأحرى أن يكون الخِصام والتشابك بين أبناء الضّرتين مادة يومية لاشتعال الفتيل، خصوصا ووسائل العيش لم تعد ُميَسّرة كما كانت عليه في حياة السي الحسن.

يتبع..

سيرة ذاتية للفنان المغربي الكبير محمد حسن الجندي، بعنوان “ولد القصور”، تنشرها هسبريس مُنَجمة على حلقات يومية في شهر رمضان الكريم.

‫تعليقات الزوار

9
  • محمد العثماني
    الجمعة 17 يونيو 2016 - 17:40

    منتوج ادبي رائع حيت يؤرخ لحقبة مهمة لتاريخيا

  • متتبعة
    الجمعة 17 يونيو 2016 - 18:08

    جميل و ممتع .. لم اجد ما اقول حقا، انا مستمتعة بالقراءة وحسب.

  • Bissane
    الجمعة 17 يونيو 2016 - 18:20

    شًىءنا ام ابينا للفرنسيين دور كبير و مهم في تعليم جيل مهم من المغاربة بغض النظر عن دوافع تلك الفترة، يحسب لهم انهم كانوا جديين في تعليمهم و ذلك باجماع كل من درسوا على ايديهم، ما ينقصنا اليوم هي تلك الجدية و المعقول

  • مغربي
    الجمعة 17 يونيو 2016 - 18:28

    أقرأ مذكراتك أستاذ محمد حسن بانتظام منذ اكتشفتها هنا على الجريدة.. أجدد تحياتي لك. برافو

  • Zimerman
    الجمعة 17 يونيو 2016 - 19:05

    Merci Si.Hassan El joundi, notre grande star marocaine . J'ai beaucoup regretté qu'il n' y avait pas à notre époque , en Médina un Najib Mahfoud pour parler à cette époque de Marrakech , Fès Rabat Tanger des années50; 60, 70, 80 avant le changement démographique et architecturale . Dieu merci, notre star a évoqué tous les détails Merci Si hassan que Dieu vous garde!

  • Taika
    الجمعة 17 يونيو 2016 - 20:15

    Merci ssi ljoundi et merci hespress pour cette initiative. J attends chaque jour l apparition de l article pour lelire. Ca me rapelle notre soif pour ecouter sur la radio . al azalia

  • Mohamed France
    الجمعة 17 يونيو 2016 - 21:14

    "لا يمكننا البروز بما نحن فيه، إلاّ بنسيان ماكُنّا عليه" قمة الحكمة

  • ام سارة
    السبت 18 يونيو 2016 - 00:01

    شكرا لك فنان الشعب اﻷصيل والمتيز ، أنك رضيت ان تقاسمنا ذكرياتك ، عن زمن لم نحض بالعيش بين ظهرانيه ولكنا نثوق الى سماع الحديث الصادق عنه ،ممن عاشه وبعمق مثلك ، يربطنا بذلك الحديث جميعا حبل متين ،هو حبنا لهذا الوطن ولتاريخه المجيد وللانسان الذي يعيش على ارضه .
    شكرا فنانا وأستاذنا الجليل.

  • امزرو
    السبت 18 يونيو 2016 - 10:33

    شكرا استاذنا على الاسلوب الرشيق و المعلومات القيمة عن فترة سمعنا بها و لم نعشها ، ملاحظة بسيطة استاذي تهم ثناءك على الاستاذ مولاي الطاهر مدير الحي الجامعي السويسي 1 ( تفانى في خدمة الطلاب….) للامانة فقط فقد كان هذا الاخير غفر الله لنا و له مخزنيا حتى النخاع سواء في تعامله مع الطلبة او مع عمال الحي ، عكس زميله آنداك الاستاذ حسيسن مدير الحي الجامعي السويسي 2 و مولاي اسماعيل و الذ كان قريبا من الطلبة اكثر ، و اظن ان من عاش الحياة الجامعية خلال السبعينات لن يخالفني الراي ، وشكرا استاذي مرة اخرى.

صوت وصورة
إقامات مارينا أبي رقراق
الجمعة 9 أبريل 2021 - 23:13

إقامات مارينا أبي رقراق

صوت وصورة
تعزيز البنيات السياحية بتغازوت
الجمعة 9 أبريل 2021 - 20:09

تعزيز البنيات السياحية بتغازوت

صوت وصورة
بوابة إلكترونية للتغطية الصحية
الجمعة 9 أبريل 2021 - 19:57 1

بوابة إلكترونية للتغطية الصحية

صوت وصورة
مشروع "اسمع صوتي"
الجمعة 9 أبريل 2021 - 18:36 1

مشروع "اسمع صوتي"

صوت وصورة
آية تتحدى التوحد
الخميس 8 أبريل 2021 - 17:43 16

آية تتحدى التوحد

صوت وصورة
احتجاج ضد نزع الملكية
الخميس 8 أبريل 2021 - 16:33 10

احتجاج ضد نزع الملكية