الجندي في "ولْد القْصور"ـ 16ـ: باب السمارين وسوق النجارين

الجندي في "ولْد القْصور"ـ 16ـ: باب السمارين وسوق النجارين
الأربعاء 22 يونيو 2016 - 16:25

16

لم تنته شهور العطلة الثلاثة حتى بدأتُ أفك عجلات الدّراجة الهوائية وأحسن إصلاحها، سواءٌ كانت من نوع ما يعرف بـ”البانطاج”، وهو عبارة عن قطع دائرية كقُروش من “الكاوتشو” تثقب في وسطها، وتُنْظَمُ في سلك معدني لين، ثم تشد عند اكتمالها دائرة العجلة بتحكم، وأيضا الدراجات الممتازة التي لها عجلات من المطاط. تعلمت ذلك بفضل المعلم “امبارك الحنش” “السكليس” الذي كان زوجا لإحدى المساعدات المنزليات في بيتنا أيّامَ عِزِّهْ.

كان المعلم مبارك يُقَدّرُ ما سبق من شأننا معه، ويُظهر كل ذلك في سلوكه معي: عِفّةٌ، وأجرةٌ أسبوعيةٌ، ودرّاجةٌ صغيرة أركبها في الذهاب صباحا والإياب مساء.

كانت مهنَةُ تَصليحِ الدراجات تَعرِفُ رواجا في ذلك الزمان، إذ تُؤَجّرُ الدرّاجة بالسّاعة واليَوم والأسبوع والشهر، إضافة إلى الاتّجَارِ المُباشر بها أسبوعيًّا في سوق “البِسْكْلِيتَاتْ” الواقع بين الجُوطِيَة: “سوق الخردة” و”الفُورْيَانْ”: ذلك المكان الفسيح المُسَوَّرُ بجدار إسمنتي والذي تُحْتَجَزُ فِيهِ العَرَبَات والبشر عندما تنتشر الأمراض الموسمية والأوبئة.

مَضَتْ شُهُورُ العُطْلَةِ الدّراسية، وعاد جُلُّ تلامذةِ سْكْوِيلْةْ البَاشا وهُم يتحدثون عن شواطئ الصَّويرة والجَديدة والوَالِدية، والبعضُ الآخر يتغزّلُ في جَمَالِ طبيعة أوريكا وأُوكَايْمْدْنْ، ووادي أم الربيع وأماكن أخرى لم نكن قد سمعنا بها من قبل.

كنتُ أنا وأخي ومن هم في مثل حالنا من التلاميذ، نتبادل النظرات ونتحاشى الحديث في موضوع العطلة. وبدأ كل ذلك يؤثر سلبا على حالتي وحالة أخي النفسية، وبالتالي على أجواء الدراسة ونتائجنا المدرسية. ولم تعد لنا تلك الرغبة ولا ذاك الحلم، ولا عادت لسكويلة الباشا تلك الأهمية.

ولأول مرة انسجمنا أنا وأخي في الرأي بعد أن كنّا نختلف في كل شيء، وغدونا نبحث عن العذر المقبول للتغيب عن الدراسة. قضى أخي أحمد عند معلمه المسيو جانو سنتين اكتسب خلالهما بعض المهارة في اختياره الأول والوحيد “إصلاح هياكل السيارات”، أما أنا فقد استمررت على سُنّة تغيير الصنعة تِلو الصنعة لينطبق علي المثل القائل “سبع صنايع والرزق ضايع”.

كنت بمُنتَهى العِنَاد أُرْجِعُ سُوءَ حظّي وأفسر تَعَثُّري بأنني لم أجد بعدُ ما خلقت له. ورغم حَدَاثَة سني فقد كان في داخلي ما يُشبه اليقين بأنني سأعثر لا محالة على ما أنا مُسيّرٌ إليه ومُيَسّرٌ لهُ، ولعلها كلمات الشيخ الركْراكِي.. الحكواتي الشهير، من هو في السِيَر خبير، نجم جامع الفناء وصاحب التشويق والتفسير، لعلها كلماته التي ظلت عالقة في ذاكرتي، هي التي زرعت في نفسي الرغبة في البحث والتجريب؛ إذْ قال نقلا عن الذي لا ينطق عن الهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلٌ ميسرٌ لما خلقَ له”.

سبق الحديث عن المهارة التي اكتسبها محمد الكباص، ابن عمتي، في فن تطريز الطّواقي، إلى حدّ أنّهُ بدأ يشكل رسوما بثمانية ألوان ببراعة وخفة أصابع كانت تُدهشني وترّغبني في تعلم هذا الفن الذي يتطلب تفرغا ووقتا طويلا، فإنّ أي تهاون أو تكاسل أو عدم التزام مع الزبائن بتسليمهم البضاعة في وقتها، يُعرض ممتهن هذه الحرفة إلى متاعب ومشاكل لا تُحمدُ عُقباها. وذاك ما كان يحدث لابن عمتي الكباص.

كان الكباص يأخذ العرَابين من أكثر من زبون على الطاقية الواحدة، ويقضي الأسابيع والشهور في طرزها حتى إذا اكتملت تحفته، باعها لغير المُعَرْبِنِينَ عَلَيْهَا، لا عن خبث أو احتيال، بل طيشا ورُعونة. وكان بذلك يُعَرّضُ نفسه للمطاردة وأحيانا للضرب، غفر الله له. أما أنا فقد اكتفيت بصناعة طواقي الصوف الغليظة التي لا تُكلف وقتا ويسهل بيعها لرُخصها. وكان ثمن الواحدة منها يكفيني لشراء تذكرة السوليما القنارية مرتين في الأسبوع على الأقل. وهذا النوع الأخير من الطّواقي يُسمى بالنجمة الخماسية، وكان عليه إقبالٌ شديدٌ من طرف أهل المدن والبادية.

وهو غطاءٌ للرأس أحَادي اللون، تتوسطه، بلون ثان، النجمة الخماسية التي تعتبر أول رسم يتعلمه المغاربة في الكُتّاب وبها يكتمل الرمز الوطني..”العلم”.. وكانت هذه الطواقي حتى عند العامة تلعب دورا تثقيفيا في أيام السبت عندما يخرج يهود الملاح أفواجا أفواجا، وعلى رأسهم طواقيهم “الكيباه” تعلوها نجمة داوود ..وكان الناظر للنجمتين يسأل، والعارف يشرح.

وفي سوق الطواقي انتبهت إلى بعض أقراني ممن يعرضون بضاعتهم، وراقبتهم من بعيد لأتعلم من أخطائهم، دون أن يخطر بالبال أنني سأجتمع مع بعضهم مستقبلا في نادي الوطنية والنضال.

كنت أرى في سوق الطواقي مولاي إبراهيم عواطف، صِهر الشهيد البقال فيما بعد، وأحمد الشهيدي، وهذا الأخير قد تخطى الرقم القياسي في التفنن في استعمال خيوط الحرير الملونة بتفوق حتى على محمد الواريدي الكباص نفسه، لِما كان يتميز به من جدية وتحصيل علمي، وستُكتَشَفُ مواهبه فيما بعد حين بدأ يكتب في صحيفة “العلم” الفتية حينها، مُوَقّعا مقالاته باسم “ابن القصور”، وهو أحد رموز الحركة الوطنية البارزين في جيل ما بعد الرّواد مباشرة، والذي أصبح شريكا لهم في النضال والسّجون والتعذيب، وهو الذي أصبح أيضا بعد فجر الاستقلال زوجا لأرملة الشهيد محمد الزرقطوني رحمهما الله، ثم قاضيا نزيها شريفا ثم رئيس غرفة، وأحب أن يكون مِسكُ ختام حياته باقة هائلة من القصائد الشعرية. والشهيدي ثمرة من تلك الشجرة التي غرسها الزعيم عبد الله إبراهيم.

كما أسلفت، فإن جُلّ ما كُنْتُ أحَصِّلُهُ من بيع الطواقي كان يذهب لصندوق السوليما القنارية الذي تجلس وراءه سيدة فرنسية كنا نسميها، بقسوة الصبيان، “العرجاء”. كانت تلك السيدة الفرنسية لا تهتم إلاّ بعملها وعلى محياها ابتسامة لا تفارقها، مما جعلها تحظى باحترامنا حتى خارج الشباك، بل ومِنّا من كان يُسَاعِدُهَا على حمل دراجتها الهوائية عند وصولها إلى عملها أو عند خروجها منه.

مرت الأيام والشهور وأنا أتردد على السمّارين، وبدأت أشعر بشيء من الميل للتجارة فأفصحت عن ذلك لوالدتي لالّة رقية التي استحسنت الفكرة، وكانت أصلا تُنوّه بوَلَدِ سيدة قريبة لنا في الأسرة والمسكن، اسمه مبارك، وكيف تحسن حاله وحال أهله منذ بدأ يشتغل عند صاحب متجر في النجّارين.

أسرعت والدتي بالاتصال بوالدة مبارك، وتيسر ما رغبت فيه لالة رقية والتحقت بدُكّانٍ صغيرٍ للاتجّار بالجلاليب الجاهزة محليا وتلك التي تُستورد من فاس، ومدينة بزو إلى جانب ما تلتحف به النساء من منتجات سوق “الحايك”، وهي أنواع بين نَفيس ومُتوسط ورَخيص بمُسميَات مُختلفة: حايك السُّوسْدِي.. وحايك الصّابرة.. وحايك البزيوي الحُر.. وحايك الحبة..وحايك الخرقة الصوفية، وهي أنواع أخرى..

كما أن الدكان كان يحتوي على بعض المَعْرُوضَاتِ “كالتُّوبيت”، وهو عبارة عن نُسخٍ للقفطان، وأقمصة بلدية أخرى بأثمان في متناول زبائن سوق النجّارين الذي بدأت تختفي معالمه اليوم هو الآخر.. وتحولت دكاكين فن النجارة فيه إلى بازارات، فلم تبق إلاّ الأسماء لتشهد للأسلاف على عظمة التخطيط، وروعة الترتيب، وسُمُو الذوق، واحترام التخصص، والبراءة من مَعْيبَة التّطَفّل..

فالنّجارين كان سوقا لجميع أنواع التجارة والسمارين كان أعظم مكان لحدادة الشبابيك والدرابيز وتصفيح البهائم.. واللّبَادين لا يمكن أن تجد فيه شيئا غير لُبْدَة الصّلاة بجميع أحجامها وأشكالها وألوانها، وكذلك المجادليين، والعطاريين، وسوق السباط، والنحاسيين، والشكايريا، والباروديين، والسراجين، والدهيبيا، وقس على ذلك..

فكل اسم يدلك على مسماه، وبالتالي يقودك إلى مرادك دون عناء، كما يوفر لك متعة التّنويع في المشاهدة وثقافة التّمْييز، مع تنافس حتى في تزيين الأسواق ونظافتها مخافة أن يُعاب على أهلها إهمال أو قلة ذوق.. وكان كل ذلك يجعل من أسواق مراكش بهجة للناظرين، مصداقا للجملة المغربية الرائعة المترددة على كل شفاه.. “اللي ماشرا يتنزه”..

يتبع..

* سيرة ذاتية للفنان المغربي الكبير محمد حسن الجندي، بعنوان “ولد القصور”، تنشرها هسبريس مُنَجمة على حلقات يومية في شهر رمضان الكريم

‫تعليقات الزوار

4
  • neutre
    الأربعاء 22 يونيو 2016 - 17:12

    عطاك الله الصحة أ سيدي محمد.اصبحت مدمنا على كتاباتك.أطال الله عمرك.

  • ولد الزيتون
    الأربعاء 22 يونيو 2016 - 18:09

    أتمنى أن تعود مراكش كما كانت، لأنه اليوم لم يعد حالها يسر العدو قبل العشير.. زنى، نصب، احتيال، ميوعة، سفاهة.. الحصول الله المستعان.

  • ولد المواسين اودرب الجنايز
    الأربعاء 22 يونيو 2016 - 18:13

    فعلاةاصبت يا استاد قد دهبت بنا الى زمان كانت مراكش تحتوي عاى اناس لايهتمون سوى بالحياة اليومية اما الان وهدا شئ عادي نظرا للتحول الاجتماعي الحاصل الان في جميع المجالات و تعطينا صورا عن تصرفات ناس مراكش في داك الوقت
    تحيات ولد المواسين من باريس

  • ثريا
    الخميس 23 يونيو 2016 - 09:51

    شكرا جزيلا سيدي، اصبحت أنتظر على احر من الجمر لمتابعة القصة، لقد امتعتنا، أتمنى ان يكون عمل تلفزي، فإن اراهن أنه سيكون رائع.

صوت وصورة
منازل الروح
الثلاثاء 13 أبريل 2021 - 23:28 2

منازل الروح

صوت وصورة
برامج رمضان على هسبريس
الثلاثاء 13 أبريل 2021 - 19:08 5

برامج رمضان على هسبريس

صوت وصورة
مدرسة تهدد سلامة التلاميذ
الثلاثاء 13 أبريل 2021 - 17:31 16

مدرسة تهدد سلامة التلاميذ

صوت وصورة
بوحسين .. نقاش في السياسة
الثلاثاء 13 أبريل 2021 - 17:07 3

بوحسين .. نقاش في السياسة

صوت وصورة
منصة للسيارات المستعملة
الثلاثاء 13 أبريل 2021 - 10:59 6

منصة للسيارات المستعملة

صوت وصورة
جنازة لاعب كرة
الإثنين 12 أبريل 2021 - 19:25 24

جنازة لاعب كرة