الجندي في "ولْد القْصور" .. مشاهدات ونوسطالجيا عام 1947

الجندي في "ولْد القْصور" .. مشاهدات ونوسطالجيا عام 1947
الإثنين 13 يونيو 2016 - 18:30

7

ليست هناك غرابة في أن تظل سنة ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين عالقة بالذاكرة. ففي مطلعها بدأت تظهر بوادر التغيير في كل شيء: في المناخ العام، وفي الحديث حتى بين صغار السن. وأصبح مهموس القول عند الكبار مجهورا.

وانعكس كل ذلك على النشأة والسلوك اللذين غذّاهما الوعي المُتشكل، النّهم لاستيعاب العالم من حوله، والنّامي كما الشجرة المباركة، يُزينها الفهم كما تُزين أغصانُ الزيتون محيط مراكش. فقد بدأت الصحوة.

وعلى الجانب الآخر، زاد افتتان تُجّار الحرب بثرواتهم، وازداد تمسك أعوان السلطة بجبروتهم وعدوانهم على كل من أشارت إليه الأصابع بالوطنية، ولو خطأ أو زوراً. وأصبحت كلمة “وطنيّ” من كبائر الجُرم الذي يستحق أقسى العقوبات. وفي المقابل رسخ في ذهن المغاربة أن في كل تعاون مع السلطة والفرنسي، خيانة للوطن، فوُصم كل متعاون معهما بخزي لقب الخائن.

ورغم التهديدات ومخاطر التعرض للانتهاك، فقد أفلح الوطنيون في إقناع أسرهم بتفهم مهماتهم، لتصبح منازل مراكش مقرات للقاءات والاجتماعات السياسية بعد أن سقط حاجز الخوف: فلا السجون عادت تنال من عزمهم، ولا الترهيب أفلح في ثنيهم عمّا عقدوا عليه النية من مقاومة ونضال.

وبدأ تغلغل الوطنيين في الأوساط الشعبية لنشر الوعي بالقضية. وعندما ثبت للمحتل أن لا سبيل لإركاع المغاربة بالقسوة والعنف، غيّر تَكْتِيكَه، وبدأ يُصدر العفو والإفراج طالبا المهادنة والمساومة، ولكن هيهات أن يساوم من سكنته روح المقاومة.

في بيتنا كان المرض اللعين الذي ألزم قامة الوالد الرفيعة الفراش منذ أواخر سنة ستة وأربعين، قد زاد واشتد. إلاّ انه لم يمنعه من السؤال باستمرار عن دراستنا. وكنا نحن نتسابق لإبراز مزايا المدرسة الحسنية، خاصة أنا وأخي غير الشقيق أحمد. أما أخي الأكبر عبد الله، فقد أغنته حافظته للسّتين حزب عن كل اختبار.

وكنّا نحن لا نُفَوّت الفرصة لمصارحته ثم تذكيره برغبتنا في الانتقال إلى مدرسة الباشا وتعلم اللغة الفرنسية مثل الكثير من أقراننا، وأقاربنا، وجيراننا، ولكنه سرعان ما كان يصرفنا عن الخوض في هذا الموضوع، لندرك على الفور أنه مازال ثابتا على موقفه في نبذ كل ما يأتي من الأجنبي.

ولكنّا لم نكن لنفقد الأمل، خاصة وطبيب الوالد هو “الدكتور فرج” خريج كلية باريز، الذي كان ينصح مرضاه بتعليم أبنائهم اللغة الفرنسية، لأنها لغة العصر والعلوم حسب قوله. وقد كان كلامه مسموعا خصوصا وهو الطبيب الناجح الذي تربطه ببعض الوطنيين علاقة طيبة، بالرغم من كونه واحد من صفوة رفقاء الباشا وجُلساءه، ويحظى بنفس قيمة “الدكتور جاكود”، أشهر الأطباء الفرنسيين في مراكش وأحد الساهرين على صحة الباشا مع “الدكتور فيليب”.

عندما استفحل مرض الوالد، استعان الدكتور فرج بخبرة الدكتور فيليب وصَحبه معه للمزيد من الفحوصات.

خيم القلق على المنزل في ذلك اليوم، وشمل الحزن الكبير والصغير في أسرة تخشى على مُعيلها الوحيد: أبي.

ورغم ما كان من اشتداد المرض عليه، فكنا نراه يُكابد مخففا عنا ومعزيا:

“الله يجازيكم.. لا تحزنوا عليّ إذا قدر الله الفراق وأنا في هذه السن ـ ثلاثة وستين سنة ـ فهي عدد السنين التي عاشها سيد الأولين والآخرين محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم”رحمه الله.

كان للشيخ امحمد النظيفي في العبادة عادة ظلّ يُحافظ عليها إلى أن أقعدته الشيخوخة بين جدران خلوته التي لا تزيد مساحتها على الثّلاثة أمتار كم قلت. فقد كان يؤُم بالناس الصلوات الخمسة كل يوم، ما عدا فريضة الجمعة، فلم يتغيب أبدا عن أدائها في مسجد المواسين الأكبر، الذي فتحت له عدة أبواب: أولها يُقابل درب الشرفاء، وآخر خاص بالجنائز في مدخل الدرب الذي سُمّي بدرب الجنائز، ثم باب ثالث في درب الحمام المجاور للصباغين، فباب رابع مُيسّر لصلوات تُجّار السُّويقة، وأخيرا باب الرفّاعين الذين يرفعون النعوش على رؤوسهم باحترافية تزيد الناس خشوعا، والموكب مهابة ووقارا.

قيل لي أنّ الشيخ لم يتغيب عن هذه الفريضة إلاّ بسبب وعكة صحية متزامنة مع ما ألم بالوالد من مرض في الشهور الأخيرة من ألف وتسعمائة وستة وأربعين، والأولى من سنة ألف وتسعمائة وسبعة وأربعين ميلادية.

ولكنه ذات جمعة أصرّ على الخروج إلى هذه الفريضة، وألحّ على ابنيه السي حماد والسي الطيب، أن يقوما بمهمة رفيقه السي الحسن الحجام والذي اعتاد التنسيق لخرجات الفقيه الأسبوعية. ومن غير تردد، تجند الأبناء والمساعدون، المؤذن مبارك، والمأموم الشيخ الجيلالي.

وتمّ الاتصال بأعوان الباشا المتمرسين للإخبار وطلب السيارة لنقل الشيخ كما جرت العادة، وتخصيص امْخَازْنِيَا للتنظيم والمصاحبة، تفاديا لكل ما يمكن أن يسببه تزاحم الناس أثناء السّلام على الشيخ والتّبرك به داخل المسجد وعند خروجه منه والذي يستغرق أحيانا ما يقرب من الساعة، حتى لا يُحرم أيّ مصلٍ من مصافحته أو تقبيله، أو على الأقل لمس ثيابه، كما كان اعتقاد البسطاء في ذلك الزمن.

وقد بلغ حُبهم لهذا الشيخ الزاهد حدّ اعتقاد بعضهم أنه آخر الأولياء والصالحين، وإن كان الفقهاء من أهل السنة والدّارسين، وبالرغم من تقديرهم وحبهم للشيخ، كانوا يُنبّهون الناس إلى أن الغيب لا يعلمه إلاّ الله سبحانه وأنه لا يجوز تقديس بشر مهما عظم عمله أو ذكره.

كان المفروض أن يعود السائق كعادته عقب كل صلاة بالفقيه إلى زاويته، ولكنه هذه المرة حاد به في اتجاه سُويقة المواسين، ثم عرّج يسارا على درب سنان في اتجاه رياض السملالي ثم رياض السي عيسى العبدي. وعند بلوغ الموكب لرميلة القصور، أشار له ابن الشيخ الأكبر أن يتوقف أمام درب مولاي عبد الله بن حساين الذي كانت تسكنه عيّنة أخرى من وجهاء مراكش: كابن الباشا القائد عبد الله وقائد أمزميز السيد الصبّان، الذي سيعزل من منصبه فيما بعد بسبب رفضه التوقيع على نفي الملك الشرعي محمد ابن يوسف، إضافة إلى شخصيات كثيرة لا يتسع المجال لذكرها جميعا. ويُقابل هذا الدرب، رياض القائد الدّردوري، الذي تم اختطافه أثناء الفوضى التي عمت الجنوب بعد استقلال الوطن- وفي عمق الصّابةالتي كان يسكنها القائد يتواجد ضريح سيدي اليمني.

عندما ترجل المرافقون وأخرجوا الشيخ من السيارة الباشاوية، كنتُ أول من تنبه لذلك، حيث كنت أعْرَفَ أبناء الحي بالشيخ لكَثرة ترددي على خلوته صُحبة والدي. فأظهرت حماسةً في الحديث عنه لأصحابي وإظهار علاقة أسرتي بأسرته. وانتابني شعور غريب.

كان الموكب يتحرك في اتجاهنا ببطء شديد، ونحن بباب درب الجديد الذي يسكنه فقيه الحي السي البشير، ومجموعة من عْزَاوي (فتوات) الحومة، وفي مقدمتهم بّاحسون المكنى بعز الحومة، وعمر الملقب بكلى باصّا، ومحمد لعصيبي، ثم نجم صغار حي القصور في الجري والشغب احمد الجن ولد لقوامجي. وبطولة جميع هؤلاء لا تظهر إلاّ في موسم صاحب طابع أولياء مراكش: أبومحمد عبد الله الغزواني الذي اشتهر بمول لقصور.

عندما أشرف الموكب على قوس الحي العتيق، لم يبق عندي شك في أن مقصود الشيخ من هذه الزيارة المفاجئة هو منزلنا. فانطلقت كالسهم وكأنني أُسابق أحمد الجن الذي كنت دائما معه في تسابق شديد، ولم تتوقف ساقاي إلا وأنا في صحن الدار أصرخ : “سيدنا.. سيدنا جاي عندنا”.

يتبع..

*سيرة ذاتية للفنان المغربي الكبير محمد حسن الجندي بعنوان “ولد القصور”، تنشرها هسبريس مُنَجمة عبر حلقات يومية في شهر رمضان الكريم.

‫تعليقات الزوار

5
  • Yassine
    الإثنين 13 يونيو 2016 - 19:21

    و الله العظيم دائما أقول في نفسي أنه خطأ فادح ما فعله أجدادنا عندما ثاروا ضد فرنسا لو بقيت فرنسا في المغرب لكانت لنا جنسية أوروبية لأن ولكانت لنا كل حقوقنا كباقي لأوروبيين أنظرو لسكان سبة و مليلية فهم يرفضون كليا العودة للمغرب فا في العبرة عبرة لمن يعتبر .

  • ولد سيدي يوسف
    الإثنين 13 يونيو 2016 - 19:30

    مااروع اسلوبك يا حسن. حكي مرتب وكلام حكيم وسرد متواإن ولغة مضبوطة ونقية وأحيانا مبسطة بدارجة مراكشية قحة. سلامي وتحياتي وتقديراتي لك من أرض عجم موعولمة لا تفقه شيئا في موروثنا الثقافي الشامخ.

  • لقصور و لماسين
    الإثنين 13 يونيو 2016 - 21:44

    هي رحاب و ازقة طيبة ليست كباقي رحاب مراكش المدينة لان لكل حومة في مراكش علاقة مع دولة من دول المغرب وملوكها ..حي لقصور بدء عمرانه مع المرابطين وازدهر في عهد السعديين ..من هي المراة المراكشية التي لم تصتحب ابنها صغيرا للتبرك عند الولي الصالح سيدي محمد الغزواني واطعمته عنبا يابسا لينجح في مشواره الدراسي ! سبع تلاوي ومنعرجاتها الضيقة والسلسة في ان من احسن الاحياء التي احبها بجانب الرميلة الى درب الجديد حيث قضيت فترة من طفولتي تقريبا كما قضاها استادنا محمد الجندي من لحضار وويلاته الى المدرسة الحديثة انها حقب من حياتنا عشناها في مراكش ولن ننساها ابدا .شكرا للاستاد محمد الجندي واطال الله عمره.

  • KARIM FRANCE
    الإثنين 13 يونيو 2016 - 23:46

    شكراً لفناننا الكبير سي محمد الجندي أمتعتنا بأسلوبك السردي الشيق لفترة هامة من تاريخنا .
    ما أثارني هي الصورة أعلى المقال التي تُجسد ثقافة التسامح والتعايش التي كانت تسود مغرب تلك الحقبة وما قبلها .
    جميل هذا المزيج بين المغاربة اليهود والمسلمين يجمعهم الإحترام والتآخي وعشق تراب هذا الوطن.
    مع الأسف هؤلاء المغاربة أُقتُلعوا من جذورهم و جُزَّ بهم في عملية قذرة …..
    شكراً مرة أخرى أستاذنا الجندي.

  • الحسن الثاني
    الثلاثاء 14 يونيو 2016 - 01:17

    الى رقم وحد لو كانت فرنسا في المغرب لمت الاف المرات ومحاربتهم لاني فخور بمغربيتي واعبش حرا انت اضن لامانع عندك ان تعبش تحت وصاية الغير حثى لو تحرشو باهلك مادام تتمنى ان تعبش بينهم عاش المغرب الدي ماتو من اجله الشرفاء

صوت وصورة
غرق في شاطئ الجديدة
السبت 10 أبريل 2021 - 19:16

غرق في شاطئ الجديدة

صوت وصورة
جماعة "لوطا" تنادي بالتنمية
السبت 10 أبريل 2021 - 17:41 3

جماعة "لوطا" تنادي بالتنمية

صوت وصورة
إقامات مارينا أبي رقراق
الجمعة 9 أبريل 2021 - 23:13 7

إقامات مارينا أبي رقراق

صوت وصورة
تعزيز البنيات السياحية بتغازوت
الجمعة 9 أبريل 2021 - 20:09 4

تعزيز البنيات السياحية بتغازوت

صوت وصورة
بوابة إلكترونية للتغطية الصحية
الجمعة 9 أبريل 2021 - 19:57 2

بوابة إلكترونية للتغطية الصحية

صوت وصورة
مشروع "اسمع صوتي"
الجمعة 9 أبريل 2021 - 18:36 1

مشروع "اسمع صوتي"