الجيراري يدعو إلى اجتهاد الفقهاء والنأي عن "الانغلاق الهوياتي"

الجيراري يدعو إلى اجتهاد الفقهاء والنأي عن "الانغلاق الهوياتي"
الأحد 29 دجنبر 2019 - 23:00

قال عباس الجيراري، المستشار الملكي السابق، إنّ “التنمية الشاملة المؤدية إلى التقدم والرقي لا يمكن أن تقوم بالتركيز على الجوانب الاقتصادية والمالية من صناعة وفلاحة واستثمارات، وما إلى ذلك، وإن كان هذا أساسيا، لكنّ التنمية لن تنهض بدون الاعتناء بالثقافة، وجعلها العمودَ الفقري لأي مشروع تنموي”.

وأبرز المفكر المغربي في محاضرة حول “التحديات الثقافية المستقبلية في العالم الإسلامي”، نشرتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة “الإسيسكو” ضمن كتاب صادر عنها، أنّ “التنمية أو الرقي الذي نسعى ماديا إليه لا يمكن أن يقوم إلا إذا كانت خلفه وفي انطلاقته الثقافة”.

وتكمُن ضرورة عنصر الثقافة كأحد العناصر الأساسية للتنمية في كون الثقافة، كما يرى الجيراري، “هي وعي بالذات وبالكيان، ووعي بمقومات الهوية، وبمكوّنات الشخصية، من لغة ومن دين ومن معارف وقيَم، مما هو مضمَّن في كل هذه العناصر ويصب في إطار الثقافة”.

ودعا الجيراري إلى النأي عن الانغلاق الهوياتي، فالهوية الإسلامية “لا ينبغي أن تجعلنا نغفل مختلف الهويات الفرعية التي تخص كل بلد، وقد تزيد تفرعا داخل البلد الواحد، ولا سيَما حين يكون متميزا بالتنوع والتعدد”، كما جاء على لسانه.

وأكّد ضرورة مراعاة الاختلافات العرقية والمذهبية الدينية، مبرزا أنّ هذه الاختلافات “إنما تدلّ، في الحقيقة، على سعة الشرع ومدى اجتهاد الفقهاء الذي ما أحوجنا اليوم إلى مواصلته لمواجهة قضايا العصر الطارئة”.

ولئن كان العالم الإسلامي يتميز بتعدد أقطاره ووجودها في مختلف القارات، ورغم عدد سكانه الهائل، ورغم ثرواته الطائلة، ورغم موقعه الجغرافي الذي يتوسط الكون، فإن الجيراري يرى أنّ الدول الإسلامية تجتاز فترة صعبة نظرا للخلافات والنزاعات والصراعات التي تتخبط فيها.

وثمّة عنصر آخر يرى الجيراري أن التنمية المفضية إلى الرقي والازدهار لن تتحقق بدونه، هو الوعي بالطاقات الإنسانية، وبالقدرات الإبداعية والثقة فيها، “لأنه عندما نَعي أن هناك إمكانات ذاتيةً موجودة في العالم الإسلامي، وتتوافر ثقتنا فيها، يمكن أن نبدع في مختلف المجالات، من اقتصاد وفلاحة وغيرهما، فيتحقق الرقي والتقدم”.

ويردف المفكر المغربي أن إدراك التنمية الحقيقية بمفهومها الشمولي الذي يؤدي إلى الرقي وإلى التقدم، “لا يمكن أن يتحقق في ظل استمرار مجتمعات العالم الإسلامي في استهلاك ما يصنعه ويُنتجه الآخر، الذي أحسّ بذاته ووعَى بقدراته، وأخذ يبدع في كل ذلك، ونحن ما زلنا في معظمنا نكتفي باقتباس هذا الإنتاج واستعماله، ونحاول أن نسير في ركاب منتجه”.

وشدّد الجيراري على ألّا سبيل لخروج العالم الإسلامي من انحداره إلا بتنمية الذات انطلاقا من الوعي بها، مبرزا أنّ هذا الوعي لا يمكن أن يتحقق إلا من الداخل، أي من الأفراد والمجتمعات، وليس مما يُستورد أو يفرض من الخارج، مثله في ذلك مثل عملية التطوير والتجديد والتغيير التي لا تنطلق إلا من الداخل، بحسب رأيه.

التحدي الثاني الذي يرى الجيراري أنه يواجه العالم الإسلامي، يتعلق بالحداثة، حيث توقف عند إشكالية كبيرة تعاني منها مجتمعات العالم الإسلامية، تتجلى في كون هذه المجتمعات “تعتز وتفتخر بماضيها المجيد”، لكنها، في الآن ذاته، تريد أن تلحق بالعصر وبالعالم الجديد دون أن تعرف كيف يمكن تحقيق ذلك.

ومن بين العوائق التي تجعل مجتمعات العالم الإسلامي ممزقة بين التمسك بالماضي والتطلع إلى اللحاق بالعالم الجديد، كون العالم الإسلامي في حد ذاته يشكل أكبر عائق، يوضح الجيراري، بدءا من الشك في وجود مجتمع واع قادر على إيجاد توازن مُحكم بين الأصالة والمعاصرة.

وتجاوز هذا العائق إلى الانكباب على معادلة اعتبرها في غاية الصعوبة، تتمثل في إيجاد حل ملائم لارتباط المسلمين بماضيهم من جهة، وتطلعهم إلى اللحاق بالعصر الجديد من جهة ثانية، يقتضي “التوفيق بين الأصالة التي نعتز بها، وتلك الحداثة التي نريد أن نلحق بها”، مضيفا: “نحن أصحاب ماض مجيد، لكننا في الوقت ذاته مطالبون بأن نواكب العصر، وأن نساير الحداثة، أي أن نكون أبناء جيلنا وأبناء عصرنا وأبناء المستقبل”.

‫تعليقات الزوار

13
  • amaghrabi
    الأحد 29 دجنبر 2019 - 23:18

    صراحة الأستاذ الكبير عباس الجيراري كما قال فهم الماضي باتقان ويتقن في فهم عصره وبالتالي فعلماؤنا نائمون على اجتهادات القدماء وتركوا الساحة المغربية فارغة يتلاعب فيه اجتهادات الفكر السلفي الوهابي حتى اصبح مساجدنا تصدر روائح الفتاوي الوهابية المتخلفة والمتزمتة والتي تحارب كل ما هو معاصر وتشجع كل ما هو ماض برواسبه السلبية والا جابية واعتقد ان الإيجابي قليل جدا ان لم اقل تنه منعدم.حتى في الساحة المغربية اصبح الاجتهاد السلفي والفتاوي السلفية والمواعظ المتخلفة التي يتوعمها مايسمى عندنا في الريف "فقهاء الحصير"اما علماؤنا الاكاديميين مثل عباس الجراري حفظه الله فهم في غيبوبة دائمة

  • Hollandddddsdss
    الأحد 29 دجنبر 2019 - 23:37

    كلامك معقول ولاكن:
    اي ثقاغة؟
    اي هوية؟
    اي ادوات؟
    من اين نبدء؟
    بماذا نبدء؟
    نستعمل البربرية، العربة أو لغة غيرنا؟ المغاربة 100% لا يكتبون بالبربرية بعد، لا يريدون العربية اذن نتقدم بلغة……من في نظرك؟
    السي الجيراري الله يهديك كن واقعي ومنطقي.
    عصيد قال قبل شهور شعب شمال أفريقيا شعب فاشل. كيف؟ لا أدري اسالوه هو

  • غ.ب
    الأحد 29 دجنبر 2019 - 23:37

    تركيا و ماليزيا و سنغافورة و ايران و باكستان بلدان اسلامية وصلت الى التوفيق بين التقاليد و العصرنة بلا مشكل بخلاف العالم العربي حيث الاستبداد يعيق اي خطوة و الاستبداد محرم دينيا و الاستفراد بالسلطة المطلقة و بالاقتصاد و شخصنة نظام الحكم و الاستفراد ببلدان من طرف عائلات معينة هي سبب التخلف اذ ان المستبد يكره الحرية و المساواة و الديموقراطية و ينشر الانحلال الأخلاقي و الخلقي و الفكري و الغباء و يبيع الأعراض و الاوطان و يقمع الحريات…و اما الاسلام فرحب متعدد و التراث الإسلامي من اعظم ما تركته البشرية لانه مبني على الصدق و الاخلاق و ساهم فيه اقوام متعددة و اعراق مختلفة و ديانات عديدة بلا مشكل…المشكل في الاستبداد العربي…

  • هيمنة
    الأحد 29 دجنبر 2019 - 23:48

    المشكل ألسي الجراري هو أن الغرب يسيطرون على الشعوب الإسلامية والعربية بالخصوص، بل مستعدون لتفثيث أي دولة عربية تسعى الى بناء دولة قوية.

  • باااااااعْ
    الإثنين 30 دجنبر 2019 - 00:12

    -لا يمكن للمسلمين أو غيرهم من معتنقي مختلف الأديان، أن يتقدموا ويتطوروا ويتغيروا إيجابيا بسرعة وفق ما تقتضيه شروط ومتطلبات الحياة، دون عرائق وتخوفات، ما داموا عاجزين عن التساؤل: -هل الأديان حقيقة جاءت من عند قوة أو مجموعة من القوى الخفية المتحكِمة في الكون لتسيير وتدبير شؤون الحياة اليومية للناس، أم هي مجموعة من الحيل والخدع الخرافية التي ابتكرتها شردمة من البشر للسيطرة على الناس وتحقيق أهداف وأغراض ومصالح شخصية خاصة لكل فرد من تلك الشردمة؛ قبل مجيء السياسة لتزيد الطين بلة؟

  • топ обсуждение
    الإثنين 30 دجنبر 2019 - 00:28

    لايمكن للإنسان العيش بعقلين أوبهويتين لأن الحاسوب الكمبيوتر صُمم بطريقة منطقية على طريقة التفكير الإنساني الخالص والعادي بمعنى أن العقل المتكون يفهم المنطق فهو إما أن يعرف ويُجيب بنعم 1 أوْ بِلا0 ،ولا يمكنه الإجابة بِنَعم ولا في نفس الوقت.وكذلك الإنسان لا يمكنه أن يعيش بعقلين وهويتين أن يعيش الماضي بكل حذافيره وفي نفس الوقت تطلب منه التطلع للحذاثة التي هي متصورة عنده أنها صناعة غربية بمفاهيم الشيوخ. الغرب بنفسه بدأ هكذا ولكنه بسرعة فهم أنه لا يمكن الإقلاع نحو الحذاثة إلا إذا تخلص من الماضي المقدس لذلك شكّلوا قطيعة مع الماضي في كل مقرراتهم التعليمية وخلقوا أناس ينطقون بالعلم وليس بالحكايات.لذلك لا يمكن للشخص الواقف الناظر إلى الوراء أن يمشي إلى الأمام دون أن يسقط في حفر.فكروا قبل النطق وعيشوا الحذث وإلا فالكلام يبقى لمن يحرث في الماء

  • حَكَم
    الإثنين 30 دجنبر 2019 - 00:45

    بِسْمِ اللهِ الْرَّحْمَنِ الْرَّحِيم

    ⚖ العدل أساس الملك ⚖

    إن المغرب اليوم يواجه تحديات كبيرة والقائمون على تسيير الأمور لا يقدرون خطورتها، نرجو الله اللطف، لكن ينبغي الوعي بذلك والقيام بوقفة تأمل وامتلاك الشجاعة للقيام بنقد ذاتي، ليس عيبا أن يخطئ الإنسان وإنما العيب أن يستمر في الخطأ. هؤلاء الذين يسيرون الأمور في مختلف المجالات ومختلف الوزارات ينبغي أن يراجعوا أنفسهم وألا يستمر صراعهم فقط حول الربح والمادة “يجب أن يلتفتوا إلى أن هناك في المغرب أناس جائعون وآخرين لا يجدون الماء للشرب وغير ذلك من الأساسيات” لذلك يجب أن يقف المجتمع وقفة تأمل بكل موضوعية وبكل صدق.
    لا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بفتح المجال أمام حرية التعبير، علما أنها تفهم بشكل خاطئ، من لدن العموم، فقد صار معناها هو السب وقول أي شيء على مواقع التواصل الإجتماعي وما شابهها، وفي الأصل حرية التعبير هي التحدث بموضوعية والمراجعة والتصحيح والتنبيه إلى الأخطاء. هنا تتدخل عوامل اقتصادية وعوامل اجتماعية،….

  • الوجدي
    الإثنين 30 دجنبر 2019 - 00:59

    عندما كان الدكتور المرحوم المهدي المنجرة يتحدث عن القِيّم المجتمعية ، فان يكن حديثه من هراء و الكثير من اصحاب القرار بخصوه …
    فأي نموذج تنموي كيفما كان لشعب متخلف لايهتم بالثقافة و التربية و التكوين ، فمآله الفشل !
    الحلول الفوقيه لايمكن ان تأتي بنتائج .

    الحل هو تعزيز الحريةً الديمقراطية ، اعادة الثقة للمغاربة ، العيش الكريم ، التربية و التكوين ، هذه آليات آفاق التنمية ، اما الأشكال الميكانيكية ، تجتمع لجنة و تسطر …. لم اسمع باي نموذج تنموي في العالم نجح …
    كان على اصحاب القرار ان يهتموا في ما جاء به احدى خطب جلالة الملك : لاستثمار فيما هو لا مادي !
    نعم ، التنمية البشرية : تكوين جيد و تعميمه على جميع المغاربة و الاهتمام بالمدرسة المغربية ….

  • ملاحظة
    الإثنين 30 دجنبر 2019 - 03:47

    فصل الدين عن السياسة ليس معناها ان نبيح الحرية الجنسية و نتبع اروبا في تدريس التربية الجنسية التي اظهرت فشلها حتى في القارة العجوز لان نسبة الاطفال الدين خارج نطاق الزواج تقريبا 45% و هناك دول تصل 70% و الدولة المحافظة هي اليونان فيها نسبة لا تتعدى 10%

  • سمير.
    الإثنين 30 دجنبر 2019 - 04:44

    صحيح، الثقافة هو العامل المحفز لخلق القيمة المضافة الاستثناءية. يقول ابن خلدون ، العصبية من قوام الدولة. فقط يجب التحكم في هذه العصبية لتحويلها من التطرف الى البذل الكبير في مناحي المجتمع. تقارب المذاهب الاسلامية لا يعني خلق مذهب واحد، بل ايجاد ارضية مشتركة لان الوحدة بالطبع تصنع القوة و المنعة و نبذ عوامل الفرقة لان الفرقة تسبب الضعف و ضياع الدول. يجب ان نفهم ايضا ان الاسلام كان المحفز الاول للشعوب الاسلامية في نيل استقلالها ، و هناك قوى الان ترى فيه تهديدا لمصالحها و تتصور مصلحتها في اضعاف الدول الاسلامية و هذا تحد كبير يجب الوعي به و مواجهته بحكمة دون الانزلاق في الاستسلام التام و دون الانزلاق في مواجهة الاخر بشكل عام بشكل قد يهدد الاستقرار العالمي او يفضي الى تفشي الارهاب. و هذا يفرض حدا ادنى من ااتنسيق الامني بين البلدان الاسلامية مع الاتفاق طبعا على اهدافه و مراميه و حدا ادنى من التضامن فيما بينها.

  • واخمو
    الإثنين 30 دجنبر 2019 - 05:47

    يرى الاستاذ محمد بودهان أن الكثير من المثقفين والاعلاميين المغاربة أمثال عباس الجيراري وبنسالم حميش وبلقزيز وبلكبير وبوعلي وعشرات الاخرين ، عندما يناقشون قضايا سياسية وفكرية وتاريخية ودينية ، يحللونها بكثير من المنطق والموضوعية والمنهجية العلمية ، لكن بمجرد مايكون الموضوع الامازيغية ، يغيب لديهم ذلك المنطق وتلك الموصوعية وتلك المنهجية العلمية ليحل مكان كل ذلك " الظهير البربري " بكل ما حملوه من نعوت قدحية كمشروع تأمري استعماري يتغيأ زرع بذور الفتنة والتشظي الهوياتي .

  • Mmmmbbk
    الإثنين 30 دجنبر 2019 - 10:00

    يجب احترام كرامة الناس و ثقافتهم قبل كى شيء .
    في المغرب ينهل الطفل من ثقافة اسرته و مجتمعه المحلي و فجاة يجد نفسه مجبرا على التعاطي مع اشياء اخرى غريبة عنه مما يشكل قطيعة و بالتاىي النفور

  • متتبع
    الإثنين 30 دجنبر 2019 - 15:01

    الهوية اليوم هي الحداثة و التقدم لان نحن في 2020 و شباب اليوم يحبد لغات اخرى لا يمكن اقناعه بالرجوع الى الماضي و لا يمكن فرض الهوية على جل المغاربة فلغة الدين هي العربية!

صوت وصورة
إفطار مغاربة في الإمارات
الأحد 9 ماي 2021 - 15:03 3

إفطار مغاربة في الإمارات

صوت وصورة
دار المؤقِّت في القرويين
الأحد 9 ماي 2021 - 14:59

دار المؤقِّت في القرويين

صوت وصورة
مع غيثة بن حيون
الأحد 9 ماي 2021 - 11:59 3

مع غيثة بن حيون

صوت وصورة
بخور وعطور ليلة القدر
الأحد 9 ماي 2021 - 11:31 7

بخور وعطور ليلة القدر

صوت وصورة
زكاة الفطر
الأحد 9 ماي 2021 - 10:29 14

زكاة الفطر

صوت وصورة
آش كيدير كاع: رئيس الجماعة
السبت 8 ماي 2021 - 23:00 23

آش كيدير كاع: رئيس الجماعة