الحاج أحمد سهوم.. عميد شعر الملحون المغربي

الحاج أحمد سهوم.. عميد شعر الملحون المغربي
الخميس 3 دجنبر 2020 - 22:50

بوفاة الحاج أحمد سهوم (12 نونبر 2020)، يفقد شعر الملحون، الذي قال عنه العلامة محمد الفاسي في “المعلمة” إنه “ديوان المغرب وسجل حضارته”، أحدَ أعلامه البارزين الذين قدّموا له خدمات جُلى.

وبالفعل، فقد كان أحمد سهوم رحمه الله شاعر ملحون مبدعا، وحافظا ومنشدا وباحثا، عاش من أجل الملحون وبه.

ولد بفاس سنة 1936 لأبّ من أصول فيلالية. التحق بالكتّاب كأقرانه من الأطفال، لحفظ القرآن الكريم. وفي فاس، خالط عشاق الملحون ومنشديه وحفاظه وحكّائي القصص الشعبية (أزلية ذي يزن والعنترية وغيرهما..)، فوعى مكانة الثقافة الشعبية وأغرم بالملحون وأدرك أنه “أوكسجين” حياته. وبعصامية لافتة، أكسب نفسه، في مدرسة الحياة، ثقافة موسوعية، شعبية وعالِمة، أسهمت في صقل موهبته الشعرية، ومده بقدرات ومهارات عالية، ومعارف ثرّة، ساعدته في تذوق فن الملحون وإدراك أهميته في الثقافة المغربية، وعلى الغوص في أغواره مستكنها جمالياته ومضامينه في أبحاثه ومحاضراته وتحليلاته وتنشيطه في اللقاءات والندوات (داخل وخارج المغرب)، وفي البرامج الإعلامية التي سهر على إعدادها وتقديمها في الإذاعة والتلفزيون المغربيين، لسنوات عديدة، محللا القصائد الملحونية ومقدما الحلقات التراثية والشعبية والوصلات الدينية…

بعد فاس، التحق الحاج سهوم بسلا في الخمسينيات من القرن العشرين، التي أقام بها ردحا من الزمن وبها تزوج ودفن. وبها اتصل بشيوخ الملحون ونهل من معينهم، وازداد عشقا لهذا الفن، فتفتقت موهبته وبدأ ينظم القصائد التي جعلته، مع نضجها واكتمالها الفني، من أبرز شعراء هذا الفن المعاصرين، وربما عميدهم.

ومنذ سنة 1957، أخذ يقدم برامج إذاعية وتلفزيونية، أسهمت في لفت انتباه المستمعين والمشاهدين إلى فن الملحون وجمالياته. ومن البرامج العالقة في الذاكرة: “أغاني الصباح” و”مع التراث” و”ركن الأدب الشعبي” و”إطلالة على التراث” و”التراث الحي”…

إن الطريقة التي سلكها سهوم في التقديم الإذاعي والتلفزيوني، سواء بالعربية الفصحى أو الدارجة، تعتمد لغة سلسة، بسيطة وعميقة في الآن نفسه، ندية، قريبة جدا من المتلقي العادي، وتنم عن ثقافته التراثية والعصرية الواسعة، وتُبين عن محفوظه الغزير من الشعر الفصيح والعامي والأمثال والحكايات والآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمعارف التاريخية..

اشتغل مديرا للمعهد الموسيقي بمدينة الصويرة لسنوات عديدة. كما كان كثير التنقل بين مدن المغرب التراثية على الخصوص: فاس، مكناس، تافيلالت، سلا، الرباط، أسفي، مراكش، تارودانت… يلتقي فيها الأشياخ والأجواق والمنشدين والأصدقاء، ويشارك بالتنشيط والمحاضرة والإنشاد… وقد حرصت بعضها على تكريمه: الرباط، وجدة، سلا، مراكش، الرشيدية.. كما كرمته أكاديمية المملكة، ومنحته درعها، وأصدرت ديوانه الملحوني ضمن سلسلة “موسوعة الملحون” التي يشرف على لجنتها العلمية الدكتور عباس الجراري؛ وهو الديوان الحادي عشر في السلسلة، بعد أن كانت الأكاديمية قد سهرت على إصدار دواوين أشياخ / أعلام متوفين مثل الجيلالي امتيرد ومحمد بن علي ولد أرزين وعبد القادر العلمي والتهامي المدغري وعبد العزيز المغراوي وأحمد الغرابلي وإدريس بن علي… وهو المجهود الذي قامت به الأكاديمية لحفظ هذا التراث المغربي النفيس الذي كان موزعا بين بعض الأوراق والكنانيش الخاصة، وفي صدور الشعراء والحفاظ والمنشدين والمولعين. وكان ديوان سهوم الديوان الوحيد الذي صدر في حياة مؤلفه.

أحمد سهوم، بالإضافة إلى ما قدمه للملحون من خلال البحث والدراسة والمحاضرة والندوة والكتاب والبرنامج الإذاعي، شاعر موهوب مبرز في هذا الفن المغربي الأصيل. وقد نظم في أغراضه المختلفة: العشاقي (الغزل) والرثاء، والوعظ والتوسل، والطبيعة والنزاهة، والتصوف والوطنيات، والسيرة النبوية، ووصف المدن وبعض مفردات الحياة اليومية….

يعتمد الراحل أحمد سهوم في شعره معجما بسيطا منتقى من العامية المغربية المستخلص بعضها من الفصحى؛ لكن المعجم البسيط يعبر عن معان عميقة بلورتها الموهبة والسليقة وأنضجتها التجربة الحياتية والثقافة العصامية.

في مدينة مراكش، يقول في إحدى قصائده، رابطا بين المدينة الحمراء التي تتخللها البساتين والرياضات الخضراء، بالعلم الوطني المغربي:

مَن الطيارة مْشاهْدَها عينِيّا // هَدا البهجة الباهْجَة فلمعمورة

نْكولوا ليكُم هي مرئيّة // مَن لَعْلو كلْها حمورة وخضورة

هي رايات كُلْها مغربية // عَنْد شوفْ العِين كَتْسارَحْ مَنشورة

وفي قصيدة طويلة، يقول في هذا المقطع عن المغرب:

تَانَعْشَقْ مَـغْرابْتي أوْ حَـضَارَتْها أوْ تـُراثْها..أوْ مَا نَتْسَلَّقْ سَـلــومْ

أنَـا وَاحَـدْ مَنْ الْـعَامَّـة، وَاكْتَرْتْ الْعَامَّـة فْقَوْمي حُكَاما

أنَيَا مَعْرُوفْ بينْ ناَسِي وَاهْلي واعْشَايْري، امْسِيَّحْ عَاشَقْ مَـغْــرومْ

فَبْلادي هَـذِه الـسَّالْـمة مَنْ كُلّْ اعْيُوبْ، دَامَتْ لْهاَ السْلامَة

انْتُما قُـولُواْ اللهْ عَالَـمْ ونَا دلاَّلْ خَـيْـرْ فَـالْـيَـقْـظَة أَوْ النَّوْمْ

كَنَنْظَرْ أَرْضِـي النَّاعْمة ، غرَّتْ جَبينْ لاَرْضْ باَنْوَارْ السَّما

يَا سُـبْحان اللهْ، مَا اتْفَرَّقْ فَالدَّنْـيَا كُـلْهَا مَـنْ زِينْ، هْـنَا مَـلْمُومْ

وَانَا رُوحِي فِيهْ هَـايْـمَـة، مَـا بِينْ مْحاسْـنُه إيْمَامة حَوَّامَة…

وعن فن الملحون، عشقه الكبير ومبرر وجوده في الحياة، يقول سهوم، في قصيدة من فترة شبابه:

فن الملحون فنْ ساني // ساطعْ فْسايَرْ لَزْمانْ

فيه الحَكمَة عْلى اللْوانْ

فن الملحون فنْ باني // ما يهدمْ يا سْيادْنا

بالتّْصويرْ الرفيعْ غَني // أو لَسْتِعاراتْ كاتْبانْ

تَنْظَرْها سايَرْ لَعْيانْ

والتشبيهاتْ يا اخْواني // سلْبَتْ لِنا ادْهانّا

أما لَلْفاظْ أو لَمْعاني // خْلاصْ تْحيّرْ لَدْهانْ

أو تَطرَبْ كلْ إنْسانْ

خَفْقَتْ بَجْمالها كْناني // أو صالَتْ بها بْلادنا…

ونظرا لأهمية أحمد سهوم كعلم بارز من أعلام الملحون، فقد ترجم له كل من محمد الفاسي في “المعلمة” وعباس الجراري في “القصيدة”.

مجمل القول إن وفاة المبدع الحاج أحمد سهوم خسارة كبيرة للثقافة المغربية عموما، والشعبية وفن الملحون فيها خصوصا. والعزاء في ما خلفه في ديوانه من إبداع راق وفي بحوثه في كتاب “الملحون المغربي” وفي الحلقات والتسجيلات العديدة التي تركها في الإذاعة والتلفزة، التي نأمل أن يقيَّض لها من يستخرجها من الأشرطة ويدونها كتراث ثقافي غني له وزنه وقيمته في كل ما صال وجال فيه الراحل من فن ومعرفة وثقافة شعبية.

يقول الأستاذ عبد المجيد فنيش عن فقدان سهوم: “رحل المؤرخ الشعبي ذو الامتداد النقدي الثاقب، ورحل معه الشاعر الشيخ الذي يرتدي البذلة العصرية ، وصدره بركان عراقةٍ ازدانت بتفتح وانفتاح مبهرين على ثقافات الآخرين”.

تغمده الله برحمته الواسعة.

‫تعليقات الزوار

3
  • moha
    الجمعة 4 دجنبر 2020 - 13:11

    Ahmed Souhoum fut une mémoire incontournable du melhoun Il a œuvré pour la la sauvegarde de ce genre authentique de la musique marocaine tout en agissant pour sa diffusion notamment chez les jeunes, il a soutenu des groupes musicaux qui s'interressaient à ce genre, dont Jil Jilala. Que son âme repose en paix chez le Bon Dieu

  • أحمد فائز
    السبت 5 دجنبر 2020 - 11:08

    أعجبت بهذا الشاعر الفنان الصوفي منذ سمعته أول مرة في رمضان 1996 في برنامجه المسائي، حديثه سلس بسيط يلامس بعمقه شغاف القلوب.
    رحمه الله و أجزل له العطاء.

  • عبد الواحد
    السبت 5 دجنبر 2020 - 21:16

    أي عشق و اي كلف هذا الذي جمع الراحل/الخالد الحاج أحمد سهوم بفن الملحون
    حتى امتزجا الى درجة التماهي و كانت النتيجة شلالا متدفقا من العطاء و الابداع…
    الى جنة الخلد يا منارة كشف اشعاعها جوانب لا حدود لها من فن :
    ساطع فساير لزمان
    فيه الحكمة على اللوان

صوت وصورة
المغاربة وجودة الخبز
الثلاثاء 26 يناير 2021 - 09:59

المغاربة وجودة الخبز

صوت وصورة
نداء أم ثكلى بالجديدة
الإثنين 25 يناير 2021 - 21:55 3

نداء أم ثكلى بالجديدة

صوت وصورة
منصة "بلادي فقلبي"
الإثنين 25 يناير 2021 - 20:45 6

منصة "بلادي فقلبي"

صوت وصورة
ورشة صناعة آلة القانون
الإثنين 25 يناير 2021 - 19:39 4

ورشة صناعة آلة القانون

صوت وصورة
انطلاق عملية  توزيع اللقاح
الإثنين 25 يناير 2021 - 17:02 20

انطلاق عملية توزيع اللقاح

صوت وصورة
الإخوة زعيتر يساعدون تبقريت
الإثنين 25 يناير 2021 - 10:31 20

الإخوة زعيتر يساعدون تبقريت