الحكامة المفترى عليها

الحكامة المفترى عليها
الإثنين 21 أكتوبر 2013 - 11:20

إذا أردت أن تسئ إلى مصطلح أو مفهوم هام أو قيمة كبيرة، أو أردت تمييع دلالاتها وأهدافها، فأكثر من تداولها في الخطاب السياسي والإداري، وإذا أردت أن تفتري عليها أكثر فأحدث مؤسسة أو وزارة باسمها.

فقد حرص السيد عبد الإله بنكيران وحزبه مند بداية حكومتهم الأولى على أن يحضر مصطلح الحكامة ضمن القطاعات الوزارية التي ستتضمنها حكومتهم في صيغة”وزارة الشؤون العامة والحكامة”. حقيبة خاصة ومبهمة لم تتضح طبيعتها ولا مجالات سلطتها التدبيرية والتنفيذية إلا خلال الشهور الموالية حيث اتضح أن الأمر يتعلق بقطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامن، وأن الملف الهام بالنسبة للحكومة الحالية والذي تتولى الوزارة تدبيره هو ملف المقاصة، وكان ممكنا أن تسمى هذه الوزارة بتسمية مركبة من هذه الاختصاصات دون البحث عن المصطلحات البراقة والملتبسة.

ففي الوثيقة التي أسمتها الحكومة ووزارتها المعنية بالرؤية الإستراتيجية نقرأ: وعيا منها بأهمية الحكامة في تدبير الشأن العام والتكلفة المرتفعة لغيابها على المالية العمومية والاقتصاد الوطني، خصوصا في هذه الظروف الصعبة… وكون الدستور الجديد ينص على تعزيز آليات الحكامة الجيدة وتخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد وترسيخ مبادئ الشفافية والمسؤولية والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، ونظرا لأن البرنامج الحكومي يعتبر الحكامة بمثابة عموده الفقري وهو ما يتجلى من خلال الأهمية التي حظيت بها الحكامة بكل أبعادها وعمليا من خلال إحداث قطاع وزاري مكلف بالحكامة.(الموقع الالكتروني لوزارة الشؤون لعامة والحكامة، تصفح يوم20-10-2013).

لكن، وبعيدا عن هذا الخطاب الذي يعبر عن النوايا ويبدو تلميعيا، هل تمتلك الحكومة والدولة فعلا رؤية حكماتية ومشروعا أفقيا يؤطر الممارسة السياسية والعمل الحكومي والمؤسساتي على هذا المستوى؟ وما ذا تحقق من ذلك خلال السنتين الماضيتين المواليتين للحراك الاجتماعي والسياسي المطالب بإسقاط الريع والفساد؟

يعود مصطلح الحكامة الجيدة Good governance في الأصل إلى حقل الدراسات الانكلوسكسونية خاصة في حقلي الاقتصاد وعلوم الإدارة، وقد ساهم في انتشاره خلال سنوات التسعينات تداوله في تقارير البنك الدولي الذي اعتبر الحكامة شرطا أساسيا لنجاح سياسات التنمية خاصة في البلدان التي تعرف أوضاع ديمقراطية واقتصادية صعبة.

ورغم تعدد التعارف والمفاهيم المجاورة المرتبطة بالحكامة والتي بقدر ما تضئ بعض جوانبها بقدر ما تختزلها في تدابير جزئية، ومنها المحاسبة والشفافية والتشاركية…فإن القواميس التخصصية تلتقي في اختصارها بشكل عام في “الطريقة التي تمارس بها حكومة ما سلطتها الاقتصادية والسياسية والإدارية، والتي تدبر بها شؤون وموارد البلاد من أجل تنميتها وتطويرها.”
فهل يتعلق الأمر إذن بمهام وأهداف حكومية محدودة يمكن أن يوكل تدبيرها لقطاع وزاري محدد، أم يتعلق الأمر بعنوان عريض للممارسة السياسية والديمقراطية والعمل الحكومي، بل بعصب

الثقافة الديمقراطية والمؤسساتية والمواطنتية التي ينبغي أن تؤطر الفاعلين في الحياة العامة ؟

أليس السلوك السياسي والالتزام بقواعد ومبادئ الحياة الديمقراطية، أكبر اختبار لثقافة الحكامة التي لا يمكن إلا الإقرار بعدمها والافتراء عليها عندما يتحول الحقل السياسي إلى مجال للمبارزة الجوفاء والخطاب الشعبوي والرداءة، ناهيك عن سيادة منطق الريع السياسي والبرلماني وثقافة الوزيعة والغنيمة والكلأ والطريدة؟ (لفهم أعمق لسلوكية وثقافة “الكلأ والطريدة” التي تشكل المتخيل السياسي للعديد من المجموعات السياسية والاقتصادية المهيمنة يمكن العودة إلى كتابنا الأخير “الأمازيغية والمغرب المهدور”).

أليست الهندسة الحكومية ذاتها أكبر اختبار لحكامة حكومة ما؟ ففي الدول الديمقراطية ولدى الأحزاب الديمقراطية والناضجة تأتي الهندسة الحكومية لتستجيب للتدابير الضرورية لتنفيذ البرنامج الحكومي، ولمواجهة الملفات والإشكالات الآنية التي تواجه مصالح البلاد وتحول دون تنميتها وتطورها، دون أن تغفل في ذلك مقتضيات التوافق السياسي بين الأحزاب إن اقتضى الأمر ذلك لكن في إطار من النضج السياسي الذي يعلى من المصلحة العامة وشرط الحكامة الجيدة بعيدا عن النزوات البدائية للحيوان السياسي.

ففي الدول التي استطاعت أن تحقق انجازات فعلية في الحياة الديمقراطية والممارسة الحكامتية كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا واسبانيا…، لا نجد أثرا لقطاع وزاري يحمل هذا الاسم، بقدر ما تعكس هندسته الحكومات وتحديد وإحداث القطاعات الوزارية ثقافة الحكامة بالفعل، ويكفي للتأكد من ذلك إلقاء نظرة على تركيبة الحكومة الفدرالية الأمريكية التي لا تتجاوز 15 كاتب دولة ورئيس الدولة ونائبه، والحكومة الاسبانية التي لم تتجاوز في هندستها 12 وزيرا وكاتب دولة ورئيس الحكومة ونائبته الناطقة باسم الحكومة، وهو تقطيع وزاري تم تقليصه بشكل يعكس إجراء حكامتيا ملموسا فرضته الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد. وفي فرنسا أيضا جاءت هندسة الحكومة كبنية تنفيذية للبرنامج الحكومي الذي قدمه الحزب الاشتراكي، فتم تخصيص مثلا وزارة لإصلاح وتقويم الإنتاج ووزارة منتدبة خاصة بالنجاح الدراسي.

وخلاصة القول، فلا يكفي أن تحدث حكومة أو دولة ما قطاعا وزاريا بهذا الاسم، أو مؤسسات توصف بنعت الحكامة، أو أن تتداول المصطلح حد الإطناب في قاموسها وخطابها لكي تتحقق وتمارس وتتحول إلى سلوك سياسي وإداري وممارسة حكومية. فنقاش الحكامة جاء في مسار التطور الديمقراطي والمؤسساتي في الدول التي استطاعت أن ترسي نظاما ديمقراطيا فعليا يقوم على ثقافة المسؤولية وقاعدة الشفافية والمحاسبة، حيث لا يعدو خطاب “الحكامة الجيدة” أن يعكس جانبا من ثقافة الحكم الديمقراطي والنضج السياسي ومن الإجراءات القانونية والإدارية التي تترجم هذه الثقافة والخيارات السياسية إلى تدابير مدققة وضابطة.

‫تعليقات الزوار

2
  • مولاي الحسين بودرقة
    الإثنين 21 أكتوبر 2013 - 14:27

    إن الوضع السياسي بالمغرب يبعث على الغثيان ؛فبفعل غياب إصلاحات جوهرية عميقة يستطيع المواطن المغربي البسيط أن يلمس أثرها على واقعه ؛ وبفعل إنشغال نخبنا السياسية ،مع تحفطي على مصطلح نخب ،بفعل إنشغالهم بحروبهم الخاصة لتوزيع الحقائب وخلق مناصب وزارية جديدة لترضية الخواطر ؛يبقى المواطن المهدور متروكا لامره يكد من أجل لقمة العيش ؛وتبقى مصطلحات الحكامة و المقاصة و المقايسة والوزير المنتدب والشفافية و تنزيل الدستور ….فهمتني ولالا،مصطلحات من أجل ً الغميقً بحال داك الشي ديال ًالسماويً

  • alantari
    الثلاثاء 22 أكتوبر 2013 - 16:08

    لعل الكاتب غير متتبع للشأن الحكومي أو غير معني به بالقدر الذي يجعله على اطلاع ولو على الأقل بأنشطة عدد من الوزارات كما هو الحال عليه بالنسبة لوزارة الشؤون العامة والحكامة التي يكفيه أن يعود إلى الجريدة الرسمية ويطلع على اختصاصاتها، ثم يتصفع موقعها الإلكتروني ليعلم ما خفي عنه. وأحيله إلى المناظرة التي عقدت السنة الفارطة حول الحكامة.

صوت وصورة
الفنان "تيو تيو" يكشف الجديد
الأربعاء 13 يناير 2021 - 11:58

الفنان "تيو تيو" يكشف الجديد

صوت وصورة
تعويضات عن انهيار البنايات
الأربعاء 13 يناير 2021 - 10:59

تعويضات عن انهيار البنايات

صوت وصورة
حوار مع  السفير الألماني
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 22:40 5

حوار مع السفير الألماني

صوت وصورة
اتفاقية وزارة التضامن والعمران
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 20:22 6

اتفاقية وزارة التضامن والعمران

صوت وصورة
"ليديك" وفيضانات البيضاء
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 17:08 26

"ليديك" وفيضانات البيضاء

صوت وصورة
استثمارات يابانية في السيارات
الثلاثاء 12 يناير 2021 - 14:59 12

استثمارات يابانية في السيارات