الدولة العلوية الثانية

الدولة العلوية الثانية
الأحد 13 مارس 2011 - 12:02

هل يكون محمد السادس مؤسسها؟



عندما تولى الملك محمد السادس مسؤولية قيادة دفة الحكم بالمغرب سال مداد كثير حول مآل تركة سياسية و دستورية خلفها الراحل الحسن الثاني، و تناثرت الأسئلة ذات اليمين و ذات الشمال حول ماهية الخطوات التي سيقبل عليها الملك من اجل ما أطلق عليه العهد الجديد، لكن شعلة هذا الأمل الجماهيري خمدت و تسلل شعور باستمرارية العهد القديم خصوصا مع توالي الأحداث و دخول وجوه جديدة إلى مربع الحكم و منه إلى المشهد المغربي الضارب في الخصوصية، تميزت هذه الوجوه بالنهم و الشره المالي و السياسي و بنقص واضح في التكوين السياسي بمعناه التاريخي محاولين تسويق صورة أنهم ملكيون أكثر من محمد السادس الذي كثيرا ما ذهبت التقارير الصحفية وهمسات المطلعين إلى أن شخص الملك زاهد في الحكم بالمعنى التقليدي مستثقل للطقوس الضاربة في الصرامة و الشكلانية محبذ لملكية القرب و المشاركة و المواطنة المنتجة.



الخلاصة أن محمد السادس ملك ديمقراطي ورث نظاما غير ديمقراطي مثقل بالملفات سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، ناهيك عن نخبة سياسية لم تعد صالحة للحظة التاريخية، سمتها الضعف في الفهم و الاقتراح و الإبداع و استيعاب متغيرات الواقع و فاعليه الأساسيين.



داخل هذه الأجواء تطور خطاب الشارع العربي و ارتفع سقف مطالبه حتى لم يعد لمطالب هذا الشارع سقف غير الحرية و الكرامة و المشاركة، و منه هبت على المغرب نسائم 20 فبراير 2011 حاملة رياح الموجة الرابعة للتغيير إلا أن الخصوصية المغربية كانت مرة أخرى هنا فالملك محمد السادس و بحس السياسي الاستراتيجي سبق هذا عندما عين في 3 يناير 2010 هيئة أوكل إليها أمر التفكير ووضع نموذج للجهوية المغربية أو نموذج مغربي للحكامة الترابية، الذي فرضته ظروف داخلية نجملها في تطور و نضج التجربة المغربية في التدبير المحلي للشأن العام إلى حد ما و ظروف خارجية أكبرها إكراه قضية الوحدة الترابية للمملكة بما تمليه من حتمية إبداع نموذج يخرج المنطقة من حالة اللاحرب و اللاسلم،



التطور السريع و المتصارع للأحداث جعل عاهل البلاد يلتقط الإشارة بالسرعة المطلوبة ويدمج هذا بذاك و يتجاوب مع نداءات الشباب و يتعامل بموضوعية مع مطالب الصدق التي صدحت بها أصوات شابات و شباب المغرب عكس بعض النخب السياسية التي تراوحت مواقفها بين الانتهازية و محاولة الركوب على أحلام الشباب و بين القذف و التشهير و تخوين الشباب و نعته بالعمالة، كما كان منهم من حاول اقتناص اللحظة الخطأ ليستصدر صك حسن السلوك المخزني و لا أدل على ذلك من ما وقع بين قادة حزب العدالة و التنمية.



في هذه الأجواء ولد خطاب 9 مارس 2011 و الذي إذا ما أحسنت النوايا و استوعبت اللجنة المكلفة قوة اللحظة و ذهبية الفرصة و حجم انتظارات المغاربة التي ترجمتها جرأة ملكية غير مسبوقة في تاريخ المغرب، نقول إذا ما استثمرت اللحظة سيكون يوم تاسع مارس 2011 هو يوم ميلاد الدولة العلوية الثانية و التي سيكتب التاريخ أن مؤسسها هو الملك محمد السادس، و لعل ما يدفع لهذا الاعتقاد هو كما سنورد مفاصل الخطاب الملكي الذي يمكن تقسيمه إلى ثلاث فقرات، الفقرة الأولى من سبع مرتكزات تهم التدبير المجالي و الثانية من سبع مرتكزات تهم سمات الدولة المنشودة و الثالثة من خمس مرتكزات تهم الثوابت التي يقوم عليها تعاقد الملك و الشعب و كأن قدر الأرقام هو الانسجام فالذين يطالبون بتعديل الدستور غالبا ما يتحدثون عن الفصل 19 و الخطاب الملكي تناول 19 مرتكزا دستوريا أجمعت مداخلات السياسيين و الأكاديميين و الشخصيات الدولية بعد الخطاب على أنه في حال تفعيل هذه المرتكزات سيكون الجميع مطمئن على مغرب و مغاربة الغد.



أ- المرتكزات السبع للجهة



1 – دسترة مؤسسة الجهة ضمن التوازن و التضامن:



مفهومي التوازن و التضامن في الخطاب الملكي يحيلان على إشكالية الموروث المجالي و الرصيد المادي و التنموي للجهات فالكل يعرف أن المغرب النافع و المغرب الغير النافع حقيقة ميدانية لم يخلقها الاستعمار فقط و لكن كرستها أيضا سنوات من الإهمال و الإقصاء لمناطق و جهات من المملكة و تكثيف من جهة أخرى للاستثمار و البنية التحتية لجهات أخرى ناهيك عن التركيز الذي عرفته بعض الجهات كالرباط التي تحتضن جل المؤسسات العلمية و البنية الإدارية و الدار البيضاء مثلا تحتضن مجمل البنية الاقتصادية المغربية مما يستلزم إعادة انتشار البنية الإنتاجية بالمملكة و منه إعادة توزيع المصادر الجماعية للحياة الكريمة.



2-الاقتراع العام المباشر أو الشرعية الشعبية:



كثيرا ما كانت الخلفية السياسية و الأمنية تتحكم في هذا الاختيار على اعتبار ا ن أي شخصية عامة تنتخب من طرف الجماهير ستكتسب نوعا من الشرعية الشعبية التي تزاحم شرعيات أخرى كان يراد لها أن تبقى وحدها في الساحة العامة و اليوم من خلال الملكية البرلمانية ذات الخصوصية المغربية ومن خلال تقرير اللجنة الاستشارية حول الجهوية يمكن التفريق إجمالا بين ثلاث مستويات من الشعبية: محلية ترابية و إقليمية ثم جهوية لتبقى أهم قضية هي إلى أي حد ستجتهد الأحزاب و الهيئات و ما هي الوسائل و الظروف الواجب توفرها لإنتاج نخب محلية جادة مؤهلة و مسئولة تنبث هنا و تجتهد هنا و تبدع هنا و لا يكون قدرها أو حلمها يوما أن ترحل إلى المركز و هذه إحدى الإعاقات أو التحديات الكبرى التي تنتظر تنزيل الجهوية على اعتبار أن النخبة في كل المجالات تقريبا استقرت في محور القنيطرة الدار البيضاء لاعتبارات ذاتية و موضوعية فالإعلام لا يستهلك إلى الوجوه التي تدور في المحور المذكور و المناصب لا توزع إلا لمن هو هناك و القرارات تتخذ هناك و عموما الجهوية تعاني أولا مما أسميناه في مقال سابق بالجهوية النفسية المتمثلة في ثقافة المركز الذكي المقرر الفاهم المؤثر و الهامش الذي كان عليه أن يردد آمين و السلام.



3-رئيس الجهة آمر بالصرف:



هنا عقدة المنشار، لعلها من أجرأ القرارات و أصوبها و أكثرها تأثيرا في التدبير المحلي لشؤون السكان، المدركون لكيفية تصريف الأموال المحلية و الأحزاب السياسية و هيئات المجتمع المدني توحدوا حول اقتراح نزع الأمر بالصرف من يد العمال و الولاة و منحه إلى رؤساء المجالس الإقليمية و رؤساء الجهات لاعتبارين الأول انه لا معنى للعملية الانتخابية إذا لم يكن هذا الذي ستفرزه صناديق الاقتراع يملك الصلاحية و السلطة المالية على الأقل، ففي النموذج المعمول به الآن يبقى المجلس الإقليمي و المجلس الجهوي يعيشان تحت رحمة العمال و الولاة .



بل أكثر من هذا تعتبر المجالس المحلية أكثر إغراءا لأنها تمنح سلطة الأمر بالصرف و لو تحت رحمة الوصاية القبلية للعمال و الولاة، الأمر الذي يستلزم في نظام الجهوية الموسعة تجاوزه لصالح الرقابة القضائية و الرقابة البعدية المتمثلة في المجالس الجهوية للحسابات كما أن تفعيل مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات الحكامة من شأنه أن يجعل رقابة المال العام شأنا من جهة مؤسساتيا و من جهة أخرى شعبيا.



4- دسترة التمييز الإيجابي للمرأة:



من خلال التقرير الذي أصدرته اللجنة الاستشارية للجهوية و الدراسات الملحقة يتضح استحالة الإقلاع السياسي السليم دون إبداع أدوات دستورية تجعل المرأة تشارك في الورش الديمقراطي و بالنظر إلى البنية الذكورة الاحتكارية التقليدية لحرفة تدبير الشأن العام يتضح و من خلال التجارب الانتخابية السابقة أنه لن يكون للمرأة وزن كبير تمثيليا في الجهات رغم أن الأمر لا يعود إلى نقص في الكفاءة أو التكوين أو النتائج بقدر ما يعود إلى العقلية الذكورية التي تستلزم تحطيم أبنية معرفية تقليدية لدى مكونات المجتمع و في انتظار ذلك لابد لمغرب اللحظة أن يفرز امتيازا دستوريا يعطي للمرأة حدا أدنى من التمثيلية في انتظار أن تتكفل الطبيعة السياسية بذلك.



5- مجلس المستشارين مجلس جهات:



الكل يجمع على أن السياق السياسي الذي ولد فيه هذا المجلس أصبح متجاوزا وهو ببساطة الخوف من خروج البرلمان من تحت السيطرة العددية و الضبط من خلال التعديل الدستوري ل 1996 و الذي جعل كل المقاعد بالغرفة الأولى يقترع بشأنها بالاقتراع العام المباشر و بالتالي خلق هذا المجلس ليكون صمام أمان لكل ما من شانه، و اليوم و الملك يختار أن يجعل من المغرب دولة مؤسسات واضحة تشتغل لأهداف واضحة لا يمكن لهذه المؤسسة إلا أن تختفي لتعوض بمؤسسة الجهات التي تتشكل من بين أعضاء مجالس الجهات و لتلعب دور تمثيل مصالح هذه الجهات مركزيا سواء على مستوى المراقبة أو التشريع.



6- الهيئات المهنية و النقابية تتحول إلى مؤسسات فاعلة:



في الدولة الديمقراطية المؤسساتية يكون للهيئات المهنية أهمية و دور فاعل من خلال الاقتراح و الاستشارة و تطوير الإجابات على القضايا التي تشغل بال أجهزة الدولة و المجتمع و منه يكون تحويل مكونات مجلس المستشارين الحالي إلى هيئات من جهة تحفظ المصالح ومن جهة أخرى تقدم المطلوب و لعل التخريجة الملكية المقترحة لمجلس المستشارين اكبر تجاوب مع المطالب الداعية بعدم جدوى مجلس الشيوخ المغربي الذي تتحدث الأرقام والمعطيات عن هزالة مساهمته في إنعاش الحياة التشريعية و السياسية عموما بالمغرب، وما خروج المجلس الاقتصادي و الاجتماعي لحيز الوجود قبيل الخطاب التاريخي لتعديل الدستور إلا اكبر دليل على أن مجلس المستشارين بالصيغة التقليدية قد استنفذ مبرر وجوده.



7-التوزيع الجديد والمنصف للاختصاصات و الإمكانات:



هدف أي إصلاح دستوري جاد في منتهاه لا يعدو أن يكون ضامنا لحياة كريمة للمواطن، و المرور إلى الحياة الكريمة ماديا و معنويا و حقوقيا يمر عبر تمكين الفاعل المحلي من الإمكانات و الاختصاصات المناسبة و المتناسبة ، و هنا يطرح سؤال هل سيخول الدستور المرتقب للجهات الإمكانات من اجل ممارسة اختصاصاتها في ظروف تحقق لها التنمية المنشودة، و هل تتنازل الدولة المركزية عن الأسلوب المتبع إلى الآن فيما يخص الوصاية على الإمكانات و على جزء من الوعاء الضريبي يساير حجم الإصلاح المرتقب.



إن من اكبر ما يعطل التنمية المحلية اليوم هو التداخل و البطء و التعقيد، التداخل في الاختصاص و البطء و التعقيد في المساطر كما أن نظام الوصاية القبلية و استئثار وزارة الداخلية بها عبر العمال و الولاة و كدا تضارب الاعتقاد بالأحقية في التصرف، مما يستلزم الوضوح الصارم في إعادة بناء الأدوات القانونية و الدستورية التي تعطي للانجاز السرعة و الفاعلية.



ب- المرتكزات السبع للدولة:



1- الهوية التعددية:



لطالما حملت فئات من الشعب المغربي مطالب فئوية تارة معقولة و تارة أخرى كانت مجرد مزايدات ليس إلا . من جهة أخرى يعترف الجميع أن التنوع حقيقة مغربية أعطته على مر التاريخ القوة و التفرد و لا غرابة في ذلك ما دام أن المغرب و بحكم موقعه الجغرافي في أقصى العالم العربي و الإسلامي كان ملاذا للبشر و الأفكار و الاتجاهات و الاجتهادات التي كان الشرق العربي يضيق بها و هو بموقعه في الضفة الجنوبية للأندلس كان ملاذا لليهود و المسلمين و غيرهم من النازحين من اسبانيا وهو بموقعه في شمال إفريقيا كان موطنا للأفارقة و هو بتاريخه القبل إسلامي أرضا للأمازيغ الذين من الأكيد لم يدخلوه عن طريق الحبشة و مصر كما كان يقول درس التاريخ المزور. هذا الخليط الديني و العرقي و الثقافي لا يمكن إلا أن يكون دستوريا لحفظه و تثمينه من جهة ولقطع الطريق عن كل استغلال تجاري لمفهوم الهوية، وإقرار أعلى سلطة في البلاد بضرورة دسترة الهوية المغربية التعددية الغنية بروافدها سيجعل الذين كانوا يحترفون تسويق صور الاضطهاد والأقلية و ما إلى ذلك من أدوات الابتزاز من اجل أهداف و مقاصد غير وطنية في حالة إفلاس كما سيجعل الذين كانوا يؤمنون أن المغرب ما كان غنيا و عريقا إلا لأنه متعدد محتضن منسجم توحده الثوابت و تغنيه الروافد، و منه ستكون دسترة التعددية اللسانية و الثقافية مع الإقرار الصريح بملكيتها للمغاربة كل المغاربة حسما نهائيا في هوية دولة تمتد إلى آلاف السنين و ليس إلى ألف ومائتي سنة، وبذلك تكون الدولة قد تصالحت مع تاريخ شعبها.



2- الدولة المؤسساتية:



من أهم التوصيات التي وضعتها هيئة الإنصاف و المصالحة هي المرور إلى دولة المؤسسات و فصل السلط و بناء علاقات مؤسساتية بما يعني القطع التاريخي مع التقنقراط في المناصب الوزارية ففي الديمقراطيات عندما تكون هناك كفاءة تطمح إلى لعب دور سياسي لابد أن تمر من بوابة الأحزاب،



3-القضاء المستقل:



حضي قطاع القضاء بكثير من الخطب الملكية و كان آخرها وصفا دقيقا لحالة قضاء يفتقد لكثير من الاستقلالية و دعوة إلى الانكباب على تطويره وتحديثه و تيسيره، غير أن هذا لن يتحقق إلا عبر المسلك الدستوري الذي يجعل وزير العدل الذي يأتي من الانتخابات ليس هو رئيس القضاة و ليس هو من يملك سلطة العصا و الجزرة في حق القضاة و أخذا بتجارب من سبقونا بالإيمان بان مؤسسة قضائية قوية تساوي دولة قوية، ومنه يكون المجلس الأعلى للقضاة هو الفاعل الأساس مع التنصيص الصريح دستوريا على صيغة تشكيله و حدود تدخله و ضمانات ممارسة مهامه.



4-المؤسسات الحديثة:



هيئة البرلمان الحالي وأنت تتابع جلسات الأربعاء تثير السخرية و تدفع إلى التنكيت، فالصورة التي يروجها المواطن عن البرلمان أنه مكان للنوم الهادئ و أحيانا للصراخ و استعراض المهارات اللغوية طبعا عندما يكون النقل مباشرا.



هذه الصورة لابد أن تختفي في مغرب الدستور الجديد، الصورة لابد أن تكون فيها المراقبة الجادة للحكومة و الاقتراح المجتهد للقانون و التمثيلية الفعلية للمواطن لا مجالا لحيازة حصانة تقي من قر وحر الظروف.



أما الحكومة فلا يمكن أن يقبل مواطن من وزير أول سماع أغنية عباس الفاسي أن برنامج حكومتي هو برنامج سيدنا، الحكومة مسئولة أمام الشعب و الملك، وهي بذلك تحتاج إلى الشكل الدستوري الذي يؤهلها لذلك لا أن يظل المجلس الحكومي كل خميس مناسبة للدردشة. الخطاب الملكي كان صريحا في ذلك وهو يجعل من تحديد اختصاصات مجلس الحكومة احد مرتكزات الإصلاح، كما انه لا يمكن إلا أن يكون الوزير الأول هو رئيس الموظفين السامين مع الإقرار بشفافية التباري على المناصب و الإعلان عنها و تحديد مساطر الاختيار كما هو معمول به على الأقل في مناصب عمداء الكليات.



5-الأحزاب القوية:



الأحزاب لا تكون قوية بسن مكاتبها السياسية و لا بشرعية تاريخية مشكوك في أمرها لزعمائها، ولكن قوة الأحزاب ترتكز على بعدين، الأول داخلي و هو الديمقراطية الداخلية و إدماج النخب و الكفاءات من اجل تطوير و إبداع البرامج و المواقف، و الثاني هو رفع مستوى الطموح السياسي بالبلد ليصبح فعلا أداة محفزة للانخراط في العمل السياسي المباشر و القانوني فجزء من العبث السياسي الموروث من العهد القديم راجع في اعتقادنا إلى عدم جدوى السياسة التي تؤدي في أحسن الأحوال إلى وزير أول لا برنامج و لا قوة له إلا بالملك، و منه يكون التنصيص الدستوري الواضح و الغير المتلاعب بالعبارات الحمالة أوجه احد مرتكزات الدولة الديمقراطية القائمة على التنافسية و الشفافية السياسية.



6-تخليق الحياة العامة:



كم من الملفات حول أموال خيالية سرقت من المال العام، وكم من المسئولين ينامون مطمئنين و ملفاتهم تلطخ صفحات الجرائد بسبب نهبهم لخيرات المغرب دون موجب حق، السبب هو غياب أو في أحسن الأحوال تعقد مساطر المتابعة و أدوات الرقابة أو في حالات أخرى عدم تفعيلها.



الخطاب الملكي أراد التأسيس الدستوري لثنائية لا منصب دون كفاءة و لا مسؤولية دون رقابة، و هذا الأمر لا يمكن أن يمر إلا عبر التنصيص الصريح على أن المناصب مرتبطة بالكفاءة و المنافسة العلنية،لا بأسماء عائلية أو بعلاقات سياسية رخيصة، فكيف يعقل أن يكون الكاتب العام لوزارة من أضخم الوزارات لا يتجاوز سنه الخامسة و العشرون وتكوينه ابسط من ابسط موظف في ديوانه، هذه هي الأسئلة التي تشغل المغاربة و تستفزهم و تدفع بعضهم للعنف و التطرف و السلبية، ببساطة لأنه لا يجد جدوى في سلك الطريق السليم لأنه حتما لا يؤدي إلا إلى البطالة و “حريق الراس”.



7- دسترة الفعل الحقوقي:



توصية من توصيات الإنصاف و المصالحة وهي إحدى الأدوات الدستورية الضامنة أولا لعدم الإفلات من المتابعة و ثانيا لتمكين الهيئات الحقوقية و المدنية من ممارسة دورها المجتمعي كاملا و في ظروف سليمة تمنحها الحق في الولوج إلى الملفات و المعلومات و ثانيا في تحريك المتابعات و ضمان الرفع من التزام مؤسسات الدولة خاصة ذات الطبيعة الأمنية،



ج- الثوابت الخمس للبيعة



1-الإسلام:
هذا الثابت يجعل المغرب دولة تقوم على اختيار واضح اجمع عليه المغاربة منذ الدولة الادريسية بما يقطع مع دعوات دولة علمانية من جهة و من جهة أخرى مع الذين يريدون للمغرب أن يكون دولة دينية يقوم فيها الفقيه بأخذ التعاليم مباشرة من السماء و ما على الرعايا إلا المباركة و الركوع، و المغرب ما كانت قوته تاريخيا إلا في احتضانه كما اشرنا سلفا لمعظم الحركات و الاجتهادات الدينية التي ضاق بها الشرق و ما المولى إدريس إلا مثالا على ذلك و منه تجمع الدراسات على الحركية الدينية والفكرية التي تعرض لها المغرب بين مذاهب و مدارس الإسلام و بين اليهودية و المسيحية من و في الأندلس لأكبر دليل على أن هذا البلد لا يمكن إلا أن يكون غير علماني.



2-إمارة المؤمنين:



إمارة المؤمنين هي الضمانة الأساسية لحرية الاعتقاد و استقرار الحياة و الحسم عندما تختلف الآراء و تتضارب المصالح و تضيق القراءات، لكن تبقى الأسئلة التي تطرح في السر و العلن هل إمارة المؤمنين هي إلغاء للديمقراطية و المشاركة في التدبير باعتبار هذا الخطاب يجعل أمير المؤمنين يستمد سلطته من الله أم أن إمارة المؤمنين هي آلية تاريخية دأب المغاربة عليها كضامن للاستقرار و الحرية و الاختلاف، و في اعتقادنا نظام البيعة هذا و الذي سماه الخطاب الملكي الميثاق الجديد بين العرش و الشعب يجعل النموذج المغربي متفردا في العالم الإسلامي فهو من جهة يستثمر الرصيد و الشرعية التاريخية و من جهة أخرى يدمج التطور العالمي لأدوات الحكم.



3-النظام الملكي:



أهم الأوراش التي تنتظر اللجنة المكلفة بإصلاح الدستور هو تطوير النقاش و خلق إجابات دستورية عن حدود تدخل المؤسسة الملكية في السلطة التنفيذية ثم ابداع أدوات للمراقبة في هذه الحالة ما دام الخطاب الملكي يؤسس لربط أي ممارسة بالرقابة و المسؤولية وهذا من اعقد الملفات المطروحة للدراسة على اعتبار أن أكثر الملاحظات التي يوجهها الشارع المغربي هي كيف لنا أن نحاسب سلطة تنفيذية يرأسها الملك.



4-الوحدة الترابية:



الدستور الحالي و معه الآتي و كما كل دساتر العالم تنص على أن رئيس الدولة هو الضامن للوحدة الترابية، و المغرب من أكثر الدول الذي هددته و تهدده نزعة الانفصال لاعتبارات سياسية و تاريخية و منه لن تكون أي مؤسسة في المجتمع غير المؤسسة الملكية قادرة على حمل هذا العبء و لا يمكن لقضية الوحدة إلا أن تكون بند بيعة لمصيريتها و منه يكون تطوير الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية موضع تنصيص دستوري صريح يجعل المقترح المغربي أكثر واقعيتا و وضوحا للداخل و للعالم و للطرف الآخر، هذه الاختيارات لا يمكن إلا أن تكون موضع تعاقد بين الملك .



5- الديمقراطية:



الديمقراطية هي التلخيص الإجمالي للأركان الأربعة السابقة في نظام التعاقد الجديد بين الملك و الشعب و هي الوسيلة التي تحمي هذا التعاقد من سوء التفسير الذي قد يذهب إليه كل مشكك في حجم الإصلاحات و تاريخيتها و جدتها و جديتها و هي بذلك تنقل العلاقة بين المغاربة و ملكهم من رعايا صاحب الجلالة إلى مواطني صاحب الجلالة.



و عموما يبقى المدخل الوحيد إلى التنمية و الكرامة هو تفعيل الخطاب الملكي إلى نصوص دستورية حية و منه إلى نصوص قانونية واضحة و منه إلى دولة حديثة مبنية على التعاقد و الكفاءة و الإنتاجية و ما تجربة اسبانيا ببعيدة و يكفي أن نعود إلى كيف كان يعيش المواطن الأيبيري قبل دستور 1975 لنقارنه بما هو الآن كدليل على أن جو الحرية و الهواء النقي و دولة القانون تصنع المعجزات في الشعوب.



*إعلامي [email protected]


*خريج المعهد العالي للإعلام والاتصال

‫تعليقات الزوار

2
  • فيلسوف
    الأحد 13 مارس 2011 - 12:04

    الدينامية الحقيقية والإجرائية ! هي محاكمة كل رموز الفساد ! هذا هو التحدي الصعب الممتنع…!!!

  • MHA
    الأحد 13 مارس 2011 - 12:06

    c’est un très bon article d’un homme qui sait ce qu’il dit bravo

صوت وصورة
نداء أم ثكلى بالجديدة
الإثنين 25 يناير 2021 - 21:55

نداء أم ثكلى بالجديدة

صوت وصورة
منصة "بلادي فقلبي"
الإثنين 25 يناير 2021 - 20:45 1

منصة "بلادي فقلبي"

صوت وصورة
ورشة صناعة آلة القانون
الإثنين 25 يناير 2021 - 19:39 2

ورشة صناعة آلة القانون

صوت وصورة
انطلاق عملية  توزيع اللقاح
الإثنين 25 يناير 2021 - 17:02 19

انطلاق عملية توزيع اللقاح

صوت وصورة
الإخوة زعيتر يساعدون تبقريت
الإثنين 25 يناير 2021 - 10:31 20

الإخوة زعيتر يساعدون تبقريت

صوت وصورة
تخريب سيارات بالدار البيضاء
الإثنين 25 يناير 2021 - 10:05 35

تخريب سيارات بالدار البيضاء