"الزين" هرب

"الزين"  هرب
الأربعاء 25 يوليوز 2012 - 10:33

علينا أن نخطط للحرية والأمن معاالفيلسوف النمساوي كارل بوبر

يمكن أن تتكرر واقعة هروب زين العابدين بنعلي، في أكثر من بلد، كما يمكن أن يتكرر معها مشهد خروج المواطن التونسي، صائحا في حالة تشبه الهستيريا “بنعلي هرب، المجرم هرب، تحيا تونس حرة، يا تْوانسة يا اللي عذبوكم يا اللي قهروكم، يحيا شعب تونس، المجد للشهداء..”.

كما يمكن لمثل هذه الواقعة، أن تتكرر في مدن صغيرة في حجم مدينة سيدي سليمان، ومن ذلك هروب بعض “رجال” الأمن من دوائرهم الأمنية إلى دوائر أخرى “آمنة”.

قد يبدو تشبيه هروب رئيس دولة في حجم تونس، بهروب “رجل” أمن في كوميسارية بمدينة صغيرة، من قبيل المبالغة، إلا أن ذلك يزول إذا عرفنا أن زين العابدين بنعلي نقل تونس من دولة إلى كوميسارية كبيرة، وبدورها حولتها زوجته إلى صالون حلاقة كبير.

وتتلاشى الغرابة في هذا التشبيه، إذا عرفنا أن السبب المباشر في فرار بنعلي، يعود بالدرجة الأولى إلى تهور البوليس وإمعانه في ملاحقة المتظاهرين “زنقة، زنقة، وبيت، بيت”، والفتك بهم دون رحمة، بمعنى أن الذي أثار حفيظة التونسيين هو القمع الذي لقيه المحتجون منذ إضرام البوعزيزي-رحمه الله- النار في ذاته.

لا أخفيكم بأنني عندما سمعت بخبر انتقال مسؤول أمني من سيدي سليمان إلى مدينة أخرى، بعدما قضى حوالي ستة عشر سنة في “الخدمة”، استغربت من ذلك، لأنني أعرف أن معظم موظفي الإدارة العمومية يرفضون الرحيل عنها إلا بعد إحالتهم على التقاعد.

ولا أعرف كيف تسللت إلى نفسي، فرضية ماكرة، تنتظر بحرقة الجواب على أسئلة من قبيل “لماذا يطلب موظف عمومي الانتقال في هذه الفترة بالذات؟”، “هل تعب من كثرة العمل المضني في مدينة تسود فيها الفوضى؟ أم هو مجرد “تبدال المنازل” وتغيير “العتبة”؟.

هناك نظرية في الإدارة العمومية تقول بأن الهروب يأخذ عدة أشكال، من بينها طلب الانتقال، فضلا عن “التنقيل” الذي يأخذ شكل عقوبة تنفذها الإدارة من أجل إبعاد بعض موظفيها عن المناطق التي “عْطات فيها ريحتهم”.

وبعودة سريعة إلى أحداث شهر غشت من السنة الماضية، حلت لجنة من الإدارة العامة للأمن الوطني بالرّباط، للنظر في قضية شاب سليماني في ملف “مفبرك” يتعلق بالأسلاك الكهربائية، عقب توجيه المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، لطلب فتح تحقيق إلى وزيري العدل والداخلية والمدير العام للأمن الوطني بخصوص ما تعرض له الشاب المذكور من تعذيب عن طريق تعصيب العينين والتهديد بالصعق الكهربائي في أطراف حساسة من جسمه، وذلك لإرغامه على الاعتراف بالتهمة التي وُجهت إليه، حيث أكدت أسرة المعني بالأمر للصحافة حينئذ، بأن القضية من أولها مفبركة ولا علاقة لابنها بها، وهو ما أكده باقي المتهمين في أقوالهم أمام المحكمة، وهذه واحدة من بين مجموعة من القضايا التي يتعرض فيها المواطنون لشتى أنواع الإهانة داخل مخافر الشرطة، للضغط عليهم من أجل توقيع محاضر تصريحاتهم، والزج بهم في قضايا لا علاقة لهم بها.

إن ما قامت به مصالح الأمن الوطني بسيدي سليمان، في غشت الماضي تعبير على فشلها في إلقاء القبض على المجرمين الحقيقيين وتوفير الأمن للمواطنين، وكذا للممتلكات العامة بالمنطقة، سيما أن كوميسارية المدينة أصبحت محط انتقاد منذ مدة من طرف الحقوقيين والغيورين على كرامة الإنسان.

فهل يحق لنا، على هامش الانتقالات التي شملت بعض الموظفين في المدينة، طرح سؤال من قبيل “هل حان موسم هروب الذين أساؤوا للمدينة؟”، سيما بعد تنصيص الدستور الجديد على ربط المسؤولية بالمحاسبة، وأحتفظ بالجواب لنفسي، مخافة أن يتابعني أحدهم بتهمة إهانة موظف أثناء مزاولته لهواية الهروب.

لكن لا أقدر على إخفاء دعوتي إلى محاسبة هؤلاء الذين اختاروا أو اضطروا للانتقال إلى مدن أخرى، والتحقيق معهم على الفترة التي قضوها في المدينة، ومطالبتهم بالتصريح بممتلكاتهم، قبل دخولهم وبعد خروجهم من “سلايمن سيتي”.

وهي مناسبة للحديث عن باريس الصغرى، التي رغم تحويلها إلى عمالة لا زالت تعاني من “العرارم” ديال المشاكل، والمسؤول عن السلطة الإقليمية منذ تعيينه، وهو منشغل بالتسييج، ابتداء من تسييج مقر عمالة إقليم سيدي سليمان الذي كان في الأصل مقر المجلس البلدي، وتسييج صهريج الماء، الموجود بالحديقة المقابلة للمقر المذكور التي تم تدميرها (الحديقة طبعا)، هذا الصهريج الذي صار مرتعا للضفادع السمينة التي تعيش مثل نظيراتها في مسبح بالمدينة ليس له من “الأولمبي” إلا الإسم.

ليس العامل وحده من احتل المقر القديم للبلدية، في مثال صارخ على العلاقة الفوقية بين سلطة الوصاية، و”الهيئة المنتخبة”، بل نفس العملية قامت بها نيابة وزارة التربية الوطنية التي نفذت عملية “سطو” عن سبق إصرار وترصد على مؤسسة تعليمية في مدخل المدينة تسمى مدرسة الساقية الحمراء، تعتبر من معالم المدينة بقيمتها التاريخية والرمزية.

هذه النيابة وباقي المصالح الخارجية، فضلا عن العمالة، باتت مؤسسات فارغة تضم جيشا عرمرما من الموظفين، في الوقت الذي تم فيه تهميش أبناء المدينة.

يظل الاحتلال عنوان هذه المدينة، فالمقاهي هي الأخرى، تحتل الأرصفة وترمي بالراجلين إلى الشارع، مقاهي تنبت في كل مكان كالطحالب، بين مقهى ومقهى توجد مقهى، مقاهي مخصصة للعب “التيرسي”، وأخرى لمتابعة مباريات “البارصا والريال”، وثالثة بعيدة عن أعين المتلصصين مخصصة للعشاق.

ونحن نسرد أحوال المدينة وأوحالها، قد يكون مناسبا بحلول شهر رمضان الفضيل، الحديث عن المسجد العتيق الذي لا زال مقفلا إلى الآن، والمجلس العلمي ومندوبية الأوقاف، يضعان أذنا من طين وأخرى من عجين، دون أي التفاتة لمساجد لها تاريخ مثل هذا المسجد الذي سمي حي بأكلمه باسمه حي المسجد أو حومة الجامع، كما يحب أن يناديه أبناء “سلايمن سيتي” .

أما الصحة بالمدينة، فتعيش في قسم المستعجلات، وهناك أكثر من سبب يدفع الحسين الوردي وزير الصحة، للالتفات إلى المدينة، وإيفاد لجنة للتفتيش وافتحاص المستشفى الإقليمي، وتجديد الدماء فيه، وزعزعة مسؤول صحي، عمر أكثر من اللزوم، مدعيا بأنه مسنود بشخصية حزبية لها نفوذ في إقليم الغرب قاطبة.

أما التجارة، فبدأت تشكو من الكساد بسبب “نزول” سوق ممتاز بالمدينة، عرف يوم افتتاحه فوضى عارمة، وشببهه صديقاي محمد وسعيد بالموسم، والعُقبى لافتتاح فرع جديد لماكدونالد بالمدينة، ومشاريع تجارية أخرى، وفندق ثلاثة نجوم قرب مقر الدرك الملكي بشارع الحسن الثاني بالمدينة، فيما يشبه “العكر على الخنونة” بينما المدينة تحتاج إلى من يتعامل مع ساكنتها بكرامة.

سيدي سليمان، مثل الأقرع أينما ضربته يسيل دمه، يصدق عليها قول ابنها البار المرحوم عبد القادر نجم برنامج “كوميديا” سنة 2010 “كُولْشي.. فسلايمن سيتي..تيتي نيني”، المغرب يتحرك وتبقى هي مدينة راكدة، تنتظر من حين لآخر أن يعلن بعض الموظفين فيها هروبهم..هذا الهروب الذي لن ينفع “البانضية” لأن لعنة الظلم ستلاحقهم في أي مكان.

[email protected]

‫تعليقات الزوار

9
  • يك انتيا من سيدي سليمان
    الأربعاء 25 يوليوز 2012 - 11:48

    السلام عليكم السّ الهيثمى
    انتايا من سيدي سليمان ياك، العنوان سحبنى وشدنى للقراءه والموضوع ضارب فى المحليه، يا سى حسن متل هدي الامور اصبحت عاديه، العكس ها دول موضفيين خيريين مشى بحال الكى يبعوا الملك العمومى او يمررة الى ديك الطبقه المضوضه

  • شحرور السليماني
    الأربعاء 25 يوليوز 2012 - 15:16

    مقال وضع الاصبع على مكامن الخلل وفتح الجرح من جديد ..فعلا مدينة سيدي سليمان تحتاج لالتفاتة قصوى من المسؤولين عن المصالح الخارجية بدءا من السيد وزير الداخلية الذي عليه ان ياتي لمدينة على عجل ليرى مندوب الحكومة السيد العامل الذي لم نسمع له خبرا منذ مدة وقريبا سوف يبحث عنه في برنامج مختفون دون ان نغفل شيئا مهما قليل من ينتبه اليه ويتعلق الامر بالدينصورات الامنية وعلى رأسهم العميد الاقليمي العربي رفيق والكومندار زهير والعميد الرامي …وهناك حديث في المدينة عن صفقات تتم بين رئيس قسم الشؤون الاقتصادية والتعاونية الاقليمية لمربي النحل مصادر تتحدث عن دعم بقيمة 95 مليون سنتيم ..أما دار الشباب فتستحق بالفعل لقب دار الموظفين الاشباح….ومركز الهلال الاحمر الذي لا احد يريد الحديث عن المغامرات التي تقع داخله واخيرا وليس اخرا جمعية الخيرية الاسلامية ورئيسها الذي طالته اكثر من شكاية …ربما المدينة نائمة لكنها ليست ميتة فيوما ما سوف تنفجر الاوضاع وعقلوا على هاد الكلام

  • خنينة الحقوقي
    الأربعاء 25 يوليوز 2012 - 15:43

    أولا شكرا على المقال الرائع والموضوعي وهنا لابد من اثارة الانتباه الى شيئ مهم ساهم في استفحال وضعية المدينة المزرية الا وهو غياب مجتمع مدني حقيقي وايضا وجود بعض الصحفيين الذين يمجدون ويسبحون بحمد السيد العامل ودخلوا في صفقات مع رجال الامن يعني التبزنيز الصحفي المغلف في قالب الحقوقي هو من زاد الطين بلة فالاعلام سلطة قوية بامكانها فضح كل التجاوزات مرة اخرى شكرا لصاحب المقال

  • محمد
    الأربعاء 25 يوليوز 2012 - 17:30

    اشاطرك الراي اخي حسن فمدينة سيدي سليمان اصبحت في خبر كان ;مدينة تفتقد
    لابسط شروط الحياة الكريمة رغم توفرها على امكانيات طبيعية و بشرية مهمة.
    مدينة ملاذ كل الانتهازيين من رجال السياسة الى رجال الامن
    خربوها خربهم الله في هذا الشهر العظيم
    واصل اخي حسن

  • لخضر "سلايمن سيتي"
    الخميس 26 يوليوز 2012 - 03:11

    تحية إلى الأخ حسن، لقد أفلحت في التعبير عن هموم ومشاكل المدينة المهمشة، بالرغم من كونها أصبحت "عمالة" إلا أن الأوضاع لاتزال على حالها، فبالإضافة لما ذكرت لاوجود لمشاريع تشغيل أبناء المدينة، ولا وجود لمرافق ثقافية غير تلك الخزانة البلدية الوحيدة والبئيسة، ولا وجود لمرافق ترفيهية…هناك فقط التنافس في انتشار المقاهي لاحتضان الجالسين وأصحاب "تيتي نيني"، وثالثة الأثافي "آش خاصك آلعريان خاصني سوق لابيل في"، وبالنظر لدهشة واستغراب السليمانيين لمثل هذه المناظر خلق السوق الحداثي أزمة مرور واختناق…فهل يا يا ترى ينتبه المسؤولون لهذه الأوضاع أم لابد من الهروب أو المحاسبة؟…

  • أبي أيوب
    الخميس 26 يوليوز 2012 - 13:07

    أنت محق فالمدينة تعيش فتنة الهرج والمرج، الفوضى تنتشر بسرعة الضوء، فأنا أحد أبناء هذه المدينة أتذكر أني قبل 20 سنة إذا سافرت إلى مدينة ما ففي رمشة عين أرجع إلى مدينتي لأنها ولافة جدا كما يقول أهلها ، و أنا الآن أغادرها ليس هربا ولكن لظروف العمل وصدقوني لولا العائلة و أصدقائي الطيبين لما عدت لها غير آسفا، فمن أراد أن يتعلم(يكتشف) في 6 أيام السبان والقمار والسرقة والجلوس في المقاهي الفوضوية فليزر مدينتي، والمسؤولون هناك ؟؟؟

  • سليماني مقهور
    الخميس 26 يوليوز 2012 - 19:49

    كتب لهاته المدينة المسكينة ان يتسلط عليها مسؤولون لا يتقون الله في المواطنين واخرهم عامل اقليم سيج العمالة وحصن البناية ورقد في نوم عميق عامل كل همه الهدوء ولتذهب المدينة الى الجحيم وفي نفس عمالته يوجد رئيس قسم الشؤوون الاقتصادية الحنفي الذي يذهب بسيارة الجماعة الى القنيطرة ويستفيد من كازوال الدولة ذهابا ايابا
    العميد الاقليمي العربي رفيق اصبح اغنى شخص في المدينة ومعه الكومندار
    رئيسة القسم الصحي هي عاملة نظافة عينها الحمداني رئيسة القسم رغم انف الجميع والعامل ناعس
    العامل نقول لك تقاد او خوي البلاد

  • Slimanienne
    الجمعة 27 يوليوز 2012 - 09:53

    Oh Petit paris comme on nommait Sidi Slimane!!. Qu'est ce qui reste de ce nom?
    Sidi slimane est source de genies qui ont pu atteindre des hauts niveaux d'education malgre les
    conditions penibles qui regnent dans la ville.
    La region a tant de richesse, malehureusemet elle se noit dans la pauvrete, les dechets et les "hfari qu'on trouve partout. Toutes les villes du royaume ont connu des changements et se sont ameliorees au moins au niveau de l'hygiene sauf sidi Slimane; elle est et restera toujours poussiereuse, haride, et sale parceque on'a pas des responsables qui sont honnetes et travaillent sans corruption et sans penser a leurs propres interets allant du plus petit employe du Mokataa jusqu'a la grosse tete. Quel dommage!!! Quand je vois comment les gens a l'occident travaillent jour et nuit pour construire et maintenir la proprete et le progres de leur pays, , je me sens deprimee et je sens quelque chose qui brule dans mon coeur "lhorga et lhogra

  • orongena
    الجمعة 10 غشت 2012 - 06:23

    صحيح منذ قدوم العامل وهذه المدينة تعاني

صوت وصورة
قرار نقابة أرباب الحمامات
الأربعاء 20 يناير 2021 - 17:40

قرار نقابة أرباب الحمامات

صوت وصورة
معاناة نساء دوار قصيبة
الأربعاء 20 يناير 2021 - 16:40

معاناة نساء دوار قصيبة

صوت وصورة
مطالب بفتح محطة ولاد زيان
الأربعاء 20 يناير 2021 - 15:33 6

مطالب بفتح محطة ولاد زيان

صوت وصورة
منع احتجاج موظفي التعليم
الأربعاء 20 يناير 2021 - 13:32

منع احتجاج موظفي التعليم

صوت وصورة
أسر تناشد الملك محمد السادس
الأربعاء 20 يناير 2021 - 10:59 5

أسر تناشد الملك محمد السادس

صوت وصورة
"قرية دافئة" لإيواء المشردين
الثلاثاء 19 يناير 2021 - 22:30 5

"قرية دافئة" لإيواء المشردين