السياسة الاجتماعية بالمغرب بين الوهم والحقيقة

السياسة الاجتماعية بالمغرب بين الوهم والحقيقة
الثلاثاء 12 يناير 2010 - 15:53

لا تخطئ عين الباحث والمهتم وجود وتناسل العديد من المؤسسات الاجتماعية؛ فبين سنة 2000 و2009 ظهرت على الأقل أربع مبادرات اجتماعية تؤسس للاجتماعي في المجتمع المغربي، ونذكر من هذه المؤسسات، وكالة التنمية الاجتماعية ADS، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومؤسسة محمد الخامس للتضامن. فإذا كانت المؤسستين الأوليتين تابعتين للقطاع الحكومي، فإن المؤسستين الأخيرتين محسوبتان على مؤسسة القصر ولكل مؤسسة اشتغال ما تنكب عليه؛ فالأولى تركز على دعم مشاريع الجمعيات والتعاونيات المهتمة بالفئات الهشة من المجتمع، فيما تركز الثانية على رصد وتقييم الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وتقديم الاستشارة والأفكار المتعلقة بهذا القطاع، أما المبادرتين الملكيتين، فلهما فلسفة أخرى تركز على التدخل المباشر لرتق تمزقات الجسد الاجتماعي، خصوصا لدى الفئات المهمشة، والهشة من الناحية الاقتصادية، والمقصية اجتماعية من برامج التنمية المختلفة.

إن المقاربات الاجتماعية التي يتم تصريفها بين الحين والآخر، بالرغم من الجانب المؤسسي لها وكدا أهميتها وجدواها، فإنها في الغالب لا تخضع لمنطق ما بقدر ما تكون خاضعة لرغبة في القيام بعمل يساهم بجانب المؤسسات الموجودة في الحد من تداعيات الهشاشة والإبعاد الاجتماعي لفئات يزداد عددها يوما بعد يوما، وتهدد الاستقرار والسلم الاجتماعي، وما اكتظاظ السجون، وإحداث مؤسسة مستقلة عن وزارة العدل تابعة للوزارة الأولى لتسيير سجون المملكة، إنما يدل على وجود خلل ما في هذا المجال خلل ناتج بالأساس عن الأعداد المتزايدة من رواد هذه المؤسسات من مجرمين أفرزهم الواقع المجتمعي المثخن بجروح سياسات لا اجتماعية كادت أن تؤدي مع بداية التسعينات إلى ما سماه الملك الراحل الحسن الثاني ب”السكتة القلبية“.

 ولمعالجة هكذا واقع يجب -في نظري- القيام قبل مباشرة أي عمل بتشخيص دقيق “للمغرب الاجتماعي“، تشخيص يدرس الأسباب، والعوامل والأعراض الناتجة عن سياسات غير مندمجة هي حصيلة تسيير البلاد، وتعاقب الحكومات على قطاع مهم تغيب عنه النظرة البعيدة، والعين الإستراتيجية، بقدر ما تحضر فيه قرارات آنية لمشكل آني، وردود أفعال على مستجدات ما لا تشكل إلا ذلك الجزء الصغير من الجبل الجليدي الذي يظهر فوق الماء؛ ذلك أن الاجتماعي يجب معالجته بمقاربة تاريخية تستحضر تجارب السنوات الخميس لما بعد الاستقلال، وبمقاربة تشاركية تشرك مختلف الفعاليات المعنية بهذا الورش الكبير، من مجتمع مدني، وخبراء، ومشتغلين في القطاع، وكل من سيقدم أفكارا نيرة للخروج من بالوعة الأزمة الاجتماعية.

وفي هذا الصدد يستوجب هكذا مبادرة، ترسخ قناعة أساسية بأن للدراسات السوسيولوجية والخبرة السوسيولوجية المغربية نصيب يمكن أن تقدمه في هذا الباب، عوض الاكتفاء في غالبية الأمر بحلول تقنية لخبراء تقنوقراط من وزارات مهمتها التنفيذ الجيد للمقاربات العلمية. فالجامعة المغربية تنتج قدرات تحليلية، ولها مختبرات متخصصة لا تستفيد منها الدولة للأسف، ولا تقدم لها الدعم، بل لا تدخلها حتى في إطار مشاوراتها لصياغة برنامج ما أو مشروع لها تداعيات مصيرية لكل أفراد المجتمع، وكأن الجامعة لا تنتج إلى معوقين أو أشباه معطلين، يجوبون شوارع محمد الخامس بالرباط. فالدولة تتجمل مسؤوليتها في تعطيل قدرات الجامعة، وعدم تسخيرها في الأبحاث الأمبيريقية المفيدة للجميع، والتي في جزء منها ستعيد للجامعة مكانتها كقطب للبحث العلمي، كما سيمكن هذا الإجراء من جهة أخرى الدولة من خبرات وكفاءات وطنية تغنينا عن الخبرة الغالية لمكاتب الدراسات الأجنبية.

   لقد حان الوقت للنظر إلى الاجتماعي Le social بنظرة مغايرة، تتجاوز اعتباره قطاعا غير منتج، ومكلف، بل يجب تغيير زاوية النظر، والانطلاق لتسوية المشاكل الاقتصادية، فلا يمكن الحديث عن “سياسة دولة” بالاقتصار على الجانب الدبلوماسي والاقتصادي، وتهميش الاجتماعي. إن الاجتماعي سيكون منتجا لو أن المقاربة تنظر إليه من زاوية ارتباطه العضوي بالاقتصادي، ارتباط يستفيد كل قطاع من الآخر، فإذا كان الاجتماعي قويا فهذا لا محالة سيؤثر ايجابيا على الاقتصادي، فرهانات تنمية مستديمة مرتبطة بجدلية التوازن بين الاجتماعي والاقتصادي، فصمام الأمان الحقيقي للمجتمع ليس هو الارتكان إلى سياسات أمنية تزيد من أعداد أفراد الجيش والدرك والشرطة، وتعلي أسوار السجون، وكل هذا يحتاج إلى ميزانية ضخمة لهذا القطاع تكون على حساب ما هو إجتماعي في المجتمع، فعوض خلق منصب شرطي جديد، علينا أن نتكفل بتغطية صحية جيدة لعامل قديم، والنتيجة هي الحد من الأزمات الاجتماعية، والأمراض الأمنية، والاكتفاء بعدد قليل من رجال الأمن يلبون حاجيات السكان المنشغلين بالعمل.

إن القطع مع الدولة الدركية، التي تخاف من المواطنين عوض أن تخاف عليهم، يقتضي استثمارا جديا في الجانب الاجتماعي، وأسطر على كلمة استثمار لأنني أعني أن الاستثمار الحقيقي يكون في الموارد البشرية، وليس في غيرها، وهذا لعيني هو لب فلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، أي الإنكباب على معالجة حاجيات المواطنين التي تكون في أغلبها ليست دائما اقتصادية، بل إن توفر الاجتماعي أو على الأقل الإحساس بوجود رعاية اجتماعية متكاملة كفيل بإنتاج مواطنين صالحين، منتجين، مساهمين في تنمية البلاد، تنمية ستكون عوائدها في صالح الجميع آمرين ومأمورين، ولربما هكذا تنمية ستجعل من بلادنا مرجعا لباقي دول العالم الثالث، ونموذجا لدولة الرعاية Etat de providence على الطراز الجنوبي نسبة إلى بلاد الجنوب.

‫تعليقات الزوار

3
  • abderrahman
    الثلاثاء 12 يناير 2010 - 15:59

    المشكل مشكل بينيوي شي شاد فشي والساس هو غياب الوازع الديني اي ضعف الايمان =السرقة +الرشوة+الخيانة(الخواض)الله يهدي ما خلق او صافي كلو امين

  • رانيا
    الثلاثاء 12 يناير 2010 - 15:55

    إن اختزال الدراسة الاجتماعية لظاهرة الفقر في المغرب علي وجه الخصوص في بعدها التحليلي ينقصها شيئا من قدرتها على التعبير عن الواقع لكن تبقى رغم ذلك محاولة محمودة.
    أما في ما يخص المحاولات الرسمية الرامية لخرق جدار الفقر في المغرب فتفتقر بدروها إلى عنصر أساسي هو انخراط المواطن ليس باعتباره القديم-المتجدد من الرعية و إنما باعتباره منتجاواعيا لواقعه
    إن المسلمة التي تفترض أن حتي المواطن الفاقد لكل أشكال التفكير العلمي له الحق في أن يتصور واعه بالشكل الذي يريدوليس لأحد حق الحجر عن هذا الحق إن هذه المسلمة غائبة في كل تلك المحاولات و بذلك لا تفقدها النجاعة فقط ولكن المشروعية أيضا
    هنا يظهر الدور المحوري للمؤسسة الاجتماعية الأكثر عجزا في المغرب إنها المدرسة.

صوت وصورة
الفرعون الأمازيغي شيشنق
الأحد 17 يناير 2021 - 22:38 24

الفرعون الأمازيغي شيشنق

صوت وصورة
وداعا "أبو الإعدام"
الأحد 17 يناير 2021 - 21:20 30

وداعا "أبو الإعدام"

صوت وصورة
قافلة إنسانية في الحوز
الأحد 17 يناير 2021 - 20:12 3

قافلة إنسانية في الحوز

صوت وصورة
مسن يشكو تداعيات المرض
الأحد 17 يناير 2021 - 18:59 13

مسن يشكو تداعيات المرض

صوت وصورة
الدرك يغلق طريق"مودج"
الأحد 17 يناير 2021 - 12:36 3

الدرك يغلق طريق"مودج"

صوت وصورة
إيواء أشخاص دون مأوى
الأحد 17 يناير 2021 - 10:30 8

إيواء أشخاص دون مأوى