السياسي الذي واريناه التراب

السياسي الذي واريناه التراب
الأربعاء 6 ماي 2020 - 17:10

« يتساءل الملاحظون: وراء ماذا يجري فلان ؟.. لا وجه للتساؤل: الوازع طبيعي، بل حيواني » عبد الله العروي

« بعض السياسيين كالقرود، إذا تخاصموا أفسدوا الزرع وإذا تصالحوا أكلوا المحصول » جورج أورويل

هل من ذرة شك لا تزال عالقة بالنفوس..؟ معظمنا يردد في السر والعلن: تعاني السياسة لدينا عطبا ناجما عن أعطاب السياسيين؛ نعم حياتنا السياسية مليئة بالفائضين عن اللزوم، لذلك يتسرب إليها العطب بسهولة ويسر بسبب هذا الفائض من الفائضين. وضع الأحداث في سياقها الصحيح يجعلنا لا نستغرب هذا التعبيد للطرق السيارة أمام ذوي الكفاءات المحدودة؛ ولو في زمن حكومة الكفاءات. وإذا كانت السياسة هي فن مجابهة المشكلات وحلها، فهل بيد هؤلاء الفائضين سوى أن يحلوها بالطريقة الخاطئة ؟

كان شوبنهاور يردد دوما بأن الغاية من اختراع السياسة في المجتمعات الحديثة إخفاء تلك الأنانية التي تثير قدرا هائلا من الرعبّ؛ وأيضا ذلك القدر الأعمى من الطمع الذي يتسرب إلى النفوس؛ لكن ما يتحصل لدينا هو مزيد من الانتهازية والوصولية والنفاق لدى من نسميهم النخب.. الشهوات تزين الرذائل والسياسة لدينا فريسة رغبات هذه النخب التي أفقدت المبادئ بداهتها؛ لا شيء يشعر المواطن المغربي اليوم بغم متصل ويأس متعاظم سوى اضطراب وتهافت الساسة الذي لا ينجح سوى في توسيع المسافة بين هذا المواطن وصناديق الاقتراع.

علينا ّأن نواجه أنفسنا في المرآة ونتقبل الحقيقة التي لا غبار عليها: لقد فشل مشروع التمثيل السياسي ببلادنا وانتهى بعد ستين سنة إلى باب مسدود؛ لأننا كما قال عبد الله العروي: فشلنا في تكوين نخبة سياسية واسعة تتأهل وتتجدد باستمرار؛ وتتحمل مسؤوليتها لمدة محدودة كعبء مكلف وبالتالي مؤقت. .. والإقرار بالفشل ليس تشاؤما لأن الفشل يتحول إلى نجاح إذا تعلمنا منه؛ ولكن التشاؤم الحقيقي أن نواصل كالعميان على نفس المسار الذي نعرف بأنه يقودنا إلى نفق بلا مخرج؛ بذلك نكون في وضع من يسمي ريائه فضيلة؛ ويظل جاهلا لأسمى ما فيه، بل ويمتنع حتى عن معرفته.. أليس هذا هو اليأس مجسدا ومعاشا ؟

لا غرابة أننا انتهينا بعد ستة عقود إلى وزراء لا يجدون أي حرج في التواطؤ في الخفاء لسن قانون ثم ينبرون لمهاجمته في العلن وكأنه طبخة عفاريت، ولا غرابة في أن محصلة حياتنا السياسية صيغة عجيبة لأمناء أحزاب سيرتهم تشبه كتاب الرمل لبورخيس الذي لا وجود فيه لأول أو آخر صفحة؛ ممثلون سياسيون لا قبل ولا بعد لهم خارج خط السياسة.. ولهذا أيضا انتهى تمثيلنا السياسي إلى تسييس الدين وكل ما ترتب عنه من نكوصية وتقوقع في عصر تغمره الموجة الثالثة للحضارة (الرقمية التي تطيح بالتاريخ والجغرافيا)..

يتحسر البعض قائلا: مات زعماء الأمس وانتهت أحزابهم الوطنية بموتهم إلى أفول؛ ولكن لا وجود لخاتمة بلا مقدمة، وكل حاضر هو في النهاية قطعة من الأمس: بدأ تمثيلنا السياسي مؤدلجا وانتهى في حضن التدين وفي كل الأحوال ظل محكوما بالعدمية.. بدأ بمنطق المبايعة وانتهى في حضن المصلحة الشخصية.. جرب كل الشموليات التي أبعدته عن روح الليبرالية ونسينا بأن كل عقيدة معادية للحريات لا تنفصل في النهاية عن الذهنية الميتافيزيقية- العدمية؛ ومن ثم تنتهي إلى إعادة إنتاج المجتمع بآلياته القديمة. يساريو الأمس هم إسلاميو اليوم، مثلما أن الوازع الذي كان وراء من أسسوا جبهة البارحة هو عينه ما يحرك يمين اليوم: المصلحة الشخصية.. الدافع في النهاية شخصي محض، والمآل: تكريس وإعادة إنتاج البنيات السائدة/ البائدة.

لقد رهن المغرب مستقبله على المشروع الديموقراطي، ولكن لا ديموقراطية بلا صفة تمثيلية؛ وبلا ممثلين سياسيين قادرين على بلورة تطلعات الدولة.. الممثلون السياسيون هم فاعلون اجتماعيون بالأساس وعندما يعارضون الطلبات المشروعة للمجتمع يقدون صفتهم التمثيلية وهذه أول خطوة لتقويض الحياة السياسية. الديموقراطية لا يمكن أن تزداد صلابة إلا مع تدعيم الحياة الاجتماعية؛ أما إذا تحولت الأحزاب إلى مجرد تحالف لمصالح ضيقة فإن الحياة السياسية سوف تضمر وتفسح المجال لما هو أخطر: الصراع الطبقي الذي يعني ببساطة مجتمعا ضعيفا يقف على صعيد صلابة هش وقابل لللتهاوي مع أول رجة. الأخطر من ذلك هو اختلال التوازن لفائدة تحالفات اجتماعية عشوائية وأحيانا فوضوية تجد في الوسائط الرقمية منصة لممارسة إثبات الذات؛ ومن ثم إشاعة قيم التيئيس الذي هو غير مطلوب بالمرة في الحركات الاجتماعية الهادفة التي تنتجها الديموقراطية. الذين فكروا في سن قانون تكميم الأفواه تناسوا بأنهم وقود هذه الأفواه وتمييع الحركات الاجتماعية في العالم الرقمي ليس سوى امتداد لتمييع الحياة السياسية في الواقع؛ هذه الأخيرة هي السبب أما الأولى فمجرد نتيجة.

نشتكي من رداءة الأعمال الفنية وضحالتها، نتباكى على أمجاد منتخب 86 وإنجازات ألعاب القوى الباهرة التي لم تتكرر؛ يصيبنا الأسى ونحن نعاين أفول الحياة العلمية والفكرية وهجرة الأدمغة؛ نتحسر على موت الجامعة المغربية؛ ولا نفتأ نتعجب من فشل وزارات الثقافة المتعاقبة في تخليق مؤسسات ثقافية منتجة ببلادنا؛ ونتناسى بأن مرد هذا القحط هو ضمور التمثيل السياسي.. الحياة السياسية أصل الداء وسبب هذا البوار.. أجل فعلاقة الفنون والرياضة والفكر والعلوم بالحياة السياسية أوثق وأعمق مما قد يتصوره البعض، لا وجود لاقتصاد قوي إلا ضمن دائرة الإنتاج والمردودية؛ وهل يتأتى ذلك ضمن تمثيل سياسي ينخره الريع، وتحركه المصلحة الشخصية ؟

جرب المغاربة اعتزال الحياة الحزبية حتى لا تفسد عليهم معيشهم؛ ولكنهم ودون أن ينتبهوا جعلوا الممثلين السياسيين يفسدون حياتهم؛ بشكل يكاد.. وأقول يكاد يفقدهم إنسانيتهم.

‫تعليقات الزوار

4
  • بوسلامة
    الأربعاء 6 ماي 2020 - 17:47

    شكراً على هذا الموضوع المفيد ونحتاجوه بزااف

  • زينون الرواقي
    الأربعاء 6 ماي 2020 - 19:17

    عندما ترى السياسي او زعيم الحزب يدخل السجن ويعتقل وينفى وتجده لا يتوجس من مخالطة الجماهير وليس كومبارس حزبه وسط الميادين وملاعب كرة القدم يلقي خطبه ويلهب حماس الجماهير دون خوف من اعتداء أو اجبار على الهرب .. عندها حتى وان كنت بعيداً عن السياسة وأوجاعها تتساءل وماذا اذا كان هذا الرجل ذَا مصداقية ويستحق الاحترام ؟ اختلف مع طرحه ربما لكنه رجل قريب من الشعب بعيد عن الجلاد .. يحضرني هنا لقاء شهده ملعب paix بالرباط بداية السبعينيات مع المرحوم عبد الرحيم بوعبيد ومع الأقطاب ( بنبركة ) في سينما الحمراء بحي العكاري الشعبي وأنا اتساءل أين زعماء اليوم من مثل هذه القامات ؟ كان وعي المواطن وأسلوبه في التحاور واختياراته وميوله الفنية والثقافية عموماً يعكس مستوى الممارسة السياسية بشكل عام وفي جوّ يتغذى من المسارات السياسية للزعماء بكل جوانبها المأساوية كاختطاف واغتيال الشهيد بنبركة مثلاً كان المواطن يثابر من حيث لا يدرك حتى لا يسقط وتسقط صورته في الاسفاف وانعدام الذوق والمساس بهيبة الرجولة .. كان عليه ان يبقى في مستوى العارضة يث نصبها الزعماء عالياً .. تجلى ذلك في كل مناحي الحياة ونتذكر الجماهير في ملاعب الكرة والمسارح ودور السينما وغيرها كيف كانت الانضباط والهندام والتحضر أشياء تلازم المواطن .. وكانت مسافات التوقير والاحترام تحفظ للرجل وقاره وللمرأة احترامها أما من يدورون في فلك المخزن فكأنهم قوم من كوكب آخر لا يخالطون العامة ولا يتكلمون وتلك حكاية أخرى … زعماء اليوم ان جازت تسميتهم كذلك يرتاحون في احضان السلطة أكثر منهم وسط الجماهير هذا ان كانت لأحدهم الجرأة على مخالطتها في معاقلها دون تواجد فيالق من القوة العمومية ..

  • العطب في عقول ...
    الأربعاء 6 ماي 2020 - 20:12

    … الفئات المتعلمة التي باعدت بينها الايديولوجيات المختلفة المتصارعة دوليا.
    الحماية ربطت المغرب بمحيطه الدولي سنة 1912 وكان ذلك المحيط آنذاك ليبيراليا رأسمالي.
    وبعد إلغاء معاهدة الحماية سنة 1956 اراد حزب الاستقلال ربط تعريب المغرب وربطه بالمشرق كما كان قبل الحماية.
    ثم انفصل عنه الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي اراد منظروه الاشتراكيون الارتباط بالمعسكر السوفياتي.
    الدولة المخزنية فرضت استمرار التعاون مع التحالف الليبيرالي الغربي. ولتحقيق هدفها كانت في حاجة الى أحزاب موالية تواجه أحزاب الايديولوجيات ، وهكذا تأسست الجبهة ثم الاحرار الخ.
    تفكك المعسكر السوفياتي وانهارت الاشتراكية فربحت الدولة المخزنية الرهان.

  • bat man
    الأربعاء 6 ماي 2020 - 20:28

    ليس في العالم العربي أحزاب سياسية تثلج الصدر أو في المستوى الأدنى للتعريف السياسي كما تنص عليه المواثيق الدولية هناك مثل معروف يقول قبطانين في السفينة تغرق فالحاكم يقود السفينة و السياسيين يريدون بحكم صفتهم قيادتها لهذا السبب غرقت سفن دول عربية كثيرة وما بقي منها في طريقه للغرق فلا تتعبوا أنفسكم بكثرة التسائلات والتحاليل وشكرا

صوت وصورة
أوزون تدعم مواهب العمّال
الإثنين 19 أبريل 2021 - 07:59

أوزون تدعم مواهب العمّال

صوت وصورة
بدون تعليك: المغاربة والأقارب
الأحد 18 أبريل 2021 - 22:00 11

بدون تعليك: المغاربة والأقارب

صوت وصورة
نقاش في السياسة مع أمكراز
الأحد 18 أبريل 2021 - 21:00 6

نقاش في السياسة مع أمكراز

صوت وصورة
سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان
الأحد 18 أبريل 2021 - 19:00

سال الطبيب: العلاقات الأسرية في رمضان

صوت وصورة
شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:36 12

شيخ يبحث عن النحل وسط الشارع

صوت وصورة
علاقة اليقين بالرزق
الأحد 18 أبريل 2021 - 17:00 10

علاقة اليقين بالرزق